الفصل الأول
في العام ٢٠٠٣، عندما كانت "رضا" في سن الخامسة عشرة من عمرها... ارتدت جلبابها الأسود الواسع الذي دائماً ما تفضله بعدما توفيت والدتها منذ ثلاث سنوات، واحتلت زوجة أبيها مكان أمها لتزداد حياتها حزناً وقتامة. _ استني يا بت يا مطلوقة خدي هنا! رايحة فين؟ نادت عليها ابن عمها "سميحة"، وهي فتاة ثقيلة الظل تتمنى رضا لو تختفي من حياتها.. ولكن هيهات! فـ "رِضا" قوية ولا يمكن لسميحة أو غيرها أن تقف أمامها؛ فلسانها دائماً ما يرد الصاع صاعين بكلمات تحسم أي مواجهة... فردت عليها بقوة وبلهجتها الريفية: _ بت أما تبتك ياختي! جاية ورايا ليه يا حرباية أنتِ؟ رفعت الأخرى حاجبها بغضب: _ اضبطي لسانك معايا يا رضا! فنهرتها رضا بجبروتها الذي لا يتناسب حتى مع طولها القصير الذي لا يتجاوز المتر وخمسة وخمسين سنتيمتراً: _ مين دي اللي تضبط لسانها؟ ما تظبطي نفسك أنتِ يا بت، بدل ما أنتِ ماشية تتخبطي كده! _ بقولك إيه.. مرواحك كل شويه عند الست الكبيرة ده مخلي سمعتنا على كل لسان! _ حوش حوش السمعة الحلوة اللي بتخر منكوا! ثم اقتربت منها قائلة بثقة: _ بقولك إيه.. لمي نفسك أنتِ وأمك وزوجة أبويا، وقوليلهم يهدوا كده على نفسهم.. ده الواحدة فيكم تتمنى بس تعدي من جنب قصر الست هانم الكبيرة وتشم ريحته! _ إحنا اعتراضنا مش على الست هانم الكبيرة يا رضا، وأنتِ عارفة! _ وأنتوا مين يا لوزة علشان تعترضوا ولا توافقوا؟! غضبت سميحة من كلماتها الحادة وردها الحاضر دائماً، فتحينت الفرصة لإغاظتها قائلة وهي تتهمها بعينيها: _ البت نعمات شافت الست الهانم وهي بتوريكي صور سي جلال وهو عايش في بلاد برة في وسط الحفلات والناس، وقالت للبلد كلها! بتتفرجي على صور وسي جلال ومبسوطة؟ والله أعلم بتفرجك على إيه تاني! ابتسمت رضا تلقائياً فور تذكرها أمر تلك الصور التي تمثل العالم كله بالنسبة لها: _ آه لو اتفرجتِ على اللي أنا بتفرج عليه! ثم ضمت يديها بحالمية وقالت بهيام: _ ياختي على الصور وجمال اللي في الصور! تعرفي إيه أنتِ عن الجمال يا فقرية، ياللي مشوفتيش في حياتك غير الشارع والترعة؟! فتحت سميحة عينيها بقوة قائلة بصدمة وحقد: _ يعني كلام نعمات صح، وبتشوفي صوره وبتتغزلي فيه يا قليلة الأدب؟! رفعت رضا حاجبها بتكبر وتعالٍ قائلة: _ أنتِ عارفة يا بت يا فقر أنا اتولدت فين؟ أنا اتولدت في القصر ده، ودكتور هو اللي ولد أمي! مش زيك جابوا لأمك حلاق الصحة استنضفوا وما جابوش داية! اغتاظت سميحة ولم تعرف بما تراددها، فصرخت فيها بغضب: _ أنتِ قليلة التربية! _ لا يا روح أمك، أنا تربية قصور! اتولدت وكبرت على إيد الست هانم، ووعيت على الدنيا وأمي أقرب خادمة لقلب الهانم.. أما أنتِ أمك معمرتش ساعتين على بعض في القصر! احمرت عيونا سميحة من شدة الغضب والكره ووقفت متخشبة مكانها؛ فقد سيطر عليها الحقد لدرجة أنها لم تعرف كيف ترد. لتقول رضا بقرف من ذلك الموقف: _ شوف البت بتبصلي إزاي! جتك القرف.. ابقي اتغسلي ياختي ونظفي نفسك قبل ما تيجي تقفي معايا! ثم تركتها ورحلت متغندرة بخطواتها الواثقة.. ورغم سنها الصغير، إلا أنه بسبب طبيعة حياتها القاسية تراها وكأنها تمتلك خبرة سنوات طويلة. فقد عاشت وتربت مع أعمام وزوجات أعمام لا يعرفون الرحمة، وأبوها لم يحب البنات يوماً، ولم يمنعه عنها سوى أوامر السيدة الكبيرة التي تحب رضا وتوفر لها الحماية. لكنه في بعض الأحيان كان يستفرد بها ويقسو عليها، وما زاد الأمر سوءاً وفاة والدتها وحضور زوجة أبيها إلى المنزل. لتجد رضا نفسها في دوامة: إما أن تكون الضحية وتبكي على حالها وتصبح مهانة للجميع، أو أن تقوى وتصلب قودها وتكتسب الكبرياء لمقاومتهم. وهي بشخصيتها القوية وبتربية السيدة الكبيرة لها، اختارت أن تكون شامخة لا يهينها ولا يذلها أحد. وقفت سميحة بعدما رحلت رضا تتوعّد لها بكره وغيظ: _ ماشي يا رضا.. إن ما خليت أبوي يكسر عضمك من الضرب ما أكونش أنا! الظاهر نسيتِ الأيام القديمة.. بس ماشي، الأيام بيننا! •••••••••••••••••••••••••••• أول ما دخلت رضا بهو القصر، حتى أسرعت إليها أم نعمات الخادمة الكبيرة تأنبها: _ اتأخرتِ ليه يا رضا؟ دي الست هانم مستنياكي بقالها ساعة! استندت عليها رضا لاهثة بعدما أخذت الطريق ركضاً: _ معلش يا أم نعمات.. البت سميحة وقفتني في الطريق وشغلتني! ربتت أم نعمات على كفها سائلة بقلق: _ اوعي تكون زعلتك ولا حاجة؟ كنت أروح أجرها لك من شعرها! رفعت رضا حاجبها بإبتسامة واثقة: _ فشر! هي تقدر؟ ده أنا إدتيها كلمتين في جنابها فرمتوها! ضحكت أم نعمات واستعجلتها: _ شاطرة يا بنت الغالية.. يلا يلا اطلعي للست هانم تلاقيها مستنياكي! قالت رضا بصدق وحب: _ ماشي، طالعة أهو.. وأنا أقدر على زعلها؟ دي ستي وتاج راسي! صعدت السلالم وقبل أن تصل للغرفة، اعترض طريقها صوت تلك السيدة الأرستقراطية المتعالية: _ أهلاً أهلاً باللي خلاص فكرت نفسها هانم علينا! تأففت رضا؛ فهي تعلم أن تلك المرأة "إنجي"، زوجة الابن الأكبر "حسين" للسيدة الكبيرة "فريدة"، لا تحبها ولا تطيق رؤيتها وتعيش حياتها للتكبر على من حولها. تحدثت إنجي بعنجهية: _ أنتِ ليكي مواعيد بنسمحلك فيها تدخلي وتطلعي.. أنتِ فاكراها وكالة من غير بواب؟! كانت إنجي تحاول بكل الطرق استفزاز رضا، فهي الوحيدة التي تقف أمامها بثبات نظراً لمكانتها في قلب السيدة الكبيرة. ردت رضا عليها بقوة: _ لأ مش وكالة من غير بواب.. بس دي دار الست هانم اللي أنا تربية إيدها، ولو غبت عنها يوم، ربنا يديم المعروف، ممكن تقلب الدنيا فوق نفوخ الكل! اغتاظت إنجي من ردها الواثق؛ إذ تذكرها رضا دائماً بأن كل شيء ملك للسيدة الكبيرة فريدة. صرخت فيها إنجي: _ اخرسي يا قليلة التربية! وتاخدي بالك كويس أنتِ بتتكلمي إزاي! نظرت لها رضا باستخفاف وقالت بمكر: _ أنا واخدة بالي كويس، أنتِ اللي بدأتي الأول.. وآه، دي تاني مرة يتقالي فيها الكلام ده النهاردة، فخلي بالك بقى يا ست هانم! ثم ابتسمت بطريقة استفزت إنجي أكثر، لتوحي لها بأن محاولاتها لإبعادها عن القصر لن تنجح. •••••••••••••••••••••••••••• _ يا صباح الخير على ست الهوانم! الجميلة اللي ما شفناش ليها مثيل، وجمالها رباني وتشوفها تقول دي صبية ومكملتش العشرين! دخلت رضا دخلتها المعتادة المبهجة، لتقول فريدة بإبتسامتها الراقية: _ صباح الخير يا بكاشة يا اللي جاية تضحكي عليا بكلمتين علشان ما أحاسبكِش على تأخيرك! وقفت رضا بجانب الفراش وقالت بحب: _ بعد الشر عليا من التأخير، ده أنتِ حبيبتي يا ست فريدة يا بنت الملوك! _ اقعدي بقى صدعتيني.. هاتي زيت اللوز وتعي دلكي فروة رأسي، دماغي واجعاني من الصبح. جلبت رضا الزيت ونفذت ما أُمرت به، وبعد عدة دقائق بدأت تتحنحن بتوتر تريد قول شيء لكنها تستحي: _ احم.. يعني.. ألف سلامة عليكِ. كانت السيدة مغمضة العينين مسترخية، وفهمت ما ترمي إليه رضا لكنها تجاهلتها لتكمل رضا بحماس: _ النهاردة الإثنين أول الشهر! تنهدت السيدة وقالت وهي ما زالت مغلقة عينها: _ قولي بصراحة يا رضا.. عاوزة إيه؟ تركت رضا شعرها وجلست أمامها على الأرض قائلة بحماس طفلة صغيرة: _ مفيش صور زي بتاعة كل شهر؟ نظرت لها فريدة بإبتسامة ثم رفعت حاجبها: _ فيه! أمسكت رضا بطرف ثوبها بنظرة رجاء: _ ودين النبي تفرجيني يا ست فريدة! نظرت لها غير راضية عن اندفاعها: _ شيلي إيدك يا بنت.. قال يعني كده هتصعبي عليا؟ ده أنتِ سوسة! نظرت لها رضا بملامح سعيدة: _ هتوريني؟! ابتسمت لها السيدة بحنان: _ آه هوريكي. وناولتها ظرفاً يحتوي على عدة صور، التقطته رضا بلهفة طفل على قطعة حلوى: _ تسلم إيدك، ويسلم إيد اللي بعتهم، ويسلم ويسعد اللي في الصور! فتحت الظرف بسرعة وأخرجت الصور، وما إن وقعت عينها على أول صورة حتى تحولت نظراتها لأخرى هائمة مرددة: _ بسم الله الرحمن الرحيم.. ياختي عليه! قلبت في باقي الصور وقالت وعيناها في عالم آخر: _ لبسه حلو أوي.. ده كله على بعضه أصلاً ما شفتش في جماله! وجدت له صورة وهو على أحد اليخوت يبتسم للبحر، فقالت: _ أكيد دماغك وجعتك من كتر التفكير فيه وفي جماله! ردت السيدة بضيق: _ لأ يا ناصحة، وجعاني من حاجات تانية. تجاهلتها رضا وأمسكت صورة تظهر ملامحه بوضوح وابتسامته الرائعة فقالت: _ إيه ده؟ كان بيرضع إيه وهو صغير؟ بسبوسة بالقشطة؟! _ الله أكبر في عينك! نظرت لها رضا بصدق وعشق: _ ياختي أحسد حبيبي إزاي؟ ده روحي وعقلي وكل ما ليا! ده العيال في الكفر ناقص يزفوني ويقولوا رضا العانسة أهي! بس أنا قاعدة مستنياه.. بحبه من كل قلبي والله! ربتت فريدة على رأسها، لتكمل رضا: _ بحبه أوي من أيام ما كنا صغيرين ونلعب سوا، وأمه أم قلب قاسي تيجي تزعقلي وتطردني من القصر علشان ما يلعبش معايا! تأملت صورة أخرى وشهقت بقوة: _ يا لهوي على جماله وحلاوته! ده زي الجيلاتي المسكر كده! نهرتها الجدة: _ جيلاتي؟ إيه الألفاظ دي؟! فتوترت رضا قائلة: _ قصدي يعني حلو وسكر.. سحبت فريدة الظرف قائلة: _ طب هاتي! تمسكت به رضا برجاء: _ لأ استني أشوف بقية الصور! _ لأ. أخذته السيدة فحزنت رضا كالأطفال: _ أنا عاوزة أتفرج يا ست فريدة، فرجيني! قالت بحزم: _ لأ، قلت لأ يعني لأ! وضعت رضا رأسها أرضاً ومثلت الحزن لتؤثر في فريدة، فنادت عليها السيدة: _ تعالي هنا اتفرجي.. بس ما ترجعيش تزعلي لما تشوفيهم، الصور دي سبب الصداع اللي عندي من الصبح. أخذت الظرف مبتسمة: _ أكيد من كتر الحلو اللي فيهم يجيب صداع! وما إن رأت الصور التالية التي تظهره في إحدى الحفلات بالخارج تحيط به الفتيات، حتى وضعت يدها على قلبها وانفتحت عينها بصدمة: _ آه يا قلبي! الحقيني يا ست فريدة! مين اللي واقفين معاه دول؟! حاولت فريدة كتم ضحكتها على منظرها المصدوم، لتردف رضا بحسرة وهي تطالع الصور: _ يا خرابي! يا لهوي! يا ليلة سودا! ثم ضربت بيدها على ثوبها مقهورة: _ يا مصيبتي! أوقفتها فريدة: _ بس أنتِ اتجننتِ؟ بتكلمي الصورة؟ صرخت رضا بحسرة: _ أنتِ مش شايفين واقفات جنبه إزاي ولابسين إيه؟! يا عالم أنا عقلي هيطير! قالت فريدة بحزن على حال حفدها: _ هو يعني أول مرة؟ ده كل يوم في مكان شكل وشغليته السفر والحفلات.. جلال ده طالع لجده، ما بيقعدش ساكت دقيقة! ما كنتش أتخيل إنه يطلع كده، أبوه كان هادي طول عمره. كانت رضا تضرب يدها بأخرى مقهورة: _ نار في قلبي يا ست فريدة! نار في قلبي مش قادرة.. عايش في الغربة وناسينيا! _ يا بنتي ده آخر مرة شافك فيها كان عندك سبع سنين، هيفتكر إزاي بس؟! _ برضه ما ينفعش! ده بيعمل حاجات غلط.. أنا صحيح ببص لِصوره بس أنا نفسي يتعدل وأكون نصيبه، إنما العيشة دي والمناظر دي غلط وكبائر كمان! _ أعمل إيه بس يا رضا؟ منها لله أمه اللي طلعت في دماغه فكرة السفر والتعليم برة، وأبوه اللي ملوش كلمة.. وأديه أهو هيكمل العشرين ولسه ولا ليه رابط ولا حاكم ولا يعرف أصول دينه مظبوط.. كويس إنه فاكر إنه مسلم! تنهدت السيدة بحزن، فقامت رضا وقتربت منها بعيون حنونة: _ صعبان عليا أوي.. إزاي هان على أمه توديه آخر الدنيا وهو يعيش لوحده ويدوق مرارة الغربة؟ طب مين بياخد باله منه، ولما يفرح يحكي لمين، ولما يتغم يشكي لمين؟ تهكمت السيدة: _ قال يعني متعذب! ده عايش في عز يا هبلة! هزت رضا رأسها بشفقة: _ أيوه عايش في عز صحيح، بس من غير روح ولا حنان.. ده لو معاه مال الدنيا برضه ما يغنيهوش عن جو العيلة وحنان أهله.. هي دي برضه عيشة؟ ابتسمت فريدة بشرود: _ وأهو عيد ميلاده كمان قرب.. نظرت رضا للأمام بحسرة: _ يا ترى هيقضيه زي كل سنة لوحده برضه، ولا مع الصحبة دي؟ رفعت السيدة رأسها بثقة وقوة: _ لأ.. السنة دي بقى غير! استغربت رضا: _ إزاي يعني؟ _ هو ده الموضوع اللي كنت عاوزاكي فيه.. مفاجأة يا آنسة رضا، جلال نازل مصر كمان شهر!