الخادمة الصغيرة "الجزء الثاني"
الفصل 29 د متبقية
الفصل 2

الفصل الثاني

9 د قراءة

الناس مشيت، والهدوء ساد المقابر، والريحة الطازة للتراب والماية المرشوشة  لسه في الهوا.

مازن كان واقف قدّام قبر أمه، عينه مغروسة في الاسم المحفور، ووشّه ما بين الحزن والتعب والرهبة.. ما كانش بيعيط…

بس وشه لوحده كان بيبكي..

جلال وقف وراه شوية، ساكت، كأنه مش قادر يقرّب… وبعدين، خَطى خطوة…

ووقف جنبه.. ضهرهم للبلد ووشهمم للمقابر .. ومش بيكلموا لعض ..

فضل ساكت، وبص لنفس القبر، بس مش شايفه. هو كان شايف حاجة تانية خالص. شايف السنين اللي فاتت كلها قدّامه في صورة واحدة:

رضا.

بشعرها اللي سابته ظاهر بعد ما كان متغطي بالطرحة ولبسها إللي عبارة عن لبس جديد أبعد ما يكون عن رضا القديمة ، بعينيها وهي بتعيط، وباللحظة اللي قلبه وقع فيها وهو شايفها بين الناس… وعيونه إللي جات في عيونها للححظة كانت قادرة تقلب كيانه كله ...

لف وشّه على مازن بهدوء، ونظرة عينه ما كانتش لوم… كانت دهشة، وكسرة… كانت صدمة وذهول ..

وصوت مبحوح ما طلعش، بس كان باين فيه سؤال واحد

_ ليه ؟

مازن سكت ولكنه فهم سؤاله رغم انه كلمة واحدة بس ... حس بيه..حس بكل حاجة من غير ما يتقال حرف ذيادة. 

بص له، وقال من غير ما يبص في عينه

– كنت هاقولك… بس معرفتش أبدأ منين.

جلال بصله، وعينه بتلمع، وقال بصوت هادي، بس مكسور

– كل السنين دي…كانت معاك؟

مازن بلع ريقه، وبص تاني على القبر ولكنه رد بشجاعة

– هي اللي جاتلي .. أنا ما دورتش عليها يا جلال.

جلال لف وشه عنه، وبص ناحية التراب. اتنهد، وقال بصوت متقطع

– دا أنا سألتك .. لفيت البلد كلها عليها .. عملت كل حاجة .. دورت في كل شبر في الأرض .. كل يوم كنت بدوّر عليها في عيون الناس، في الحقيقة و في الحلم … وأنت كنت كل يوم بتصحى تشوفها وتكلمها وعايش معاها وعارف عنها كل حاجة !

سكت شوية، وكأن الكلام وجعه أكتر..

– إزاي يا مازن ؟ إزاي قدرت تعمل فيا كدة وأنت صوفتني بتعب وبمرض وبتدمر وكنت خلاص بموت ! وبردو مقولتليش ! مصعبتش عليك ؟

مازن ما ردش. كان ساكت، وعيونه غرقت في ذكريات قديمة مرت أدامه بتعيد عليه كل إللي حصل زمان

دموع جلال نزلت وقرب منه أكتر وسأله بعنف وغضب وصوت عالي

_ إزاي عملت فيا كدة وأنت عارف انها لسة مراتي وعلى ذمتي !؟

_ أنت ليه بتتكلم كأنك ضحية وملاك مغلطتش بدل الغلط مليون !!!!

رد عليه مازن بنفس الزعيق وكأنه فقد صوابه وظهر غضبه وغيرته .. ظهرت ملامح جديدة غريبة على جلال أغرب من الملامح إللي رسمها ليه العمر ..

قرب منه مازن وقال وهو بيفكره بماضيه الكارثي

_ مش دي إللي أنت طردتها وهي لسة والدة وسبتها بتنزف بعد ما موت ولادها ! .. اتهمتها بشرفها وانها خانتك معايا وجاي تقول مراتي ! ..  زعلان إنها عاشت معايا وفي حمايا ؟ طب اعتبر ان كلامك كان صح !

_ لأ مكانش صح

رد جلال بعنف بينفي عنها نفس التهمة إللي هو بنفسه اتهمها بيها ! .. لكن مازن قال وهو عارف كويس ان إللي جاي هيصدم جلال أكتر وقاله بنبرة فيها توعد

_ لا كان صح .. واحسنلك تعتبرها كدة عشان رضا الجديدة مبقاش حتى اسمها رضا ! ...

جه يقرب جلال منه وهو مش مصدق لسة إللي هو فيه ولسة مستوعبوش .. لكن هنا رامز كان جه واتدخل بينهم ومنع جلال وهو بيبس لمازن بلوم

_ جلال .. خلاص ! .. أنتوا واقفين على قبر ... احترموا المكان إللي أنتوا فيه ..

بص مازن لرامز بنظرتين .. الأولى انه مش مصدق إزاي رامز يطلع منه كلام عقلاني والنظرة التانية ... انه مش طايقهم هما الاتنين وبصلهم بقرف ومشي ...

للحصول على الفصول كاملة وبسرعة تابعونا على قناة التلجرام ودا اسمها rakafalef💗قناة تلجرام ________

كانت قاعدة في الصف الأول من الستات، ساكتة، محنية شوية، بإيدها منديل صغير ماسك بتمسح بيها دموعها اللي بتهدى وترجع تذيد لما تمر على عقلها ذكرى من حياتها الأليمة ، ووشّها باين عليه إنها تعبت من التماسك.

صوت القرآن شغال، والستات حواليها بيقرأوا قرءان وبيدعوا وهم بيسندوا بعض بكلام محفوظ من كتر ما اتقال…رغم ان معظمهم متعاملتش مع الست الميتة ..

لكن عقلها .. مكانش هنا.

كانت شايفة وشّ تاني. وشّ عمره ما غاب عنها.

جلال.

واقف، بيشيّل النعش. خطوته تقيلة، وشعره بيطير مع الهوا، وملامحه بقت رجولة خالصة…كبر ومبقاش عيل صغير زي زمان .. بقى راجل وبان عليه الرشد والقوة والهيبة .. هو جلال لسة في البلد ! جلال لسة في البلد وبقى بلدي وريفي زي أهلها ولابس جلابية .. طب إزاي ؟

رغم تغيره إلا انها مقدرتش تفتكر إلا وشه اللي احتل ماضيها ودمر كتير من حاضرها .. شافته وهو صغير وشافت نفسها وهي عنده.

صغيرة… ضعيفة… ساكتة وهو بيزعق، بتترجّاه وهو بيكسر وبيضرب .. بتسامحها لما يخون ويهين .. وبتحبه… رغم كل حاجة.

دمعة نزلت من عينها… هي نفسها ما كانتش عارفة نازلة على مين.

على ماما مازن ؟ الست اللي حضنتها زمان لما كانت بتعيط وبتنهار وكانت سبب انها تكمل الحياة ؟ اللي علمتها تحب الناس والحياة تاني وتحاول ..ولا على جلال؟ اللي عرفت معاه الحب…والذل.

دموعها مشيت على خدها من غير ما تمسحها. سابتها تنزل..

مفيش قوة في الدنيا دلوقتي تمنعها تعيط.

هي رجعت وهو فاجئها انه لسة موجود ومسافرش أمريكا زي ما كانت متوقعة .. 

بس الدنيا اتغيّرت، وهي اتغيّرت، والوجع؟ لسه هو هو… زي أول مرة رماها فيها وهو بيبص لها من فوق، كأنها ولا حاجة.. حشرة بيدوس عليها ..

نفس الوجع رجع… بس هي خلاص… ما بقتش البنت اللي تستنى منه حاجة.. مبقتش البنت الخايفة الضعيفة بالعكس... مبقاش فارق معاها ولا عايزة تملحه تاني ..

_ اتفضلي يا دكتورة أميرة ..

قالت البنت اللي بتقدم القهوة بعد ما اتعرفت عليها رضا وعرفتها اسمها الجديد " أميرة " ....

بصتلها ورفضت بإيماءة برأسها فالبنت فهمت وقالتلها

_ لو عاوزة ترتاحي شوية الأوضة بتاعتك مسحتها وبقت ريحتها أحلى دلوقتي.. اطلعي شوية على ما الستات يصلوا الضهر

بصتلها ببرود رغم دموعها إللي حارقة وشها ومنشفتش لكنها قامت وقفت واتوجهت للغرفة بخطوات ثابتة وبصمت مريب

________

_ أهلا أهلا ياست نسيمة .. اتفضلي خطوة عزيزة

ارتفعت أصوات البنات ترحب بنسيمة .. مراة الحاج جلال .. كبيرهم .

_ فين الدكتورة أميرة ؟

سألت نسيمة وهي بتطمن على مراة مازن زي ما شيع في البلد ، الدكتورة أميرة اللي شافوها معاه وبتاخد العزا ....

دلتها أحد البنات ودخلت نسيمة وهي بتتهادى بخطواتها وهي بتستعد انها هتتعرف على شخصية مهمة ومثقفة جاية من بلاد أجنبية واد ايه هتتفاخر ادام النساء ب انجاز زي دا

كانت الأوضة فيها هدنة مؤقتة... رضا قاعدة، سكتة، بتحاول تمسك دموعها، بتحاول ترجع أنفاسها لطبيعتها بعد ما قلبها شاف جلال.

وفجأة... اتفتح الباب.

دخلت نسيمة.

وشها أول ما شاف الدكتورة أميرة اتبدل تماما ، مش بس اتبدّل دا اتجمد د.

خطوة واحدة بس وقفتها على الباب، وعنيها وسعت، وكأنها شافت شبح من ماضي حاولت تنساه.

– إنتِ؟

صوتها ما كانش عالي، لكن متوتر. عينها نطّت بسرعة على شعر رضا، على وشّها، على دموعها، وحست بالخطر.

ايوة خطر

نسيمة حست بيه فورًا

رضا بصتلهم وهي كمان نظرتها اتثبتت فوق نسيمة وهنا البنت قالت

_ الحاجة نسيمة مراة الحاج جلال الصواف يا دكتور أميرة

نظرة رضا اتجمدت وكأن الزمن وقف وفضلت هي ونسيمة يتبادلوا النظرات ، نسيمة كانت مرعوبة ورضا كانت ساكتة ومتجمدة بس !

_ انتوا ازاي تدخلوا من غير ما تخبطوا على الباب

دا اللي قالته رضا ! بصوت قوي وجاد وهي بتوجه نظرها للبنت

البنت اتوترت من شدتها ونسيمة لسة واقفة مرعوبة مش قادرة تصدق هو دا حقيقي ولا دا خيال

_ يا دكتورة أميرة ..

_ اطلعوا بره

رضا مسمحتش ليها تبرر وطردتهم برا من غير ما يرفلها جفن

خرجت نسيمة ببطئ وعقلها وجسمها في حالة انكار ، دي رضا !! استحالة يمكن شبهها بس .

طلعت نسيمة مع البنت وهنا سمعت همسات البنات االلي بيقولوا اد ايه الدكتورة اميرة شبه البنت الخدامة اللي كان اسمها رضا اللي اتجوزت جلال زمان وبعدين هربت ... وهنا نسيمة حست انها هتتجنن ! دي لو طلعت رضا بجد ، فكل اللي بنته لسنين هيتهد لأنها عارفة كويس ، ان جلال مش بس بيحبها ، جلال مريض بيها !

_______

خرجت رضا وظهرها مفرود وكلها ثقة بجسمها النحيف الجميل والمشدود ووشها المرسوم بقوة لم تنقص من جمالها بالعكس ذادتها جاذبية وشباب على عكس نسيمة إللي تخنت وبان على وشها ملامح السن بما انها أصلا أكبر من رضا بتقريبا عشر سنين ... أما رضا يادوب عندها ٣٢ سنة .. وباين عليها اهتمامها بصحتها ورياضتها لدرجة ان هي احلى من زمان بكتير جدا جدا ! ... بقت مميزة بغموض ..

وقفت رضا في نص العزاء وفتحت موبايلها ترن على مازن اللي اتأخر جدا .. الستات معظمها مشي ... وهو لسة مجاش والدميا قربت تليل .. كانت قلقانة عليه جدا ولكنه مردش عليها .. 

اتنهدت وبعدين راحت قعدت على الكرسي وهنا لاحظت وجود نسيمة لسة زي ما هي ! وكأنها مستنياها أو مستنية تتأكد انها رضا الحقيقية ...

رضا ما قامتش، ما اتكلمتش، حتى ما تحرّكتش. بصّت لها بعين فيها وجع قديم، بس حل محل الوجع قوة ... كأنها كانت متحضرة للمشهد ده...

نسيمة قربت خطوة، خطواتها مترددة، بس صوتها بقى أهدى، كأنه بيحاول يغطّي ارتباكها...

– البقاء لله ...

مردتش رضا عليها وفضلت باصة أدامها بعيون ثابتة وغامضة فهنا نسيمة بلعت ريقها وسألت

_ أنتِ .. رضا .. !؟

_ سعيكم مشكور .. تقدري تمشي يا نسيمة .

قالت رضا بثبات .. انقبض قلب نسيمة واتأكدت من شكها ! ... حاولت تكذب نفسها كانت تتمنى تكذب ودانها وعيونها .. ولكن للأسف .. رضا رجعت .. !

_ جاية ليه بعد السنين دي كلها ؟

رضا ما ردّتش فورًا... رفعت عينيها ليها، وقالت بهدوء وهي بتتكلم عادي

_ ميخصكيش في حاجة ..

برود رضا وثباتها وتر نسيمة وخلاها سكتت لحظة، وبعدين قالت بنبرة حادة فيها غيرة قديمة وحقد دفين ذاد وهي شايفة رضا بالجمال دا ..

– جلال؟جايه علشانه؟

_ مين جلال ؟

سألت رضا بصوت غير مبالي بحاجة ولا بحد .. لكن نسيمة خوفها مهداش .. بالعكس ذاد مع القوة إللي شيفاها في عين رضا .. غير رضا القديمة تمامًا !!

نسيمة حست إنها بتتهز وفي قلبها خوف... خوف من اللحظة اللي ممكن جلال يبص فيها لرضا زى زمان، ويحن.. دا بقى مجنون بيها ...

ردّت بسرعة، محاولة تسيطر على الوضع

– على فكرة هو .. هو مش زي زمان... بقى راجل تاني، و...

رضا قطعتها، وبصّت لها بعين فيها برود

– مين هو أصلا !؟ 

رن تليفون رضا ففتحته وتجاهلت نسيمة تمامًا

_ أنت فين يا مازن كل ده ؟

_ خلاص وصلت برا ..

رد مازن فهزت رضا راسها بقلق عليه وقفلت...

_ زي مانتي شايفة العزا خلص ..تقدري تمشي . 

كأن رضا حطّت نقطة في آخر الجملة، وقامت واقفة. عدّت جنب نسيمة، من غير ما تلمسها، من غير ما تبص ناحيتها،وكأنها غير مرئية ..

ونسيمة فضلت واقفة مكانها، عنيها بتلمع، وصدرها بيطلع وينزل... الجزء الرابع من الفصل الثاني رواية الخادمة الصغيرة الجزء الثاني

خرجت رضا وأول ما شافت مازن جاي مشي راحت ناحيته بسرعة وأول ما وصلت حضنته أدام كل الناس ... الرجالة إللي جايين معاه من الدفنة والرجالة الواقفين أصلا لسة بياخدوا عزاء ولكنها مهتمتش بأي حد وحضنته

_ أنت كويس ؟

سألته بحنان كبير وهي في حضنه وهو حضنها وكأنه كان محتاج الحضن دا ..

_ أنا تعبان أوي ..

قال مازن فقالتله

_ معلش .. هتدخل دلوقتي وهتكون كويس .. الله يرحمها .

ونسوا كل حاجة ! نسوا إللي واقف وراهم وشايف كل حاجة وقلبه هيقف من الصدمة والوجع .. لو فراقها تعبه ووجعه .. فوجعه وهو شايفها في حضن غيره قتله !

ونسيمة عينيها كانت عليه وهو واقف متشنج يبص عليهم .. نظرته غير أي حد.. أهل البلد راعوا إنهم جايين من بلاد الأجانب .. أه فيه همسات .. وصدمة كمان من انهم شايفين اتنين بيحضنوا بعضهم عادي ادامهم .. ولكن الصدمة الأكبر كانت من نصيب جلال ! .. جلال حرفيا اتشل في مكانه مش عارف حتى يرمش ..

جه رامز من وراه ينادي عليه ويهمس باسمه لعله يرد عليه أو يتسجيب .. ولكن مفيش فايدة

وهنا نسيمة لأول مرة من سنين... اتأكدت إن اللي معاها... عمره ما كان ليها.. ولا هيكون !

لكن جلال فجأة اترعش وجسمه سخن بعد ما كان زي التلجة .. وبصلهم بعنف وبغضب .. وقرر انه مش هيسكت على المهزلة دي ...

شاركنا شعورك:

التعليقات على الفصل

سجل دخول للتعليق
كن أول من يعلق