الخادمة الصغيرة "الجزء الثاني"
الفصل 10315 د متبقية
الفصل 103

الفصل المائة وثلاثة

15 د قراءة

جلال خرج من المكتب بخطوات تقيلة، ملامحه كانت حجر، لا أثر فيها للرجل اللي كان لسه سامع الحقيقة... و علي ورضا وراه في عربية وهو في عربية تانية ...

ودماغه بتغلي، والغضب سابقه، اتجه للزريبة اللي حاطط فيها نسيمة، المكان اللي حبسها فيه مع كل خيانتها وكل كوارثها .. كل أعمالها الشيطانية هي وأمه ... إللي مبيقدرش جوا عقله حتى يذكر انها أمه ....

الباب اتفتح بعنف، نسيمة كانت جوه ومعاها انجي اللي المفروض حماتها ولكنها الست اللي عمرها ما كانت أم ، كانت سُمّ، كانت شيطان ، كانت الصوت إللي ما بيبطلش يوسوس....

نسيمة أول ما شافت جلال رجعت لورا خطوة وهي مرعوبة منه وخايفة وانجي كانت هي كمان خايفة منه .. من بعد ما حطها نسيمة ونسيمة مورياها العذاب ألوان وبتطلع غلها كله فيها ...

_ بنتي عملتلك إيه عشان تسلطي عليها رجالة تنهش فيها !!!

عيون نسيمة اتسعت بشكل مرعب وحطت ايديها على بقها ورعشة جسمها بقت ظاهرة بشكل فج ... جلال عرف الحقيقة دي !! جلال عرف !!!!....

نظرات الهلع كانت في عيونها وصوتها اتحبس جواها ومقدرتش ترد... وجلال بيقرب منها بخطوات فيها اصرار على قتلها ... نسيمة فجأة قالت

_ دي.. دي انجي .. انجي هي اللي عملت كدة مش انا

انجي عنا اترعبت من جلال ونفت عن نفسها التهمة

_ لا يا جلال متصدقهاش دي كدابة... مش أنا .. هي إللي عملتها

انجي كانت بتدافع عن نفسها باستماتة ... ولكن جلال مكانش مهتم ... فضل يقرب من نسيمة وضربها بعنف بالمسدس على كتفها لحد ما نزلت تحت رجليه وجسمها كله ارتعش، وعينيه كانت شايفة الموت في عيون جلال ، غضب وجبروت لم تراه من قبل فيه وكأنه جاء عازم النية فعلا على قتلها ...

_ معملتش حاجة يا جلال .. هي إللي عملت كل حاجة وهي اللي وزتني انا معملتش حاجة

كانت بتتوسله وهي بتبكي بانهيار شديد تحت رجليه وهو كأنه مش موجود ومش شايف غير انتقامه

جلال بفع ايده وبأقصى قوة ضربها على وشها ، وقعت على الأرض وهي تصرخ وتزحف بعيد، حاولت تهرب لكنه اقترب منها فجأة، الرعب كان سابقها... إنجي وقفت من مكانها ، ما بتحاولش تهرب، واقفة بثبات غريب، كأنها لسه فاكرة نفسها مسيطرة.... رغم خوفها وتوترها ...

_ أنا هدفنك هنا .. بس بعد ما أعذبك على عيلتي اللي دمرتيها ..

كانت بتحاول تركز لكن مكانتش قادرة وكف واحد منه خلاها تدوخ شوية .. حاولت تتماسك وتقف تاني ... وقالت

_ أنا مش بكرهك .. أنا .. أنا بحبك .. انجي اللي بتكرهك .. انجي السبب

كانت بتتكلم وكأنها بتهذي ... حالة من الهذيان ... قرب منها جلال وطلع مسدسه وأشهره في وجهها

_ من كتر قذارتك مش قادر أشوفك أدامي عايشة واتنفس نفس الهوا إللي بتتنفسيه ...

ضربها جلال بعنف تاني وهي بتحاول تقف وتتكلم فوقعت تاني في الأرض وهو بيقول بغضب مجنون وهو بيشدها من شعرها

_ بنتي كانت معتبراكي أمها ... كانت شيفاكي حياتها وبتدافع عنك وبتحبك .. تعملي فيها كدة !!! تحرميها من أمها زمان .. وعايزة تموتيها دلوقتي!!!

كانت بتهز راسها وبتنكر لآخر لحظة ... فوقف جلال بقرف شديد وعمر المسدس ولسة هيضرب ... ضربة قوية جدا جات في دماغه خلت توازنه يختل ويقع على الأرض.... ونسيمة قدرت تقف وتستغل وقوعه وتسحب المسدس وهو حس بدوخه وكان بيحاول يتعدل لكن الضربة كانت بحجر تقيل في دماغه من ورا ....

_ اقتليه .. اقتليه مستنية إيه هيقتلك انتي !!

كانت هي .. انجي ! أمه !!! وفعلا نسيمة مسكت المسدس ووجهته ناحية جلال وهي بتترنح وانجي في عينيها انتصار ...

_ أنا يا كلب .. أنا ترميني في زريبة ! زي ما رميتني في زريبة ... هدفنك أنا فيها !!!

كانت إنجي بتوجه كلامها لجلال وهي حاسة بالانتقام .. انتقام من ابنها .. وهي بتكمل وهي بتضربه بعنف شديد بحديدة غليظة فوق راسه تاني ...

_ عايز تقتلني ...

جلال كان دايخ تماما ومسلم ... ورغم دا .. كان شايفها ..وعيونه بكت والمرة دي بحزن ليس له نهاية ... وهو بيردد

_ أنا عمري ... عمري ما هقدر اقتلك ...

_ بس أنا هقدر

وبعدها قالت بأمر وتشفي

_ اقتليه يا نسيمة .. اقتليه ...احنا كسبنا يا جلال .. كسبنا ...

نسيمة كانت بتتنفس بعنف وهي كمان بتعيط وضرب جلال مأثر فيها ... وجلال كان مستسلم للموت ... بالعكس بيتمناه بعد إللي عاشه طول عمره وعرفه .. بعد اللي سمعه دلوقتي من انجي ... رغم كرهه الشديد ليها .. إلا إنه للأسف لسة مقتلش الطفل إللي جواه إللي بيحب أمه وبيتمنى تحبه وتعطف عليه ... كان مسلم تماما وكان بيقاوم عشان يقف .. ولكن دلوقتي بعد ما سمع تحريضها عليه .. مبقاش عاوز حاجة من الدنيا وفارد دراعاته للموت

_ محدش غيرك يستحق يمموت ...

قالتها نسيمة ... وجملتها خلت إنجي تفتح عينيها في تفاجؤ وذعر ... ولكنها قالت وهي بتطمع نسيمة وبتعلب في دماغها من تاني

_ اقتليه يا نسيمة .. اقتليه وأنا هسامحك على كل حاجة وهخليكي تعيش بفلوسه وورثه باقي عمرك مرتاحة ...

ضحكت نسيمة بصوت عالي جدا .. ضحكات متتالية وكأنها فقدت عقلها ..

_ تسامحيني وتديني فلوس !

قالتها بعد ما خلصت ضحك ... وفجأة صوتها بقى صراخ عالي وهي بتقول بحسرة

_ أنا من الأول كانت عاوزة جلال ... انتي اللي خليتيني اطمع ... انتي إللي خلتيني ابقى وسخة ووحشة .. انتي اللي وزتيني على اني اعمل كدة فيه .. عشان أملكه .. عشان يبقى خاتم في صباعي وبتاعي انا لوحدي .. انتي اللي خليتيني زيك ماليش دين ولا مبدأ ... انتي السبب في كل حاجة .. انتي دمرتيني .. ضيعتيلي حياتي .. انتي شيطانة . شيطانة !!!

وانجي بدل ما تسكت إلا ان نرجستيها منعتها تشوف الخطر .... وخلتها مفكرة انها لسة قادرة تقنعها بعكس كل حاجة ....

_ انتي هتعملي نفسك بريئة !! انتي اكتر واحدة طماعة وكلبة فلوس انا شوفتها في حياتي ... وحب ايه اللي بتتكلمي عليه ! اللي زيك بيعرف يحب ؟؟؟ ولا تكوني فاكرة انك كنتي بنت بنوت بجد ! فوقي انتي كنتي هربانة من مصر وجاية تتداري عندنا في البلد ...

وفعلا كلامها صح .. وهي ضحكت على جلال لأنه مش هو اللي افقدها عذريتها زي ما اوهمته .. جلال كان بيسمع اخر الحقايق وهو على الأرض مش قادر يقف .. ونسيمة مسكت المسدس بقوة شديدة

_ خسارة .. كان ممكن تخلي آخر كلامك في الدنيا الشهادة ... بس الوسخ هيعيش وسخ وهيموت وسخ ..

_ لا يا نسيمة .. لا

قال جلال وهو نايم وبيحاول يقوم عشان يمنع إللي بيحصل دا ولكنه مقدرش ... وكان بيواجه صعوبة كبيرة ....

ورغم ان ايد نسيمة كانت بترتعش ، بس عقلها فاضي إلا من صوت إنجي اللي دايمًا كانت تشعره فيها. كل اللي حصل طول حياتها كان بيطلع في دماغها في ثانية واحدة، كل الإحباط، كل التوجيهات، كل الخيانة. شعرت بالغضب يتراكم، والمسدس في إيدها، وكل الطاقة المظلمة اللي اتغذت فيها على مدار السنين انفجرت فجأة.

وفي لحظة واحدة، وجهت المسدس صوب إنجي وبسرعة شديدة ضربت تجاه قلبها ... وكمان مرة تجاه باقي صدرها .. ، الدم انتشر على الأرض بسرعة، إنجي وقعت من غير صراخ، وجسدها بارد وعيونها مفتوحة على آخر مشهد في حياتها... نسيمة وقفت فوقها، نفسها مهتاط ، عينيها فاضية، مش منتصرة ولا قوية، لكنها منهارة، محاصرة بالغضب والحقد اللي اتراكم جواها سنين طويلة.

_ جلالل !!!!!

صرخت رضا اول ما سمعت صوت الطلقات المتتالية وصراخ نسيمة وهي بتعمل كدة ففكرت ان جلال هو إللي اتقتل ... نزلت تجري من عربية علي اللي كان بيحاول يوصل لأي حد من الغفر اللي كانوا في اجازة عشان اخر يوم امتحانات وجلال كان عاوز يفرحهم معاه هو وولاده بأجازة مدفوعة ...

دخلت رضا وعلي يجروا على جوا .... شافوا المنظر البشع ! انجي على الأرض سايحة في دمها وجلال في الأرض هو  كمان ونسيمة ماسكة مسدس !

رضا صرخت تاني بإسم جلال وهي رايحة تجري عليه وهو نايم على الأرض ومكانتش خايفة من السلاح اللي مسكاه نسيمة ... وعلي راح لنسيمة وأخد منها المسدس ورماها على الأرض ودور على حاجة يربط بيها إيديها وعينه بردو على رضا إللي بتحاول تتكلم مع جلال ...

_ جلال .. جلال حبيبي قوم !!

جلال كان مفتح عيونه لكنه مكانش قادر يتكلم وهي عمالة تفحص جسمه كله وتطمن عليه ...

نطق جلال بسرعة وهو بيقول

_ أنا كويس ... بس ... بس هي ..

اتكلم جلال وعرفت رضا انه في حالة صدمة تامة ... علي كان ربط ايد نسيمة ورجليها وراح جري لجلال عشان يسنده مع رضا ويوقفه ولكن جلال رجله مكانتش شيلاه ورغم صعوبة إنه يقوم ...وقف على رجليه وراح لإنجي ...رضا سابته وهي شايفة المنظر ومتأذية ...وعلي كلم الشرطة علطول ... وفضل جلال يبص لانجي وهي في وضعها دا ...

حط ايده في مكان النبض ... وهنا غمض عينه لما اكتشف انها خلاص ... ماتت !!

رضا قربت منه وحطت ايديها على كتفه .. وهو مشى ايده على وش انجي وخلى عينيها تقفل بعد ما كانت مفتوحة ...

دقايق والشرطة كانت موجودة ونسيمة في حالة سكوت وصدمة ... اخدتها الشرطة وهي مش بتبص لجلال ...ولا لرضا .. كل اللي بتقوله انها بتردد

_ انتي السبب يا انجي ... انتي السبب يا انجي ..

كانت زي إللي فقدت عقلها ومسلمة للي بيحصل وكأن خلاص .. هي مستسلمة للنهاية ...

رامز جه والاسعاف جات وشالوا جسد انجي .... واتطمنوا على جلال ورضا اتطمنت عليه وحطوله كمان لزقة على الجرح اللي في وشه وفي دماغه من ورا بسبب ضرب انجي ليه ...وجلال ساكت ومش بيتكلم .. ... ورامز بيخلص الإجراءات في القسم وعلي بيخلص اجراءات المستشفى ....

ورضا قاعدة جنب جلال في المستشفى بعد ما طهروله جروحه وعقموها وضمدوها ...

_ جلال ...

حطت ايديها على ايده ونادت عليه بلطف وهمس ... لكنه مردش ولا بصلها .. كانت ملامحه حزينة جدا ... ورضا سكتت وقدرت كل إللي هو بيمر بيه لأنه مش سهل أبدًا ...

_ جلال يا حبيبي أنت كويس !!

كان صوت حسين إللي جاي جري عشان ابنه بعد ما عرف إللي حصل وبعد ما عرف بموت انجي ... معاه كريمة وحمزة وهما الاتنين قلقانيين عليه جدا وهيموتوا من خوفهم ...

قرب حسين من جلال وحضنه وهو بيتطمن على كل حتة فيه ...وبعد ما جلال طلع من حضنه ... حسين مسك وشه بإيده وقال

_ متستاهلش حزنك عليها يا بني .. متستاهلش ...

جلال فضل باصص لأبوه في صمت مرهق... وكريمة راحت تقف مع رضا وتبطبطب عليها هي كمان وتسألها إذا كانت كويسة .. لكن رضا مكانتش بخير أبدا وهي شايفة جوزها في الحالة دي ...

_ جلال بالله عليك هون على نفسك عشان متتعبش ..

دا كان صوت حمزة المرعوب على أخوه وهو بيمسك إيده وبيبوسها وبيقوله وفي عيونه دموع

_ ماليش غيرك .. عشان خاطري يا جلال هون على نفسك ... ايدك ساقعة كدة ليه !! طب رد عليا !

حمزة كان خايف ومتأثر جدا .. وهنا فعلا جلال نطق أخيرًا لأول مرة بعد الحادثة ...

_ أنا كويس ... متقلقوش .

وقبل ما قلوبهم تطمن عليه .. إلا قلبها هي إللي عارف انه بينهار .... أحد أفراد الشرطة دخلوا واللي كانوا عاوزين اقوالهم ...

جلال وقف أخيرا وابوه سنده وجلال اتكلم مع عناصر الشرطة ..

_ هدفن أمي .. وبعدها انا تحت أمركوا ...

وهما تفهموا الموقف وحسين خرج معاهم يكمل كلام ويفهم الوضع أكتر منهم ... ورامز اتصل بجلال يقوله انه جهز كل حاجة للدفنة ....

_ أنا لسة في القسم يا جلال بس حلصت اجراءات الدفن وعلي بيخلص التصاريح الباقية ... هتعمل عزا ولا هتكتفي بالدفنة بس !

سأل رامز ... وهنا رد جلال في حزن

_ هعمل عزا يا رامز .... هعمل .

_ شد حيلك يا جلال ... البقية في حياتك ..

قالها رامز بأسف وجلال سكت مردش وقفل الموبايل فقربت منه رضا عشان تطبطب عليه وتحسسه انه مس لواحده ... وهنا علي دخل وهو بيقول

_ أنا خلصت الإجراءات ونقدر نستلم الجثمان بعد شوية .. خلاص ورامز قالي ان كل حاجة جاهزة ...

رفع جلال عينه وهو تايه .. وسأل

_ هو أنا ممكن .. ممكن أشوفها لآخر مرة ! ...

علي مكانش عارف يقوله ايه ... كلهم عارفين إنها أذته أكتر واحد في الدنيا ... لكنه هز راسه بالموافقة وراح جلال معاه وهو ماشي براحة ودخل ثلاجة الموتى ....

دخل لواحده عليها ..... وكلهم كانوا برا .... محدش فيهم عاوز يشوفها ... محدش فيهم عاوز يودعها ... كلهم بيكرهوها .. كلهم اتأذوا منها أشد الأذى .. وهو أكثر المأذيين مع انه المفروض كان يكون أعز الحبايب ...

صحيح بعد ما ماتت جلال ما صرخش، ما انهارش قدّام حد، وما حاولش حتى يبرر اللي حصل... لكنه دلوقتي وقف قدّام الجسد شوية، كأن عقله رافض يستوعب إن الست اللي قدامه دي خلاص بقت ذكرى... الغضب اللي كان مولّع فيه من شوية بدأ يهدى، وساب مكانه لفراغ تقيل، فراغ موجع أكتر من أي صدمة.

فضل يتأملها ... يتأمل وشها وهو غايب عنه الحياة ... فضل يبصلها وعيونه مش بترمش .... لحد ما لقى نفسه بيدمع ... دموعها بتنزل على وشها الباهت .. الموت هو الوحيد إللي قدر يأثر فيها !

جلال كان عارف إنها أذته.... عارف إنها كسرت روحه مرة ورا مرة، وتحكمت في حياته ودمرته ، وشوهت علاقاته ونفسيته وشخصيته ، وسابت جوا قلبه جروح مش هتخف ولا هتروح ... لكنه برغم كل ده… كان عميقًا طوله بيحبها.. حب معقّد، قاسي، حب ابن لأم عمرها ما عرفت تحبه بل كانت بتأذيه أشد الأذى ... لكنه ما عرفش يكرهها أبدًا....

افتكر طفولته، افتكر لحظات قليلة نادرة كانت فيها أمه حنينة، لمسة على راسه، نظرة رضا، كلمة تشجيع... لحظات صغيرة لكنها علّقت فيه طول عمره، خلت قلبه متمسك بيها حتى وهو بيتوجع منها... كان فاهم بعقله إنها كانت سبب شقاءه، لكن قلبه كان ضعيف قدّامها.

حس بالذنب، ذنب انه كان موجود ومقدرش يمنع نسيمة من انها تقتلها ، رغم انه كان بيتمنى الخلاص منها... حس إن الحزن اللي جواه مالوش نهاية وبيهاجم قلبه بذكريات موجعه وكل لحظة أذى قدمتها ليه كانت بتجرح قلبه أكتر بكتير عن ما هي عايشة .. وكان أمله في انها تكون ام كويسة .. مات معاها !! ....

خليط من فقد وراحة وخجل من نفسه.... بكى بدموع حارة بدون صوت، بكى من جواه، بوجع مكتوم، وجع ما ينفعش يتقال ولا يتفهم....

جلال أدرك في اللحظة دي إن أقسى الخسارات مش دايمًا بنخسر فيها ناس بنحبها، أحيانًا بنخسر علاقتنا بالنسخة اللي تمنيناها منهم ومجتش أبدًا... أمه ماتت، ومع موتها مات الأمل الأخير إنها يومًا ما تكون الأم اللي كان محتاجها....

وبرغم كل الأذى، فضل الحب موجود…حب موجع، مالوش مبرر، لكنه حقيقي.. حب فطري اتخلق معاه من ساعة ما جه الدنيا ....

وهنا دخلت عليه رضا ... لما اتأخر وطبعا محدش من المستشفي يقدر يمنع الحاج جلال انه يعمل أي حاجة هو عاوزها ....

جلال كان لسة بيبص على أمه وبيتأملها ودموعه بتنزل بس ....

رضا كانت واقفة جنبه من غير ما تحاول تقرب زيادة ولا تبعد... واقفة بالمسافة اللي تحترم وجعه، واللي في نفس الوقت تقول له إنها موجودة... عينها عليه طول الوقت، بتراقب سكوته، الكتلة التقيلة اللي واقفة على صدره وفي حلقه مكان الكلام، والفوضى اللي باينة في ملامحه ودموعه ....

_ جلال ... يلا يا حبيبي .

طلبت منه برفق شديد وهي بتحط ايدها على كتفه بحنان ....

لف جلال وبصلها بعيون حمرا دم ووجه كأنه وجه طفل متألم ومكسور بشدة... وجه خلى قلبها يتقبض ويتلوع بالشفقة عليه .. لأول مرة ترى الطفل اللي جوا جلال بالصورة الواضحة دي .. طول عمرها عارفة انه جواه صراعات... جواه طفل ... لكنه اول مرة تحس انه عريان أدامها أوي ... رضا أكتر واحدة كانت فاهمة إن الحزن مش دايمًا بيطلع في صورة دموع وانهيار ... كانت حاسة إن اللي جواه أكبر من أي كلمة، وإن سكوته مش قوة، ده محاولة يلمّ نفسه عشان ما يقعش... لكنه في لحظة ... جلال ارتلع صوت بكاءه لما هي خدته في حضنه تضمه ليها بعنف وهي بتدمع ... مش متأثرة ومش فارق معاها موت انجي بل بالعكس شايفة ان دي النهاية اللي تستحقها ... ولكن حزن جلال ... كان نقطة ضعفها ...

حضنت جلال بعنف شديد وبقوة وهو بينهار وبيعيط بصوت عالي وبيخبي نفسه جواها وبيترعش .... كان بيبكي بشكل هستيري ومش قادر يوقف .. بكاء لدقايق متواصلة وهي بس وخداه في حضنها .. وبرودة ثلاجة الموتى مأثرش في جسمهم إللي كان مشتعل بسبب الانفعالات والتأثر العظيم ...

كانت صامتة ومحترمة انهياره رغم دموعها إللي بتنزل وهي بتحاول تمنع شهقاتها إنها تطلع من قهرتها عليه وعلى حالته ... انجي محبتوش ... بس هو كان ابن بيتمنى نظرة رضا وحب من أمه ....

_ كان نفسي تحبني ....

نطق جلال وهو ياعيني بيتمنى لو كانت حبته ولو للحظة واحدة بس في حياتها ... لكن دا محصلش .. وهنا رضا ردت عليه وهي بتشدد على احتضانه ....

_ أنا بحبك ... أنا بحبك وبابا بيحبك واخواتك بيحبوك ... أنا بحبك وولادك بيحبوك ... أنا بحبك ... أنا حُبي ليك يكفي الدنيا كلها يا حبيبي ...

كمل جلال وهو بيتحسر على آخر ذكرياته مع أمه

_ ضربتني قبل ما تموت ... آخر ذكرى ليها وأنا سامعها بتحرض على قتلي ... بس أنا .. أنا زعلان عليها ... زعلان عليها أوي .....

رفعت راسها لفوق وهي بتكتم بكاء شديد عاوز يخرج منها لكنها لازم تتماسك ... وقالت وهي بتبوس شعره بعمق وبتضمه ليها اكتر

_ من حقك تزعل ... من حقك ...

وبرغم إن إنجي دمرت حياتها هي كمان، وخدت منها سنين من التعب والخذلان والجروح .. خدت منهم ولادهم وخدت من ولادهم أمهم .. دمرتهم بالكامل ، رضا ما كانتش شايلة كره .... كانت شايفة جلال دلوقتي مش كراجل قوي ولا متسلط، كانت شايفاه ابن فقد أمه، حتى لو كانت أم قاسية ولا تستحق ان يتزعل عليهة ولو لثانية ... لكن احساسها بحلال كان أهم ... الإحساس ده كان سابق أي حسابات، وأقوى من أي جرح قديم _ يلا يا حبيبي طولنا أوي والموتى ليهم حرمتهم...

قالت رضا وهي بتحاول تفوق جلال من الموقف اللي هو فيه اللي طول اوي وهو فيه ... وفعلا جلال مسح دموعه واتعدل وخدته من ايده بحنان وخرجوا ...

روحوا البيت كلهم ...

وجلال كان قرر يعمل عزا ... عشان تيجي الناس وتترحم على أمه.. عشان يسمعوا قرءان على روح أمه ...

_ هتعمل عزا ليه يا جلال ؟

سأل حسين وهو غضبان ... وجلال مردش عليه وهو كمل

_ محدش فينا هيقف ياخد عزاها ...

قال حسين بحزم ... وفعلا محدش كان عاوز يقف ياخد عزاها ... وهنا جلال قال بحزن

_ الناس هتيجي تعزي فيها عشان هي ... عشان هي أمي في الآخر وهيترحموا عليها ويسمعوا قرءان على روحها ...

_ انت مجنون ! بتحبها ! بتحبها بعد ما كل إللي عملته... دي حرمت عيالك من امهم وخلتهم يعيشوا يتامى ...والغلبانة مراتك اللي عاشت عمرها مفكرة نفسها ملهاش عيال وهما عايشين واحدة تانية بتربيهم !! حاولت تقتلني وفرقت بينك وبين مراتك وخلتك مريض !!! انت مدرك انت بتعمل إيه وبتعمله لمين ؟؟!! طب لو مش عشانك يا اخي عشان عيالك الغلابة !!

حسين كان غضبان جدااا ولكنه متضايق على حزن ابنه الشديد وخايف عليه وعاوزه يفوق ...

_ لو سمحت يا عمي خلاص ...

اتدخلت هنا رضا لما جلال عجز عن الرد . .أبوه معاه حق في كل كلمة ..

وقربت من حسين وقالت

_ تقدر تاخد كريمة وتمشوا واحنا هنتصرف ونتكفل بكل حاجة .. انا عارفة ان اللي عملته فيكم مش قليل ومش هنطلب منكم تقفوا ... بس مش وقته الكلام دا أرجوك...

حسين غصب عنه سكت والحزن الشديد على ابنه في عينه ... حزين عليه انه متحبش ومشافش حنان الام .. قرب من جلال وخده في حضنه وهو بيدمع وبيقوله

_ أنا اسف اني اختارتلك ام زي دي يابني يا حبيبي ... أنا آسف!

وضمه بقوة شديدة .... وجلال حضنه وحاول يمسك نفسه وميعيطش ...

وهنا نزلت حياة ومعاها يحي ... حياة عينيها حمرا ويحي هو كمان ... متأثرين جدا بكل إللي حصل وخصوصا الحقيقة اللي عرفتها حياة ..

_ استنى يا جدوا خدنا معاك .. احنا مش هنحضر العزا ..

قالت حياة ببرود شديد رغم ملامح وشها الحزينة جدا .

رضا بصتلها ....حياة شالت عينيها من عليها علطول وراحت هي واخوها مع كريمة اللي بصتلهم بحزن وأسف ومقدرتش تتكلم وتدخل ما بينهم ...

طريقة حياة في التعامل مع نظرة رضا خلة قلبها يدق بقلق شديد ... ولكنها سكتت .. مواجهتهم محتاجة وقتها الخاص ..

يحي قرب من ابوه وقاله

_ أنا مش هقدر اقف معاك يا بابا ... انا تحت امرك في اي حاجة تانية الا الست اللي حرمتي من أمي وأذتها ... أنا آسف.

ومترحمش حتى عليها .... وانسحبوا كلهم واحد ورا التاني .. ومعاهم حق ... جحودها وشيطنتها .. مخلية الكل مش كايق حتى يقول ربنا يرحمها ....

كلهم مشوا وفضل جلال لواحده ووراه رضا ... تقاعلوا على بوست الفصل على فيسبوك❤️ اسم الصفحة Rewaiat romantica روايات رومانتيكا

شاركنا شعورك:

التعليقات على الفصل

سجل دخول للتعليق
كن أول من يعلق