الفصل الثاني
في اليوم التالي، كانت رضا في غرفة فريدة هانم، وكانت فريدة تأكل بعض الفواكه، فعزمت على رضا، لكن رضا هزت رأسها بالرفض، فقالت فريدة: _ برضه صايمة؟! ردت رضا وهي ترتب بعض الأغراض في الغرفة: _ أيوه.. ده تكفير ذنوب! _ وهو أنتِ عملتِ إيه بس؟ رفعت رضا رأسها ونظرت لفريدة بحزن وشعور بالذنب: _ لاه.. بصيت في صوره وكنت هاكله بعيني، وتقوليلي عملت إيه؟! لازم أصوم تلات أيام كفارة! تركت فريدة الفاكهة من يدها ورفعت حاجبها قائلة بتحدٍ: _ طيب، طالما الحكاية كده بقى، مش هوريكي صوره تاني! أسرعت رضا فوراً وجلست على الأرض أمام فريدة الممتدة على كرسيها المريح: _ لاه! أنا في عرضك يا ست فريدة! دي هي الحاجة الحلوة اللي بتنور أيامي من الشهر للشهر.. بس أنا لازم أكفر عن ذنوبي علشان ده غلط، وبدعي ربنا يسامحني.. بس أعمل إيه، نفسي ضعيفة من ناحيته أوي! نظرت إليها فريدة بحب كبير وتأثر، ووضعت يدها على شعرها الذي انسابت منه الطرحة قليلاً: _ قد كده بتحبيه يا رضا؟ سرحت رضا في الفراغ وقالت بحب شديد: _ بحبه أوي.. من صوره، ونبرة صوته لما بيكلمك أو يبعتلك تسجيلات الشرايط اللي أدمتها وبقت زي المهدئ بالنسبة لي.. بس أنا عارفة إن ده كله ما ينفعش، وبحاول والله أمنع نفسي بس بخيب في الآخر.. ربنا يسامحني يا رب! كانت رضا طيبة وبريئة جداً على عكس ما يظن أهل البلد عنها؛ فهي دائماً تحاول ادعاء القوة والشجاعة حتى لا يجرؤ أحد على إهانتها، ولأنها تعلم أن الضعيف يُسلب حقه. وكانت فريدة تعلم مدى تدينها وطيبتها، بل تراها الزوجة المناسبة لحفيدها لأنها لا تتهون في الحق والواجب مهما بلغت محبتها. _ عندك حق يا رضا.. علشان كده أنا اخترتك، ومش هرتاح ولا يهدالي بال غير لما أجوزك جلال، وأطمن إنه في عصمة زوجة صالحة تشده دايماً للخير والدين. أمسكت رضا يد فريدة وربتت عليها بحنية وكأنها أمها: _ ألف بعد الشر عليكِ يا ست الهوانم كلهم.. تعيشي وتشوفيه عريس وتفرحي بعياله كمان! _ تفتكري ممكن أعيش لليوم اللي أشوف فيه ولاد جلال؟ _ ربنا يديكِ الصحة ويطول في عمرك يا رب. توترت رضا وحُبس الكلام في حلقها، لكنها سألت بتلكمك: _ بس يعني.. شفتِ الفتيات اللي واقفين معاه في الصور؟ تضايقت فريدة من هيئة تلك الصور، لكنها جارَتها لتفهم ما يدور في ذهنها: _ مالهم؟ قامت رضا من مكانها بتأفف وغيرة شديدة: _ بنات كده.. بيض وشعرهم أصفر وعيونهم ملونة، ويعني من الآخر كده هما حلوين أوي أوي.. بس أنا استغفر الله العظيم أحلى منهم طبعاً! ضحكت فريدة بخفة: _ طبعاً يا رضا! تحولت معالم وجه رضا للحزن مرة أخرى ونظرت لفريدة بأمل خافق: _ تفتكري ممكن هو.. بجماله وهيبته ورجولته دي كلها، يسيب البنات دول ويتجوزني أنا؟ ردت فريدة بثقة: _ ما تشيليش هم الموضوع ده أبداً. سكتت رضا، لكنها فكرت في إمكانية أن تجبر فريدة هانم جلال عليها، فقالت بجدية: _ ست هانم.. لم ترد فريدة وكأنها تتوقع ما ستقوله، لكن رضا أصرت: _ ست فريدة.. متجبريهوش عليا! نظرت إليها فريدة ببعض الضيق من نبرتها الآمرة، فاستدركت رضا بسرعة وقالت بصدق: _ مع حفظ المقامات يعني، وأنتِ مقامك عالي أوي.. بس أنا بعتبرك في مقام أمي الله يرحمها، بفتحلك قلبي وبشكيلك.. لو ليا خاطر عندك، ما تجبريهوش عليا! ردت فريدة برزانة وغُموض: _ وهو في حد يقدر يجبر راجل إنه يتجوز واحدة هو مش عاوزها؟ نظرت رضا في عينيها بثبات: _ أنتِ يا ست هانم تقدرِ.. وأنا وأنتِ عارفين إنك تقدرِ تخليه يوافق هو وأمه وأبوه! نهرتها فريدة بقوة حين شعرت بتجاوزها: _ رضا! ابتلعت رضا ريقها بخوف واعتذرت: _ أنا أسفة يا ست هانم.. ردت فريدة بحدة: _ مش عاوزة أسمع كلمة تانية.. يلا روحي، مش عاوزة أشوفك النهاردة ولا بكرة! حزنت رضا من الموقف، لكنها قالت بشموم وقوة ناعمة: _ كلمة أخيرة هقولها وهمشي.. لو مش عاوزة تشوفيني تاني أنا مش هزعل، أهم حاجة راحك يا ست هانم.. ما تذليش جلال بالورث! بلاش تساوميه أو تخيريه بين جوازه مني وبين حقه.. جلال حفيدك الوحيد. دمعت عين فريدة تأثراً بصدق رضا، لكنها رأت أن هذا الحب الأعمى يغطي عن حقيقة ما أصبح عليه جلال، فقالت بنصح جاد: _ جلال مش زي ما أنتِ فاكرة يا رضا.. أنتِ فاكرة جلال اللي كان بيلاعبك وأنتِ صغيرة وعنده براءة الأطفال؟ جلال ده كان يادوب ١٢ سنة.. دلوقتي هو حاجة تانية؛ عايش في طيش وبذخ، ولو الفلوس دي اتقفلت عنه هيعمل أي حاجة علشان يرجعها! قاطعتها رضا بحرقة: _ ما تقولِيش عليه كده! أنتِ ما تعرفيهوش! ردت فريدة: _ وأنتِ بقى اللي تعرفي حفيدي أكتر مني؟ دافعت رضا عنه بعاطفة مشتعلة: _ أعرفه بقلبي وروحي! جلال محتاج حد يحبه بصدق، حد يحن عليه وياخده في حضنه ويطمنه إنه يفضل جنبه مهما حصل! تنهدت فريدة بتعب: _ روحي دلوقتي يا رضا.. شكل الصيام مأثر عليكِ. مسحت رضا دمعة سالت على خدها وقالت بطاعة: _ ماشي.. تعوزي مني حاجة يا ست الكل؟ ابتسمت فريدة ابتسامة مصطنعة: _ افتحي الدرج اللي هناك ده وخدي اللي هتلاقيه. ذهبت رضا وصرخت بمفاجأة كالأطفال: _ شوكولاتة! ضحكت فريدة: _ بس اوعي تتهوري وتاكليها دلوقتي وأنتِ صايمة! جرت رضا لتحتضنها، لكن فريدة اصطنعت التكشير: _ لأ، مش هنسلم.. أنا زعلانة منك، إياكي تكلميني كده تاني! قالت رضا بحب: _ سامحيني والله ما يهون عليا زعلِك! ابتسمت فريدة لطيبة رضا الصافية، وتأكدت أنها الوحيدة القادرة على بناء أسرة حقيقية تقوم على الأخلاق والتربية الصالحة. _ طب يلا روحي وبكرة أصفالك. هزت رضا رأسها بابتسامة: _ ماشي يا ست هانم. •••••••••••••••••••••••••••• في أمريكا... في إحدى الصالات الصاخبة التي تعج بالسهر والموسيقى، كان هناك شاب مصري الملامح، بعينين رماديتين وبشرة فاتحة وشعر أسود ناعم، يرتدي قميصاً أبيض أنيقاً ومفتوح الياقة، يظهر عليه الترف والجاذبية الشديدة التي تجعل الجميع يلتفون حوله. كان يتكئ بثقة ومرح وسط جمع من الفتيات والأصحاب، بينما يتابع أصدقاؤه المشهد من طاولة مجاورة. قال أحدهم بحسد: _ شوف جلال.. البنات مش سايبينله فرصة حتى يتنفس! شرب رامز كأسه وقال بحقد وسخرية: _ محظوظ من يومه.. الفلوس والجاه بيعملوا أكتر من كده. رد صاحبه: _ يا عم بدل ما تحسده، ما تنصحه ينتبه لدراسته! في تلك اللحظة، اقترب منهما "مازن"، شاب وقور يظهر عليه الالتزام والاحترام. ألتفت إليه رامز وقال بكره مكتوم: _ أهلاً بشمهندس مازن.. جاي تنصح الباشا اللي سايب امتحاناته ومقضيها سهر للصبح؟ قرب منه مازن وقال بثبات ونبرة حادة: _ رامز.. أنت بتمثل إنك صاحبه وتخاف عليه، وأنت أكتر واحد بتحسده وتستغله! استشاط رامز غيظاً، بينما أضاف مازن بثقة: _ أنا وجلال أصحاب من زمان، وأنا هنا علشان دراستي ومستقبلي.. جلال عنده إمكانيات يكون أنجح دكتور لو فاق من اللي هو فيه، فبلاش شغل الحقد ده وراجع نفسك! تركهم مازن وتوجه مباشرة نحو جلال، بينما بقي رامز ينظر إليه بغل ويكتم غيظه. أزاح مازن إحدى الفتيات المحيطات بجلال وهتف بجديّة: _ أنا مش عاجبني اللي أنت بتعمله ده يا جلال! رفع جلال رأسه ببرود مفرط ومسك سيجاره الفاخر، وقال بلا مبالاة: _ في إيه يا مازن؟ مالك على الصبح؟ قال مازن بضيق وضغط: _ أنت لازم تفوق! اللي حواليك بيكرهوك وبيستغلوا فلوسك، وأنت سايب دراستك ومقضيها سهر ولعب! أنت مسلم، وجاي هنا علشان تاخد شهادة محترمة وترجع لفتخر بيك أهلك، مش علشان تضيع نفسك في السهر والطيش! سحب جلال نفساً من سيجاره ونفخه بهدوء، ثم قال بابتسامة ساخرة: _ يا عم روق دماغك وسيبك من المواعظ دي! تعالى اقعد واشرب حاجة وانسى الهموم. نظر إليه مازن بحزن وصدمة من هذا التغير؛ فصديق طفولته الذي كان يحلم بإنهاء دراسته والعودة لوطنه، أصبح شخصاً مستهتراً لا يبالي بعبادة ولا بدراسة، ويرى الكبائر والأخطاء أمراً عادياً في حياته اليومية. اقترب أصدقاء السوء وأخذوا جلال معهم وسط ضحكاتهم الصاخبة وهو يرفع كأسه محيياً إياهم ببذخ: _ الليلة على حسابي يا شباب! حاولت إحدى الفتيات الاقتراب منه، فغمز لها جلال بوقاحة ومرح، وانغمس مجدداً في أجواء السهر. وقف مازن يتأمل المشهد بحسرة، وأدرك أن النصح الشفهي لن ينفع مع جلال، وأن بقاءه على هذا الحال يعني دمار مستقبله وحياته بالكامل. في تلك الليلة، اتخذ مازن قراراً صعاباً ولكنه شجاع؛ أخرج هاتفه وقام بإرسال رسالة مفصلة إلى الجدة "فريدة هانم" في مصر، أخبرها فيها بكل ما يفعله جلال، وعن تدهور مستواه واستهتاره الشديد. وعلى إثر هذه الرسالة، اتخذت الجدة فريدة قرارها الحاسم والنهائي: سيعود جلال إلى مصر فوراً، ولن يسافر مجدداً، وسيتم تزويجه من رضا ليعود إلى صوابه ورشده!