الخادمة الصغيرة "الجزء الثاني"
الفصل 112 د متبقية
الفصل 1

الفصل الأول

12 د قراءة

نزلت العجلة الأمامية من العربية بهدوء على طرف الأسفلت الجديد ، ولفت نسمات خفيفة في الهوا كأنها بتحاول تفتّش في الوجوه عن ذكريات قديمة.

كانت قاعدة في الكرسي الأمامي، عينيها متسمّرة على الطريق اللي عمرها ما كانت تتخيله بالشكل ده. كانت بتفتكر تراب بيطير، طين لازق في الجزمة، عيال بتجري حافية، وصوت بنت عمها الكريهه بيناديها.. لكنها دلوقتي شايفة طريق أسفلت قوي ومستوي وعلى جانبيه أشجار فاكهة وأشجار ورد ...

وهو قاعد ساكت ، نظافة الطريق والمباني ومعمارها الجديد والبسيط في نفس الوقت واللي حافظ على الطابع الريفي لكن بشكل أحدث خلاه يشك انهم تايهين !

العربية وقفت عند بيتهم اللي لسة زي ماهو من سنين ، نزل من العربية ببطئ يبصله وعينه فيها حنين وفضلت هي جوه العربية وكأنها خايفة تنزل .. رغم قوتها وشجعاتها إلا إنها مقدرتش تنزل !

رجل بسيط من البلد ، لابس جلابية مكوية ونضيفة، قرب من باب العربية وفتح لهم، وابتسم وهو بيمد إيده للشنط.

قال بهدوء

_ حمدلله على السلامة يا دكتور

كان عارفه وسلم عليه وحضنه مع انه مشافوش من سنين لكنه كان بيتواصل معاه وطلب منه تنظيف البيت وتجهيز المقابر لدفن جثة أمه زي ما طلبت انها تندفن جنب أبوه في البلد

وبعد السلام قال الراجل

-ما تقلقش يا دكتور مازن... الحاج عمل كل حاجة، البقاء لله.

اتنهد مازن ورد بحزن امتزج بالرضا وتقبل الأمر الواقع

- حياتك الباقية... بس الحاج مين؟

الراجل فرد كتافه كأن الإجابة بديهية

- الحاج جلال، الله يكرمه، ما سابش حاجة ناقصة

اللحظة اتجمّدت.

اللي في العربية بصّت لمازن بسرعة، ملامحها اتبدّلت، عينيها وسعت كأن الزمن رجع ووقفها في لحظة هروبها، في الليلة اللي سابت فيها كل حاجة.

قالتها بصوت واطي، مش مصدقة

- الحاج جلال مين؟

______________________

كان واقف ساكت قدّام القبور ، ضهره للناس وللدنيا كلها .. وهو فعلا بقى راميهم ورا ضهره من سنين طويلة ...

راجل طويل، لابس جلابية نظيفة بلون رمادي هادي، وشعره الأسود الطويل سايب ببلمس رقبته الطويلة إللي مع السنين منحنتش ، خصلات شعره السودا بتتحرّك مع الهوا كأنها بتتناغم معاه ومستسلمة لنسمات الهوا القوية ...

ما كانش فيه صوت...بس شكله لوحده كان كفاية..لحيته بقت كثيفة، مش مهملة، لكن فيها هيبة السنين..

واقف بإيدين مرفوعين، بيقرى الفاتحة من قلبه، مش من لسانه بس ..

عيونه كانت متعلّقة بحجر قديم عليه اسم عزيز عليه "فريدة "، جدته اللي ربته، و كانت سبب في تغيير حياته كلها .

وقف شوية، وساب عينه تتحرك لقبرين صغيرين جنبها… قبور صغيرة معلهاس أسماء ، بس الوجع فيهم كبير..

ولاده. اللي اتولدوا وراحوا من غير ما يدو له فرصة يسمع صوتهم ولا يعرفهم .. جم بسهولة وراحوا بسهولة !

وبعدهم، قبر تاني...

كان بسيط، من غير ورد ولا علامة، بس هو عارفه كويس.

"سارة"

الست اللي الناس كلها كانت بتشاور عليها وتقول " رقاصة " ،  هو نفسه كان بيكرهها في آخر أيامها .. لكنه لما فاق  .. نقل قبرها بإيده عشان تكون جنب إللي راحوا  وبقى يقف لها هنا زي ما بيوقف لأقرب الناس ليه.. في النهاية هي أم أولاده الاتنين ..

ما قالش حاجة. ولا حتى دمع. بس كان فيه حاجة في ملامحه اتغيّرت… زي اللي شايل جوا صدره سنين من الكلام، وقرر يسيبه للتراب..

قرا الفاتحة للكل، ومسح وشه بهدوء. رجع خطوة لورا، بس ما اتحركش..

كان واقف، ولسه الهوا بيحرّك شعره الطويل وجلبابه… وكأن حتى الهوا مش عايز يسيبه لوحده ... كل حاجة بتعصف جوا عقله والهوا مش هادي ومذود عليه اضطرابه وأفكاره !

_ الدكتور مازن وصل يا حاج جلال ..

سمع صوت أحد الغفر إللي جه يبلغه الخبر وهنا فاق أخيرًا للواقع وحمحم بيحاول يخرج صوته كأنه اتحبس جواه من شدة الألم والتفكير ..

_ تمم على رجالة الصوان والمدفن ...

بيفتكر مازن وبيفتكر أمه والأيام  والسنين اللي عاشرهم فيها وبيتنهد في حنين وحزن

_ الله يرحمها ويصبره .

وبيمشي جلال بعد ما بيلقي نظرة أخيرة على منظر القبور اللي حوت على أجساد عمره ما هينساها طول ماهو عايش وبيتنفس ..

مشي جلال وخرج من المقابر وبدأ يمشي في البلد

البلد إللي بقت حاجة تانية ! شيئ مختلف تمامًا ... اتطورت واتحدثت وبقت على شكل وهيئة محدش كان يتخيل في يوم ان قرية ريفية في مكان متطرف ومجهول .. تبقى بالجمال والتحضر دا ! ..

كان ماشي بين الناس إللي بتبصله وتسلم عليه من بعيد .. إللي يعزم عليه يدخل يتغدى وإللي يعزم عليه يدخل يشرب حاجة. وكلهم كان باين في عينهم الاحترام والحب والتقدير ليه ..

اتنهد جلال ووصل لبيته أخيرًا ...

_ بابا !

أول ما دخل جلال لقاها في وشه في الجنينة كانت قاعدة بترسم وأول ما شافته جرت عليه وحضتنه زي ما عودها طول عمرها

كبرت وبقت بنت كبيرة بالغة وجميلة .. شعرها طويل واسود وغجري ! مش شبه شعر أمها لكنها شبه شعره هو ... دمها خفيف وجريئة وبتعرف تتكلم .. بس دا مش دايما بيريحه للأسف !

بعد ما حضنها وسلم عليها سألت سؤالها المعتاد بطريقتها إللي بتخليه عاوز يقرص خدودها من لطافتها

_ مش هتجيبلي عربية بقى ؟

مسح على ظهرها وهو بيبتسم

_ أنتِ عارفة الرد ...

قلبت عيونها وقالت بملل وضيق

_ لما يبقى عندي ١٨ سنة !!

رفع حاجبه يأكد على الكلام

_ بالظبط

فردت وكأنها هتنتصر عليه قريب

_عادي .. كلها كام شهر ..

هزر دماغه يسايرها وبعدين لف براسه وتأفف بضيق وسأل بجمود

_ فين أخوكي؟

_  مشفتوش من الصبح ..

ردت فاتعصب جلال وبان على وشه الغضب وقال بنبرة جادة

_ لما ييجي عرفيه إني مستنيه وكلامنا باليل بعد ما أخلص إللي ورايا  ..

وطبطب على شعرها وكان هيمشي لكنها وقفته بكلامها وقالت بلوم وعتاب

_ ومتقلوش أنت ليه هتفضل مخاصمه كتير ؟ وبعدين اشمعنا هو يعني إللي عاوز تحاسبه علطول ماهو عمر بيبات برا البيت ومحدش بيقدر يقوله حاجة اشمعنا يحيّٰ يعني ... 

وقف جلال يبص لبنته اللي كل يوم عن إللي قبله بتتجرا عليه بشكل من الأشكال وهنا جه صوت انثوي من وراهم  بينادي عليها بتحذير ..

_ حياة !

بصتلها حياة وجلال مع بعض لحد ما قربت منهم .. كانت بيضا ولابسة حجاب ولبس محتشم وملامحها كلها قوة والتزام وقالت

_ اعتذري لبباكي عن إللي قولتيه، انتي هتحاسبيه ولا إيه  ؟

بصتلها حياة بزعل وبعدين بصت لبباها وقالت

_ أنا آسفة يا بابا ..

ليها تأثير كبير على ولاده وهو دا إللي هو عاوزه .. إنها تربي ولاده وتاخد بالها منهم ..وفعلا اعتبروها زي أمهم خصوصًا بعد ما اتجوزها .. رغم انه قالهم إنها مش أمهم ولكنهم ميعرفوش أم غيرها ولا عاوزين يعرفوا ..

قربت من جلال وحطت ايديها على كتفه وقالت برقة وحنان

_ معلش يا جلال هي بس زعلانة إنك مش بتتكلم مع يحي ..

قفل جلال عيونه بتعب وهز راسه وبعدين قال

_ ربنا يهديهم  ..  بابا فوق ؟

_ أيوة يا حبيبي.. فوق ..

ردت بحب وبعدين قربت منه وقالت بصوت رقيق

_ جلال.. وحشتني أوي ..

بصلها وقال

_ انتي كمان ..

_ مش باين ليه ؟

ميكت دراعه وكأنها عاوزة تسمع وتشوف منه أكثر فبصلها بأسف وقال

_ مش وقته .. مش وقته يا نسيمة .

وقرب منها وباس راسها وخرج فوق عشان يغير ويبدأ يومه الطويل من أول الدفن لحد العزاء باليل ......

_ إيه يابابا الدفنة خلاص هتبدأ ..

قال جلال لبباه إللي كان واقف بيسرح شعره وبيظبط شعره أدام المراية وبيبصله جلال وغصب عنه بيبتسم وهو شايف كريمة بتقول

_ معلس بقى يا جلال .. أبوك لازم يظبط الشعرتين بتوعه قبل ما يخرج .. ناسي انه رايح يدفن  مش رايح فرح !!

_ ومالوا .. مش لازم أبقى راجل أنيق علطول ...ولا خلاص راحت عليا يا كريمة ..

ابتسمت كريمة وقربت منه تحطله الكوفية فوق رقبته

_ مراحتش ولا عمرها هتروح يا حبيبي ..

أد إيه جلال  كان بيحس بالسعادة وهو شايف أبوه مبسوط بعد كل إللي هو مر بيه .. كان مبسوط ومع السنين حب كريمة جدا جدا وبقت زي أخته مش مراة أبوه وبقى عمر أخوه الصغير بجد مش مجرد ابن مراة أبوه  ... وذادت الروابط أكتر لما خلفوا ليه أخ تاني كمان ...لكن مع كل دا .. غصة دايما محتلة قلبه ومش مهنياه على عيشته ولا على حياته ..

_ طب نبطل حب شوية وتيجي بقى !

قال جلال فجه من وراه أخوه الصغير إللي سموه حمزة

_ معرفش مالهم .. ما تكبروا بقى ..

_ مالكش دعوة يالا ... اسقبوني وأنا جاي !

قال  حسين وبعدين بعدهم وقفل الباب وكريمة ضحكت على تصرفاته إللي لسة بتثبت أد إيه هو مش عاوز يكبر .. بالعكس بيصغر كل سنة أكتر معاها وهي كمان بتصغر معاه .. بحبهم وحنانهم على بعض الدنيا بقت أسعد وبقت ورديه وكأن الوقت مبقاش موجود..

_ كنت فين ؟

سأل  جلال بقوة أول ما شاف أخوه 

_ ما تقولي  ازيك طيب !

_ أنت وعمر مبتوش في البيت قولي كنتوا فين !

رد جلال بقوة وجدية فبصله حمزة وقال

_ كنا في القسم !!

_ قسم !! فين عمر !!

قال جلال بعنف فرد حمزة يقول

_ اهدى .. عمر مالوش دعوة .. أنا إللي اتخانقت .. عمر هو إللي طلعني منها .. المرادي مش هو .

جن جنون جلال ولكنه كان لازم يهدى غصب عنه علشان إللي وراه ومفيش وقت يقعد يناقش ...

_ كلامنا بعدين .. تعالى الدفنة هتبدأ

لكن حمزة وقفه وهو بيقوله بسرعة عن إللي حصل بصدق

_ جلال اهدى يا حبيبي محصلش حاجة والله دا واحد كان بيتحرش بواحدة وأنا ضربته وربيته وحرمته يعمل كدة مع بنت تانية بس هو ابن بابي ومامي فدخلنا في سين وجيم بس الحمدلله عمر جاب محامي وحلها في ليلتها والكلب دا هيتحاسب كمان !

بصله جلال بفخر وهو شايف أخوه إللي لسة مكملش ١٨ سنة بالرجولة والقوة دي .. حس بفخر وهو بيسمع حمزة بيتكلم بالعزم دا وانه إزاي كبر وهو متربي على الدين  والشجاعة والأصول

_ جدع يا حمزة ..بس كل دا من ورايا ! افرض الموضوع كان ذاد

طبطب حمزة على كتفه وهو عارف مدى قلق جلال عليهم وحمايته المفرطة ليهم وقال وهو بيحاول يريحه ويخليه يهدى علشان أعصابه وتعبه

_ متخافش وراك رجالة .. ارتاح بقى عشان خاطري .. وعمر جه بس طلع ينام ... قالي معرفس مازن ولا عمري شوفته فمش هيحضر .. سيبه بقى بدماغه وبقولك عشان مترجعش تزعل منه ..

هز جلال راسه لأن مفيش فايدة في عمر وإللي في دماغه بيعمله .. صحيح مبيخرجش عن طوعه كتير لكنه عنيد ودمه حر وبيعمل إللي هو عاوزه . ______________________________

بدأ البيت يتملى ناس واحدة واحدة وقرب وقت الصلاة أو بمعنى أصح وقت الدفن وتشييع الجثمان  ...

بيدخل من بين الزحمة وبيقدر بصعوبة يختلى بصحابه القديم .. مازن !

_ البقاء لله يا مازن ..

هنا مازن بيتفاجى جدًا انه شايف صاحب قديم ادامه وبيقول وهو بيتأمله

_ رامز !

قال رامز بمواساة

_ لما سمعت الخبر زعلت جدا .. الله يرحمها .

هز مازن راسه وهو لسة مش مصدق وجود رامز في البلد وألف  سؤال في باله لكن أكتر  حاجة جذبت نظره التغيير إللي حصل في شكل رامز رغم ان ملامحه هي هي ووشه هو هو لكنه طريقته واسلوبه فاجئته ..

_ مش مصدق إني شايفك بعد السنين دي كلها .. وشايفك كدة ! أنت اتغيرت ..

ابتسم ابتسامة خفيفة ورد قال بأسلوبه إللي لسة فيه مشاغبة قديمة ..

_ ولا أنا مع إننا مكناش بنحب بعض أوي يعني ..

قرب منه مازن وحضنه وهو حاسس بحنين حقيقي فعلا لريحة زمان وصحاب زمان وقال

_ مش وقته الكلام دا .. مبسوط إني شايفك رغم الظروف إللي أنا فيها ..

بيحضنه رامز وبيتنهد .. شوق وحنين غريب ! نوستالجيا احتلت جسمه ومشاعره .. لأيام ما كانوا عيال مسافرين في الغربة مع بعض ... وفجأة بقوا رجالة كبار فوق التلاتين ! ..

هنا ظهر فجأة صوت بيدور على مازن

_ مازن ..

بص مازن ولقاها وراه  فعرف انها جات تدور عليه بعد ما تفقدته وسط الحضور وملقتهوش أكيد  .. أما الكارثة الحقيقية كانت عند رامز ! .. إللي وقف مكانه متمسمر وفجأة خرج من بين شفايفه ..

_ رضا !

_ أميرة ! ...

التف ليه مازن بسرعة وصحح ليه بانفعال لكن رامز هز راسه وهو لسة باصص ليها وقال وهو متأكد

_ أنا فاكرها كويس .. دي رضا !

بيتصدم رامز بقوة شديدة وبيفصل باصص ليها وعيونه بتوسع بشكل ملحوظ خصوصًا لما يلاقيها بتقرب وبيتأكد أكتر منها .. هي هي نفس الملامح نفس كل حاجة .. مش معقول دي متكونش رضا !! أكيد دي رضا استحالة رامز يغلط وميعرفهاش ولا يعرف ملامحها إللي  حفظها من أول مرة شافها فيها في فرحها هي وجلال !!

_ it's amira ..

قالت بنبرة قوية وواثقة وهي داخلة عليهم .. بدون حجاب .. لابسة جيبة سودا قماش ضيقة وقميص أسود  مناسب للعزاء ورافعة شعرها ربطاه بشكل كلاسيكي راقي ...

وقربت منه وقالت بملامح ثابتة وقوية

_ أهلا وسهلا ..

وبتمد ايديها للسلام عادي بالإيد وهنا بيفتكر انها مكانتس بتحب حد يلمسها زمان خالص ولا حتى بالإيد .. ولكنه بيكون متجمد من الصدمة وبيسلم عليها وهو مش فاهم فيه إيه ولا إيه إللي بيحصل ..

_______________________________

بيخرج رامز من عندهم وهو ماسك موبايله وعمال يتصل عليه ..

_ رد بسرعة !!

بيرن على جلال لكن مفيش رد وآخر مرة جلال فتح قاله

_ فيه إيه أنا خلاص أدام البيت !!

_ متدخلش تمام تعلالي جنب البيت !

قال رامز بسرعة وهو متوتر وخايف من إللي هيحصل .. دي سنين عذاب وبحث طويلة .. سنين أليمة عاشها مع صاحبه بيدوروا عليها لحد ما صابه الغم والمرض ...

_ رامز اقفل مش سامعك تعالى عند المدخل ..

_ لاء جلال .. جلالل !!

بيغضب رامز جدا وبيفضل ينادي عليه لكن جلاب بيكون قفل خصوصًا انه مبقاش سامع حاجة من الزحمة ..

الناس كانت بدأت تتجمع وخلاص الأذان أذن والحنازة هتخرج ولازم جلال يروح يشيل النعش مع مازن إللي لسة أصلا مسلمش عليه لغاية دلوقتي لكنه كان مشغول في تحضير المدفن وترميمه  والتجهيزات الباقية وانه يأكد على أهل البلد حضور وتقديم واجب العزاء ... وكعادة  أهل القرى كدة كدة هما مش محتاجين وصاية هما بيحضروا وبيقفوا جنب بعض في الحزن قبل الفرح .

_______________

دخل جلال بين الحضور جلال دخل بخطوات هادية، ووشه ثابت، لكن عيونه شايلة هم وحزن  كبير

الناس فورًا انتبهت ليه و لوجوده… حضوره تقيل، صوته ساكت بس هيبته بتتكلم... وبداوا يرفعوا ايديهم في صمت يسلموا عليه .. وهو يحك ايده على صدره يرد السلام  ..

وقف لحظة، وبص على مازن من بعيد…

مازن كان واقف متشنج، بيحاول يسيطر على نفسه، لكن لما عينه وقعت على جلال… حس بحاجة غريبة... اتفاجئ وكأنه معرفوش في البداية إلا لما سمع همهات باسمه بين الحضور ..

" الحاج جلال " ...

تأمله وهو ساكت ولاحظ .. ان الزمن زوّده وقار وجمال… بس كمان زوّده سكوت، وهدوء غريب..

جلال ما اترددش، مشي ناحيته، وفتح دراعاته… وشده لحضنه.

شدّه لحضنه كأنهم إخوات ما شافوش بعض من سنين طويلة... ودي الحقيقة فعلا .. جلال مشتاق لمازن ومشتاق لكل حاجة فيه رغم ان صداقتهم زمان كان فيها مشاكل كتير لكن الزمن نساه المشاكل وفكره بالغلاوة بس ! ..

قال جلال بصوت مبحوح

– وحشتني أوي يا مازن… وحشتني! ربنا يرحمها ويصبرك يا حبيبي…

مازن حاول يسحب نفسه وخرج من بين حضن جلال وهو لسة بيبصله ووشه مخطوف  ، وتنهد وقال

– أنت كمان…

جلال بصله، وعينه مكسورة، وقال بإخلاص

– كانت عزيزة عليا أوي…وكانت ست محترمة. ربنا يغفرلها ويرزقها الجنة.

مازن ما ردش… كان بيحاول يفهم جلال الجديد دا، الصافي، الهادي، اللي كأن الزمن غسله من جوّه.. جلال اللي الناس بقت تقول عنه الحاج !

بدأ صوت منظم يعلو

–  نجهّز الجثمان يا جماعة.

جلال تحرّك فورًا، واقف جنب مازن، بيجهزوا للطلعة. وقتها دخل رامز، صاحبهم التالت، كان باين عليه الارتباك… لما شاف جلال ومازن واقفين جنب بعض، قلبه دق بسرعة.

"يا ترى؟ جلال عرف إن رضا مع مازن؟ ولا لسه؟!"

جلال لسه بيقرب من النعش علشان يشيله ويرفعه مع مازن والرجالة لحد المدافن ، وساعتها…شافها.

واقفة ورا الناس، جنب الحيط، باينة رغم الزحمة.. كانت واقفة، مش لابسة حجاب، شعرها الأسود سواد الليل مرفوع بشكل أظهر ملامحها ومعالم وجهها بكل وضوح ، ووشها مليان دموع… مقهورة… مكسورة… بس ملامحها زي ما هي... جميلة… وحنونة ! …

اللحظة كانت صدمة.

كل نقطة دم في جسمه نشفت. صوته اتخرس.. والأرض اللي واقف عليها كأنها اتبدلت. هي؟ هي فعلاً؟ رضا؟ هو دا حقيقي؟ بعد كل السنين دي؟ جاية هنا… دلوقتي؟

وفي لحظة جات عيونهم في عيون بعض وأقسم قلب جلال انه شاف دموعها بتقف في عيونها وكأنها هي كمان اتجمدت مكانها لما شافته .. كان نفسه ينطق وينادي عليها لكنه ما قالش حاجة. الصدمة كتمت كل حاجة  جوا صدره، والنظرة مكانش ينفع تطول .. ومد إيده… وشال النعش.

مازن على يمينه، رامز على شماله، والرجالة حواليه، بس هو…كان في عالم تاني خالص .. عالم مختلف وغريب مشافش فيه أي حاجة .. ولولا دفع الناس ليه .. مكانش قدر يكمل مشي على رجليه ! ليه ؟ وإزاي؟ بص لمازن وهو شايل معاه النعش وهو مش مصدق .. معقول مازن كان عارف مكانها كل السنين دي وسابه يلف عليها في الدنيا كلها ! سابه يتقطع ويتعذب ! معقول هي اختارت مازن !؟

بعد كل السنين دي .. عايشة .. رجعت .. رضا رجعت !

شاركنا شعورك:

التعليقات على الفصل

سجل دخول للتعليق
كن أول من يعلق