الفصل الثامن والستون
_____
تاني يوم الصبح جلال صحي متأخر ... أو بالمعنى الأصح .. هو صاحي من بدري ولكنه مش عاوز يتفح عينه ويواجه الدنيا السيئة إللي عاش فيها ..
رضا قامت وشافت البيت محتاج إيه وطبعا مش لوحدها لأن معاها مساعدين بييجوا هما يهتموا بالبيت خصوصا في غياب نعمات
وبما ان رضا مش بتثق في حد .. فطبخت هي وعملت الأكل والمساعدين رتبوا البيت وغسلوا كل ما يحتاج انه يتغسل سواء هدوم أو حجات في البيت أو أطباق .. أما الأكل فهي إللي عملته .. وفعلا ليها حق .. دا أمه كانت بتحطله سم في الأكل ... الناس مش هتعمل كدة ؟ ...وهي كمان مبقتش بتثق في حد خالص .. والغريبة إنها بتحرص على جلال وولاده ..
رضا خلصت الطبخ ... والمساعدات إللي بيساعدوها من أهل البلد إللي شغلهم الأساسي هو الشغل في البيوت والخدمة في البيوت ... خلصوا هما كمان .. ورضا بصت لواحدة فيهم وقالت
_ ممكن تطلعي تشوفي مدام انجي ..
رغم كل إللي حصل وكرهها ليها .. إلا إن انجي محتاجة رعاية ... وطبعا هي مش بتعمل كدة حبا فيها ولكن هل يعني هتسيبها تموت ؟ أكيد لأ
وبالفعل المساعدة طلعت تشوف انجسييعايزة إيه وتديلها كمان الدوا اللسان الدكتور كتبه ليها وإللي رضا جابته وادته للمساعدة ..
المساعدة أكلتها وشربتها وكمان ساعدتها في تغيير هدومها وكل حاجة انجي كانت محتاجاها اتعملت .. ورغما نها بتمشي إلا ان لسة طبعا مش قادرة تمشي كويس أو تاخد خطوات ثابتة وحتى الكلام لسة متأثر ولكن بتقدر تتكلم ..
المساعدة بعد ما خلصت راحت قالت لرضا .
_ مدام انجي بتقولك يا دكتورة ابقي اطلعيلها ...
هنا بصتلها رضا وسكتت .. العقربة عيزاها في إيه؟ ..
ولكنها اتكلمت بهدوء وتداركت الأمر
_ ماشي .. شكرا تقدري تتفضلي وتعالي بكرة في نفس المعاد .
قالت المساعدة بطيبة
_ ان شاء الله.... تعوزي مني حاجة يا دكتورة ؟
ردت عليها رضا بلطف رغم تخشب ملامحها من طلب انجي
_ سلامتك يارب ..
_ مع السلامة
قالت الست فردت عليها رضا
_ مع السلامة ..
وبعدها الست خرجت ورضا فضلت واقفة مكانها بتفكر ... تروح انجي ولا تتجاهلها كأنها كلبة ؟ .. رضا خدت قرارها ...ومش هتروح .. وتولع انجي إللي أكيد عوزاها عشان تسمها بسمومها .
________________ طلعت فوق في الأوضة ودخلت بشويش وبحرص عشان متصحيش جلال إللي كان باين عليه نايم .. ولكن لما قربت من السرير .. لقيت عيونه مفتوحة وهو ساكن في مكانه ...
بصلها .. اتنهدت وقربت الكرسي منه، قعدت، ومدت إيدها ناحية الدول بتاعه علشان تجهزه وتديهوله بما انه صاحي ، وبعدين بصّت له بخفة وهي بتجهز الدوا
– صباح الخير يا جلال... في تحسِّن شوية؟
ما جاوبش... بس عيونه تحركت وبصّتلها.. النظرة كانت كسرة... كسرة راجل كبير اتكشف ليه إنه كان مغيب بالكامل ، حس كأنه عمره كله اتكسر في لحظة واحدة.
اتسعت نظراته وهو يتذكر كلماتها، كل حاجة كانت بتتهز جواه... كل لحظة عجز، كل نظرة حنان كان بيستناها منها وما جتش. كان حاسس إن قلبه بيتفتت... الوجع مش وجع لحظي ، دا وجع وحسرة هتفضل ملزماه طول العمر.
رضا حست بده من غير ما يقو.ل. قربت منه بهدوء، كأنها خايفة تكسر حاجة جواه لو قالت كلمة غلط.. مدت إيدها على كتفه، لمسته لمسة خفيفة جدًا... لكن كأنها لمست قلبه.
قالت بصوت ناعم جدًا
– مفيش كلام ممكن يطبّب وجع زي ده... بس مينفعش تسيب نفسك للحزن كدة .. أنت راجل كبير دلوقتي وعندك مسئؤليات وناس متعلقة في رقبتك .. مينفعش يا جلال تسيب نفسك تغرق وتخسر كل إللي بنيته عشانها ! ..
كان لسه ساكت، مبيتكلمش... بس دموعه لمعت.. نظراته ليها كانت فيها وجع، وارتياح صغير... ارتياح إنه لقى حد قاعد جنبه، مش بيحكم عليه، مش بيغلطه... بس بيطبطب.. وكمان بيشجعه يقوم
رفعت رضا يدها ولمست خده بحنية، تمسح على جبينه، كأنها بتطفي نار جوه روحه.
_ يلا عشان تاخد الدوا ..
وبالفعل .. اتعدل جلال وسند ضهره على خشبة السرير .. وبدأ ياخد الدوا بتاعه ..
وبعد ما خد نصه قالت
_ الباقي لازم بعد الفطار .. يلا الأكل أصلا جاهز .
فضل باصص ليها وكأنه بيقولها ان ازاي هي بالحنية دي ...ولكنها بصتله جوا عينه وهمست له بابتسامة مشاغبة
_ عارفة انه كتير عليك .. بس أعمل إيه في طيبة قلبي ؟
ابتسم جلال .. وهي كمان ابتسمت ...وبعدها فجأة هي قالت بجدية
_ انجي كانت عوزاني من شوية ..
سكتوا هما الاتنين... جلال قال
_ عايزة إيه؟
_ معرفش ومروحتش .. مش هعبرها .
قالت .. وفعلا نظراتها كان فيها قوة ولا مبالاة ...
_ أنا سمعت إنها .. كانت دخلت السجن .
قالت رضا فجأة فجلال بصلها وسكت .. فتأكدت ان المعلومة إللي جابتها من نعمات .. صحيحة ..
_ خرجتها ليه ؟ كنت سيبها تعفن جوا ..
رجعت رضا تقول بحدة .. فبصلها جلال ومكانش عارف يرد إزاي ..لكن من عينيه .. ملامحه.. عرفت السبب!
حطت ايديها على خده ورفعت راسه ليها عشان يبص جزا عينها وقالت وهي متفاجئة من قلبه إللي مكرهش اللي أذاه ..
_ مش عارف تكرهها ؟
_ مش قادر ..
قال جلال بصعوبة وهو فعلا مش قادر يكره أمه رغم كل إللي عملته فيه !
ورضا فهمته وبصتله بحنان واكتفت لن هي بتطبطب على خده بصمت، وهو بيغرق في نظراتها ليه كأنها أول حاجة دافية في حياته بعد عُمر من البرد القارس ...
_______ دخل يحي وحياة سوا يتطمنوا على جلال .. وكل دا ومحدش جاب سيرة لحسين إللي مرضوش يزودوا همومه ويقولوله اللي انجي قالته لجلال .. ولكن مع غياب جلال عن الشغل .. طبعا حسين جه
وحسين دايما في الشغل مع جلال وعمره ما سابه لواحده .. كان إيد في إيد معاه علطول .. رغم انه بقى ليه أسرة وابن تاني .. ولكن عمره ما ساب جلال ... وعلطول في الصورة . ..
حمزة جه وحسين وكريمة ....ورضا بررت تعب جلال ان هو مربوط بالسكر وانه أهمل دواه وأكله ونومه فتأثر .. وطبعا كلهم اتطمنوا عليه وفضلوا طول اليوم عنده لحد باليل ومشوا...
وهنا بعد ما مشوا علطول .. رامز جاب نعمات وجه يشوف جلال ..
كان جلال كويس وصحته حلوة جدا .. رضا مغدياه كويس أوي غصب عنه خلته ياكل وواخد دواه وصحته زي الفل .. هو بس مش قادر .. تخيل تحس إنك حد بيحطلك مخدرات عشان تزني ! .. كأن حد اغتصبك أو تحرش بيك وأنت راضي غصب عنك ! يعني أقسى من انك تكون متاخد غصب ! على الأقل وقتها هتكون عارف انك رافض .. لكن انك يتم التحكم بيك بدون حتى علمك .. دي المصيبة ...كانوا المساجين فيي السجون بيتكلموا عن أنواع التعذيب ان منها بيحطوا ليهم منشطات جنسية من وراهم .. ولما يطلبوا يفرغوا الطاقة دي مع الظباط .. يرجعوا يعايروهم ويذلوهم وكان دا للأسف بيدمر نفسية المساجين ! ... ودا إللي حاصل مع جلال دلوقتي.. لما اكتشف ان بعد العمر دا كله .. كان بيتم تعذيبه واستعماله بالشكل المهين دا ! ...
_ لا بس وشك منور ..
_ من أكل الدكتورة ..
قال رامز وهو قاعد مع جلال فرد يحي وهو بيبتسم لرضا وأبوه بخب إللي ردت ليه الإبتسامة ببرود بس فيه ود في هزارهم سوا ... فابتسم رامز ونعمات على الجو المشاغب إللي عيلة جلال بقت عايشة فيه ..
كانوا كلهم قاعدين سوا في البراند .... البراندا إللي رضا خلت المساعدين ينضفوها .. بتكون عبارة عن غرفة ولكن أحد حيطانها مفتوحة .. وبتكون زي بلوكونة واسعة ولكن في الدور الأرضى وبتطل على الجنينة وفيها قعدة مريحة وحلوة وهواها جميل ..
كانوا قاعدين باليل سوا وجلال فك شوية لما جه رامز ويحي وحياة قاعدين معاهم..
ابتسم جلال بتعب لجملة رامز .. وبعدها بث ليحي وقاله
_ هتفك الجبس امتى ؟
_ اليومين دول كدة بس مش عارف يوم إيه بالظبط
قال يحي وهو بياكل مكسرات ومتسلي جدا بالقاعدة دي .. مبسوط انه قاعد مع عيلته وأبوه وحاسس بدفئ .. زي حياة بالظبط إللي كانت قاعدة وزراع باباها محوطاها وكانت بردو بتاكل مكسرات ومارشميللوا من إللي رامز جابه ليها مخصوص ..
ورضا ونعمات قاعدين بردو في نفس القاعدة وبيشربوا قهوة وبيتكلموا على جنب في حجات كدة بصوتهم الهامس ..
رامز مقالش حاجة خاصة لجلال خالص .. هو بس كل إللي طلبه منه ..
_ جلال .. تعالى نتمشى سوا شوية ..
بصله جلال إللي اتنهد وهز راسه ببطئ وقام .. تحت نظرات رضا إللي أول ما قام وقفت وقالتله
_ الشال .. خده معاك .
كانت رقيقة وصوتها خافت ليه .. ولكن الكل لاحظ اهتمامها بيه .. ابتسم ليها جلال وفعلا أخد الشال وطلع هو ورامز يتمشوا في الجنينة أدامهم ______
جلال حكى لرامز عن كل إللي اتقاله من أمه.. حكاله عن القرف إللي هو كان عايش فيه ومش داري ومش عارف ! ..
وهنا رامز بصله بعد ما سكت بشوية وقال وهو بيحاول يهديه ..
_ مع ان كل دا مؤلم .. بس هو ياجلال بين انك مكونتش وحش ومستهتر للدرجة دي .. مع انك غلطت كتير... بس الغلطة دي بالذات .. أنت بريئ منها ..
بصله جلال .. وحس ان دي الحاجة الوحيدة إللي فعلا ممكن تصبره .. ولكنه قال
_ بس مش من أمي ! مش أمي إللي تعمل فيا كدة .
_ ماهي عملت كل حاجة يا جلال ... مجاتش على دي يعني .
قال رامز بسخرية مريرة وجلال عارف انه عنده حق فعلا .. وبعد شوية صمت وصفى .. قال رامز باللي مكانش قادر يداريه ولا يخبيه عن جلال
_ تفتكر مازن كان عارف ؟
جلال استغرب
_ وإيه دخل مازن ؟
_ ماهو عملها تاني من كام يوم ..
قال رامز فبردو جلال مكانش مقتنع ولكن وصله شك .. ورامز هنا وضحله أكتر
_ بص يا جلال أنا هحكيلك حاجة حصلت معايا أنا وهو زمان ..
وبدأ رامز يحكيله لما شاف من زمان نوع المنشط الأمريكي إللي كان مع مازن ...ولما خلص قال لجلال إللي كان مصدوم ان كل دا كان بيُحاك من ورا ضهره من سنين طويلة ...
_ ممكن يكون هو إللي كان بيديه ليهم وهما يحطوه ليك
_ بيكرهني من زمان كدة ..
قال جلال بسخرية وفي نفس الوقت حزن .. بصله رامز ومكانش عارف يقوله إيه...
_ متشغلش بالك أنت وأنا هعرف آخر الموضوع دا . وربت على كتف جلال .. وهما الاتنين رجعوا تاني للبراندا ...
_______
بعد ما نعمات ورامز مشوا ويحي وحياة طلعوا على أوضهم .. جلال فضل سرحان وبيفكر في كلام رامز .. لو طلع حقيقي .. هيبقى فيه حرفيا عصابة بتخطط لحجات كتير أوي من ورا ضهره ويمكن ما خفي كان أعظم بكتير !! ..
رضا كانت واقفة عند التسريحة، بتسرح شعرها وواخدة بالها ان جلال سرحان ... ، وكل شوية تبص عليه من المراية، تشوف ملامحه الجامدة اللي مفيهاش أي حياة. قالت بهدوء وهي بتقرّب وبتشاور بعينها على العصير الموجود فوق الكومود إللي جنب السرير
– جلال... اشرب العصير ده
ما ردش. رفع عينه ليها للحظة، وبعدين رجّع نظره للأرض تاني، وكأن صوته اتكسر جواه.
حاولت تبتسم، ابتسامة صغيرة باهتة
– خلاص ما تتكلمش ... بس اشربه .. ولادك قلقانين .. خليك مسئؤل شوية .
بردو مستجابش فخدت الموضوع عند وشالت الكوباية من على الكومود جنب سريره، وقعدت قدامه، وقربت الكباية من بقه وهو بتقوله بعند
_ هتشرب يعني هتشرب ..
جلال مكانش عاوز وكان عامل زي الطفل إللي أمه بتشربه اللبن ..
_ يابني أشربه الله !!
_ آه شفايفي طيب ..
قال بألم وهي شفايفه خبطت في سنانه بسبب الكوباية .. بصت لشفايفه إللي بتلمع
_ آه !
رددت تتريق عليه بسخرية .. فبصلها وهو بيلمس شفايفه بصباعه مكان ما اتخبطت .. فبصتله وهو بيعمل كدة وسرحت فجأة وهي شيفاها بتلمع بالعصير ..
_ مالها شفايفك .. ماهي حلوة أهي
_ حلوة ؟
طبعا جلال باشا خد باله فورا من نظراته وفجأة صوته ونظراته هو كمان اتغيرت فبصتله وهزت راسها .. مفيش فايدة من خبثه .. لو الدنيا انطبقت على الأرض هيفضل طبعه زي ماهو ..
_ بتفوق على إللي يعجبك بس .
قالت فابتسم وبعدها محى ابتسامته وكشر وقال
_ على فكرة أنا زعلان ..
_ ياراجل .. عيني في عينيك كدة
وقربتله وبتبص في عينيه فرد وهو مش قادر يقاوم قربها
_ كدة هقوم اتنطط من الفرحة
ضحكت بخفة وادتله الكوب وهي بتقول
_ عيزاك تشرب ..
وقامت ودخلت الحمام وهو فضل يبصلها وشرب الكوب كله ....