الفصل المئة وستة
________ فات أسبوعين وحياتهم اتطورت واعتادوا بنسبة كبيرة جدا على الوضع الجديد بل استمتعوا بيه جدا وكل يوم حياة ويحي ورضا وجلال يسهروا مع بعض .. مرة في الجنينة ومرة على البحيرة ومرة يناموا سوا .. وكلها كانت حكاوي ... بيحكوا عن حياتهم وطفولتهم وعن اللي يخصهم كله ورضا كمان بتحكيلهم عن حجات كتير مرت بيها ... اتأثروا بالحزن والفرح وهما بيسمعوا قصص بعض ولكن مكانش هاممهم لأن الأهم كان انهم يعرفوا عن بعض كل حاجة وكأنهم عايشين مع بعض ...
والليلة بقى ... لسلة ظهور النتيجة !!
البيت كان هادي على غير عادته... هدوء غريب، مش هدوء خوف… هدوء انتظار.
النتيجة نزلت في الكنترول وطبعا جلال هيعرف يجيب نتيجة ولاده قبل الجمهورية كلها ...
حياة كانت ماسكة الموبايل بإيد بتترعش ، قلبها بيدق كأنه بيسابق الظمن ... بصّت على الشاشة مرة، واتنين، وتلاتة… وبعدين فجأة عينيها لمعت... لما الشخص الموكل بإنه يبعت النتيجة بتاعتهم بعتها لحياة ...
حياة فضلت ساكتة وعينيها دمعت ووشها اتخطف .. ورضا وجلال كانوا قاعدين وحتى يحي إللي بردو مستني نتيجته تتبعت ليه ...
_ في إيه يا حياة خضيتيني ؟؟
سألت رضا بخوف .. فبصتلها حياة وقالت
_ أنا مش .. مش مصدقة
_ في إيه يا حياة جبتي كاام !!
سأل جلال وهو على أعصابه ... وهنا حياة صوتها ارتفع وهي بتصوت
_ ٩٩ و٣ من عشرة.
رقم كانت بتحلم بيه وهي نايمة وهي صاحية ... رضا وجلال مصدقوش من الفرحة وراحوا عليها يحضنوها ويباركوا ليها بسعادة شديدة جدا ..
وحياة كانت بتعيط وبتتنطط من الفرحة ... وبتفتكر الليالي اللي كانت بتذاكر فيها وهي بتبكي من غير صوت ، في اللحظات اللي كانت بتسأل نفسها: “أنا هطلع من كل ده بإيه؟
حست إن نفسها اتردّ ليها...
حست إنها عايشة… وإن حلم الدكتورة بقى قريب أوي. لكن الفرحة ما طلعتش زي ما كانت متخيلة.... ابتسامتها وقفت في نص الطريق... وهي بتبص على يحي إللي كان حزين ومش قادر يقوم من مكانه .. هي أول واحدة لاحظته ... فجأة وقفت عن الصريخ بفرحة وملامحها بقت قلقانة ورضا وجلال اخدوا بالهم خلاص من إللي قاعد مكانه وعلى وشه كل معالم الحزن ...
لفوا كلهم يبصوا على يحي....
_ مالك يا يحي .. عرفت النتيجة ؟
سألت رضا بخوف وقلق على ابنها اللي عينيه دمعت وهو بيهز راسه بالإيجاب ... _ كام يا يحي ؟
سأل جلال .. فاداله يحي التليفون ومهانش عليه من زعله يقول وينطق هو بالنتيجة ..
وحياة من وشه عرفت انه مجابش النتيجة اللي هو عاوزها وحيت بالحزن الكبير على أخوها وحزنه دارى على فرحتها دا أخوها اللي كان واقف جمبها طول السنة، اللي تعب، وقلق، وحاول…
جلال شاف النتيجة وسكت .. ورضا خدتها تشوفها وحياة كمان ... نتيجته كانت ٩٦٪. نتيجة عظيمة، بس هي عارفة كويس إن قلبه كان متعلق بحاجة أعلى...
قربت منه بسرعة قبل ما أي حد يتكلم... – مبروك يا يحي… بجد مبروك.
قالتها بإحساس، مش مجاملة.... عينها كانت فرحانة، بس صوتها واطي، هادي، كأنها بتخاف فرحتها تجرحه.
يحي ابتسم، ابتسامة فيها شوية وجع وشوية رضا.
– مبروك يا دكتورة. الكلمة خرجت منه تقيلة شوية… بس صادقة.في اللحظة دي، جلال ما قدرش يمسك نفسه. راح عليهم الاتنين، حضنهم في نفس الوقت، حضن طويل، قوي، كأنه بيعوّض سنين قلق وخوف.
– أنا فخور بيكم… فخور بيكم الاتنين.
صوته كان مبحوح، عينه بتلمع. مش فرح بس… ارتياح.
إحساس إن تعبه، خوفه، سهره… ما راحوش هدر. رضا كانت واقفة وراهم، دموعها نازلة وهي بتضحك. قربت من يحي الأول، مسكت وشه بين إيديها، وبصّتله بحنية أم حقيقية.
– ٩٦٪؟! ده رقم يشرف أي حد يا حبيبي...إنت تعبت ونجحت، ومفيش حد أقل من حد هنا... انتوا الاتنين نور عينينا وبعدين لفت لحياة، حضنتها بهدوء، همست في ودنها
– فرحيه يا حياة وحاولي تخبي فرحتك شوية عشانه .
حياة هزّت راسها وهي اصلا كانت هتعمل كدة من غير ما تقول و حضنت رضا جامد، كأنها بتقول من غير كلام أنا فاهمة.
_ يحي .. نتيجتك جميلة يا حبيبي برافو عليك انت ليه زعلان كدة ؟
قال جلال ويحي غمض عينيه وعيط غصب عنه .. ورد
_ أنا السبب .. أنا إللي اهملت من اول السنة ونسيت التعبير ..
ولكن رضا مسابتوش يجلد نفسه وقالت
_ انت السبب ازاي ؟ وفين اهمالك ؟ دا انت واختك كنتوا بتذاكروا ايام الامتحانات عشرين ساعة و ١٨ ساعة ... أنا شاهدة على كل ساعة تعبت فيها يا يحي .. انت عملت اللي عليك وزيادة يا حبيبي وهو التعبير انك تنساه دا قدر من ربنا مش تقصير منك ..
بصلها يحي وسكت مكانش عارف يقول ايه ...بس عيط تاني فحضنه جلال بعمق
_ اهدى يا حبيبي .. اهدى ...
جلال بصّ ليحي وهو بيطبعه من حضنه وبيبص في عيونه وقال بثبات وحب
– طريقك لسه طويل ومفتوح... وأنا واقف وراك لآخره والنتيجة مش بتدل على أي حاجة .. المهم سعيك وانت سعيت لآخر نفس يا حبيبي عشان تحقق حلمك .. وبصّ لحياة، نظرة كلها حب
– وإنتِ… أثبتي إن اللي مرّيتي بيه ما كسركيش...
في اللحظة دي، حياة حسّت إن حلمها مش بس مجموع. حلمها كان انتصار.... وحلمها انها تغلبت على كل العوائق إللي مرت بيها السنادي .. وإنها مش لوحدها اللي شايفة انها مكسورة ومجروحة وكانت محتاجة النتيجة تطيب خاطرها وتنصرها ادام ابوها واخوها وامها .. لأنها مرت بتجربة تمس الشرف والأخلاق فكانت حاسة ان النتيجة العالية هتثبت بيها لنفسها وليهم انها ييجي منها وشاطرة واتعلمت من غلطتها … طلعت فعلا مش لوحدها و عمرها ما كانت...
ورضا واست يحي وهي بتقوله
_ معلش يا حبيبي أنا عارفة انك زعلان على تعبك بس والله النتيجة دي نصيبك ومتدلش على أي حاجة وحشة فيك بالعكس احنا متأكدين انك شاطر أوي وممتاز كمان .. وبكرة تدخل كلية تثبت فيها دا واكتر
اعترض يحي
_ لأ أنا مش عاوز أي كلية .. أنا عاوز ادخل كلية الطب ..
تنهد جلال بتعب ورضا ابتسمت وهي بترد عليها
_ وماله يا حببيبي هنقدملك على جامعة خاصة وتدرس اللي انت عايزه كله .. مجموعك كبير وهيقبل ..
قال يحي بحزن
_ ولو مقبلش ؟
_ هيقبل ان شاء الله يا حبيبي وهنستنى التنسيق وهو هيبن كل حاجة ..
حطت ايديها على وشه عشان توصله حنانها وتدعمه وفعلا يحي حس بالأمل والدعم والفرحة رجعت تدق بابه وجلال بيقوله
_ أفرح يا يحي بقى .. دا أنت جايب ٩٦ .. عايز إيه تاني
_ عايز اجيب ١٠٠ %
قال يحي بثقة في نفسه وفي شطارته وهنا رضا قالت بشكل لا إرادي
_ طماع زي أبوك يا حبيبي ...
ضحك يحي وسط زعله من مناقرة أمه لأبوه وحياة هي كمان ابتسمت .. وجلال اتضايق
_ وماله أبوه بقى ؟
_ طماع ومغرور ..
ردت عليه بقوة وهي مش خايفة منه فاستغرب جلال
_ أنا عملتلك إيه ؟
_ من غير ما تعمل هو أنا عاوزة أقولك كدة ...
جلال تأفف وكان محتار وهنا رضا بصت لحياة وسألت
_ هي البت صاحبتك بنت النائب دي متعرفيش جابت كام ؟
هنا حياى فهمت مغزى كلام أمها وقررت تلعب معاها اللعبة دي وقالت
_ هي مش صاحبتي دي أكبر مني بس لما غيرت مدرستها يا ماما نزلت سنة ..
تنهدت رضا تنهيدة كلها كيد وقالت وهي بتبص لجلال
_ طب ابقى اتطمن على تنتيحتها يا جلال... مش أبوها سيادة النائب بردو هو إللي جايب النتيجة لولادك ؟
_ اااه... قولي كدة بقى
حلال رجع راسه لورا وهو بيستوعب هي ليه قالبة عليه ... وهنا هي قالتله
_ جتك أوه .
ضحك يحي بصوت عالي رغم الدموع المتعلقة في عينيه ومقدرش يمسك نفسه وحتى حياة ضحكت وهنا رضا قالت
_ عيالي ناجحين ولولا كدة كنت عرفتك قيمتك ... يلا يا ولاد عشان هنخرج ونفرح بالنتيجة بتاعتكوا إللي تشرف دي ..
وتجاهلت جلال واخدت حياة ويحي من ايديهم وطلعت وسابت جلال لواحده يبصلها وهو فاتح بوقه من غيرتها الشديدة عليه وانها مش بتفوتله أي حاجة يعملها ...
________
التنسيق ظهر وحياة طبعا لحقت طب بشري .. أما يحي فاللأسف مجموعه في الخاص حتى مدخلوش طب بشري وملحقش !! ..
استقبل يحي الموضوع بهدوء ولكنه كان هدوء ما قبل العاصفة .. ..
خصوصا انه حاول يكلم أبوه في موضوع السفر بس جلال مكانش حتى بيرضى يفتحه معاه ... ولكن خلاص .. طفح الكيل والتقديم جوا مصر قرب يخلص ولازم يقدم برا بأسرع وقت عشان متضيعش عليه السنة !!
يحي كان واقف قدام جلال في الصالة ، صوته ثابت بس عينه فيها إصرار غريب ..
قال بدون مقدمات
_ أنا عايز أسافر يا بابا.
جلال رفع عينه من على كباية القهوة وبعدين بصله ... وسابه لحظة كأنه مش سامع، وبعدين قال بنبرة قصيرة
_ تسافر فين؟
يحي خد نفس وقال
_ برا… فرصة دراسة وشغل... مستقبلي هناك أحسن...
الكلمة الأخيرة كانت الشرارة...
قال جلال بتهكم
_ شغل ؟ و مستقبلك أحسن في ايه ؟ انت بتحشت في مصر !
_ هو كل اللي بيسافر برا كان بيشحت في مصر ؟ ما كلها أرض الله
جلال وقف فجأة، الكرسي وراه اتحرك بصوت عالي..
_ لا.
كلمة واحدة، حادة، قاطعة.
يحي جسمه اتشد من الضيق ومبقاش قادر يستحمل ضغط أبوه
_ لا إيه؟ أنا مش طفل....أنا عايز اسافر وادخل الكلية اللي انا عايزها
_ قولتلك هدخلك أحسن جامعة خاصة
رد جلال فرد عليه يحي
_ مجموعي مش جايب طب بشري
_ عنه ما جاب أنا هدخلك ... أبوك مش قليل إنه يدخلك أحسن جامعة ومن غير مجموع كمان ..
_ وانا ادخل بواسطة ليه وانا شاطر ومجموعي كبير .. ما اسافر برا هتعلم أحسن وادخل بجموعي ولو طلبوا اي امتحان ولا اي حاجة هقدر عليها وابقى دخلت بمجهودي مش واسطة واخد حق مش حقي ومكان واحد تاني هو أولى بيه !!
جلال قرب منه خطوتين ، صوته بقى أعلى
_ وأنا مش هسمحلك تضيع نفسك! السفر مش سهل زي مانت فاكر … السفر بيضيع الناس.
يحي ضحك ضحكة قصيرة فيها مرارة
_ بيضيع الناس ؟ إيه الكلام المتخلف دا
جلال عينه اتغيرت للغضب وفي نفس الوقت الرهبة القديمة طلعت فجأة وكأنه شايف نفسه وهو بيتكلم ومش عاوز يقعد في مصر ..
_ إنت فاكر الدنيا هناك سهلة؟ فاكر محدش هياكلك؟ فاكر إنك مش هتضيع؟
يحي قرب أكتر، لأول مرة يرفع صوته ادام أبوه
_ وأنت فاكر إنك لما تحبسني هنا تبقى حميتني؟!
الهوا بقى قليل وكأنه اتسحب كله وجلال حس بضيق تنفس وفجأة صرخ فيه
_ أنا بخاف عليك!
يحي رد بسرعة _ الخوف ده خنقة!
الجملة ضربت جلال في صدره... افتكر نفسه وهو صغير، وهو بعيد، وهو لوحده، وهو تايه. الخوف اللي عاشه رجع كله مرة واحدة... ورضا نزلت في الوقت دا هي وحياة لما سمعوا الصوت عالي كدة ...
قال بانفعال _ أنا شفت السفر عمل إيه… شفت ناس راحت وما رجعتش .. شوفت ناس اتغيرت ونست ربنا وبعدت عن الخير ... وشفت نفسي وأنا بضيع، ومش هسيبك تعيش ده.
يحي هز راسه بعصبية وكأنه مسمعش أي حاجة من اللي أبوه بيقولها
_ بس ده أنت… مش أنا.
رضا كانت واقفة ساكتة، بس لما شافت الخناقة بتغلي وهتزيد ما بينهم ، دخلت بينهم.
قالت بصوت عالي لأول مرة _ خلاص! هتاكلوا في بعض ؟؟ بتعلي صوتك على ابوك يا يحي ..ويحي مغلطش لما قال انه عايز يسافر يا جلال ...
الاتنين سكتوا وبصولها وجلال قال بغضب عليها
_ متدخليش بنا
قربت من يحي ، وبعدين بصّت لجلال بعتاب ولكن بقوة
_ يحي ابني… ومن حقي أتكلم واتدخل
جلال لفّ لها بسرعة وهو شايفها بتقوي يحي وبتزود جواه رغبته في السفر
_ وانا قولتلك متدخليش
رضا اتعصبت من الجملة وقالت
_متدخلش؟! ده ابني زي ما هو ابنك!
يحي قال بسرعة وهو شايفها زعلانة _ ماما…
لكن رضا كملت، صوتها ثابت بس مليان نار
_ إنت خايف… وأنا فاهمة خوفك... بس خوفك مش مبرر إنك تكسر حلمه..
جلال قرب منها خطوة
_ إنتي مش فاهمة اللي أنا شوفته! رضا قربت هي كمان وقالتله كلام هما الاتنين إللي عارفين كويس اوي وراه ايه
_ وأنا فاكرة كويس إنت رجعت عامل إزاي… بس ده مش ذنب يحي....
جلال سكت وتبادلوا النظرات مع بعض ... وحس انه بيغلي من جواه ومفيش مفر .. ولكنه قال بردو برفض قاطع
_ وانا مش هسفره إلا على جثتي ... عايز تسافر يا يحي أبقى موت أبوك وادفنه وسافر
الجملة دي خلتهم كلهم يسكتوا خالص ويبصوله وهو في عز نرفزته وغضبه ... جملة قوية ومن شدة مبالغة جلال ... وصلهم مدى وجعه وحزنه ! ..
جلال حس انه اتعرى ادامهم ومخاوفه كلها ظهرت عليه ... و رضا حست الوجع اللي جواه، بس شايفة بردو ان ابنها موجوع وان الماضي مش هيتكرر تاني ..
قالت بهدوء شوية
_ إنت لو واثق إنك ربيته صح، سيبه يمشي. جلال بصّ لها، عينه مليانة صراع
_ وأرجع أستلمه مكسور؟
رضا ردت عليه وهي بتبصله جوا عيونه
_ فوق .. أنا مش انجي .. وانت مش حسين .. ويحي مش جلال !
جلال سكت تمامًا والجملة خلته يتثبت في مكانه ويفضل واقف، صدره بيعلى وينزل، خايف وغضبان ومصدوم ...ومن غير كلام تاني .. انسحب جلال من بينهم وطلع من البيت كله وسابهم ...
كام واحد فينا افتكر ذكريات الثانوية العامة والنتيجة ؟ 💓🥺