الفصل الأول
في العام ٢٠٠٣، عندما كانت "رضا" في سن الخامسة عشرة من عمرها... ارتدت جلبابها الأسود الواسع الذي دائماً ما تفضله بعدما توفيت والدتها منذ ثلاث سنوات، واحتلت زوجة أبيها مكان أمها لتزداد حياتها حزناً وقتامة. _ استني يا بت يا مطلوقة خدي هنا! رايحة فين؟ نادت عليها ابن عمها "سميحة"، وهي فتاة ثقيلة الظل تتمنى رضا لو تختفي من حياتها.. ولكن هيهات! فـ "رِضا" قوية ولا يمكن لسميحة أو غيرها أن تقف أمامها؛ فلسانها دائماً ما يرد الصاع صاعين بكلمات تحسم أي مواجهة... فردت عليها بقوة وبلهجتها الريفية: _ بت أما تبتك ياختي! جاية ورايا ليه يا حرباية أنتِ؟ رفعت الأخرى حاجبها بغضب: _ اضبطي لسانك معايا يا رضا! فنهرتها رضا بجبروتها الذي لا يتناسب حتى مع طولها القصير الذي لا يتجاوز المتر وخمسة وخمسين سنتيمتراً: _ مين دي اللي تضبط لسانها؟ ما تظبطي نفسك أنتِ يا بت، بدل ما أنتِ ماشية تتخبطي كده! _ بقولك إيه.. مرواحك كل شويه عند الست الكبيرة ده مخلي سمعتنا على كل لسان! _ حوش حوش السمعة الحلوة اللي بتخر منكوا! ثم اقتربت منها قائلة بثقة: _ بقولك إيه.. لمي نفسك أنتِ وأمك وزوجة أبويا، وقوليلهم يهدوا كده على نفسهم.. ده الواحدة فيكم تتمنى بس تعدي من جنب قصر الست هانم الكبيرة وتشم ريحته! _ إحنا اعتراضنا مش على الست هانم الكبيرة يا رضا، وأنتِ عارفة! _ وأنتوا مين يا لوزة علشان تعترضوا ولا توافقوا؟! غضبت سميحة من كلماتها الحادة وردها الحاضر دائماً، فتحينت الفرصة لإغاظتها قائلة وهي تتهمها بعينيها: _ البت نعمات شافت الست الهانم وهي بتوريكي صور سي جلال وهو عايش في بلاد برة في وسط الحفلات والناس، وقالت للبلد كلها! بتتفرجي على صور وسي جلال ومبسوطة؟ والله أعلم بتفرجك على إيه تاني! ابتسمت رضا تلقائياً فور تذكرها أمر تلك الصور التي تمثل العالم كله بالنسبة لها: _ آه لو اتفرجتِ على اللي أنا بتفرج عليه! ثم ضمت يديها بحالمية وقالت بهيام: _ ياختي على الصور وجمال اللي في الصور! تعرفي إيه أنتِ عن الجمال يا فقرية، ياللي مشوفتيش في حياتك غير الشارع والترعة؟! فتحت سميحة عينيها بقوة قائلة بصدمة وحقد: _ يعني كلام نعمات صح، وبتشوفي صوره وبتتغزلي فيه يا قليلة الأدب؟! رفعت رضا حاجبها بتكبر وتعالٍ قائلة: _ أنتِ عارفة يا بت يا فقر أنا اتولدت فين؟ أنا اتولدت في القصر ده، ودكتور هو اللي ولد أمي! مش زيك جابوا لأمك حلاق الصحة استنضفوا وما جابوش داية! اغتاظت سميحة ولم تعرف بما تراددها، فصرخت فيها بغضب: _ أنتِ قليلة التربية! _ لا يا روح أمك، أنا تربية قصور! اتولدت وكبرت على إيد الست هانم، ووعيت على الدنيا وأمي أقرب خادمة لقلب الهانم.. أما أنتِ أمك معمرتش ساعتين على بعض في القصر! احمرت عيونا سميحة من شدة الغضب والكره ووقفت متخشبة مكانها؛ فقد سيطر عليها الحقد لدرجة أنها لم تعرف كيف ترد. لتقول رضا بقرف من ذلك الموقف: _ شوف البت بتبصلي إزاي! جتك القرف.. ابقي اتغسلي ياختي ونظفي نفسك قبل ما تيجي تقفي معايا! ثم تركتها ورحلت متغندرة بخطواتها الواثقة.. ورغم سنها الصغير، إلا أنه بسبب طبيعة حياتها القاسية تراها وكأنها تمتلك خبرة سنوات طويلة. فقد عاشت وتربت مع أعمام وزوجات أعمام لا يعرفون الرحمة، وأبوها لم يحب البنات يوماً، ولم يمنعه عنها سوى أوامر السيدة الكبيرة التي تحب رضا وتوفر لها الحماية. لكنه في بعض الأحيان كان يستفرد بها ويقسو عليها، وما زاد الأمر سوءاً وفاة والدتها وحضور زوجة أبيها إلى المنزل. لتجد رضا نفسها في دوامة: إما أن تكون الضحية وتبكي على حالها وتصبح مهانة للجميع، أو أن تقوى وتصلب قودها وتكتسب الكبرياء لمقاومتهم. وهي بشخصيتها القوية وبتربية السيدة الكبيرة لها، اختارت أن تكون شامخة لا يهينها ولا يذلها أحد. وقفت سميحة بعدما رحلت رضا تتوعّد لها بكره وغيظ: _ ماشي يا رضا.. إن ما خليت أبوي يكسر عضمك من الضرب ما أكونش أنا! الظاهر نسيتِ الأيام القديمة.. بس ماشي، الأيام بيننا! •••••••••••••••••••••••••••• أول ما دخلت رضا بهو القصر، حتى أسرعت إليها أم نعمات الخادمة الكبيرة تأنبها: _ اتأخرتِ ليه يا رضا؟ دي الست هانم مستنياكي بقالها ساعة! استندت عليها رضا لاهثة بعدما أخذت الطريق ركضاً: _ معلش يا أم نعمات.. البت سميحة وقفتني في الطريق وشغلتني! ربتت أم نعمات على كفها سائلة بقلق: _ اوعي تكون زعلتك ولا حاجة؟ كنت أروح أجرها لك من شعرها! رفعت رضا حاجبها بإبتسامة واثقة: _ فشر! هي تقدر؟ ده أنا إدتيها كلمتين في جنابها فرمتوها! ضحكت أم نعمات واستعجلتها: _ شاطرة يا بنت الغالية.. يلا يلا اطلعي للست هانم تلاقيها مستنياكي! قالت رضا بصدق وحب: _ ماشي، طالعة أهو.. وأنا أقدر على زعلها؟ دي ستي وتاج راسي! صعدت السلالم وقبل أن تصل للغرفة، اعترض طريقها صوت تلك السيدة الأرستقراطية المتعالية: _ أهلاً أهلاً باللي خلاص فكرت نفسها هانم علينا! تأففت رضا؛ فهي تعلم أن تلك المرأة "إنجي"، زوجة الابن الأكبر "حسين" للسيدة الكبيرة "فريدة"، لا تحبها ولا تطيق رؤيتها وتعيش حياتها للتكبر على من حولها. تحدثت إنجي بعنجهية: _ أنتِ ليكي مواعيد بنسمحلك فيها تدخلي وتطلعي.. أنتِ فاكراها وكالة من غير بواب؟! كانت إنجي تحاول بكل الطرق استفزاز رضا، فهي الوحيدة التي تقف أمامها بثبات نظراً لمكانتها في قلب السيدة الكبيرة. ردت رضا عليها بقوة: _ لأ مش وكالة من غير بواب.. بس دي دار الست هانم اللي أنا تربية إيدها، ولو غبت عنها يوم، ربنا يديم المعروف، ممكن تقلب الدنيا فوق نفوخ الكل! اغتاظت إنجي من ردها الواثق؛ إذ تذكرها رضا دائماً بأن كل شيء ملك للسيدة الكبيرة فريدة. صرخت فيها إنجي: _ اخرسي يا قليلة التربية! وتاخدي بالك كويس أنتِ بتتكلمي إزاي! نظرت لها رضا باستخفاف وقالت بمكر: _ أنا واخدة بالي كويس، أنتِ اللي بدأتي الأول.. وآه، دي تاني مرة يتقالي فيها الكلام ده النهاردة، فخلي بالك بقى يا ست هانم! ثم ابتسمت بطريقة استفزت إنجي أكثر، لتوحي لها بأن محاولاتها لإبعادها عن القصر لن تنجح. •••••••••••••••••••••••••••• _ يا صباح الخير على ست الهوانم! الجميلة اللي ما شفناش ليها مثيل، وجمالها رباني وتشوفها تقول دي صبية ومكملتش العشرين! دخلت رضا دخلتها المعتادة المبهجة، لتقول فريدة بإبتسامتها الراقية: _ صباح الخير يا بكاشة يا اللي جاية تضحكي عليا بكلمتين علشان ما أحاسبكِش على تأخيرك! وقفت رضا بجانب الفراش وقالت بحب: _ بعد الشر عليا من التأخير، ده أنتِ حبيبتي يا ست فريدة يا بنت الملوك! _ اقعدي بقى صدعتيني.. هاتي زيت اللوز وتعي دلكي فروة رأسي، دماغي واجعاني من الصبح. جلبت رضا الزيت ونفذت ما أُمرت به، وبعد عدة دقائق بدأت تتحنحن بتوتر تريد قول شيء لكنها تستحي: _ احم.. يعني.. ألف سلامة عليكِ. كانت السيدة مغمضة العينين مسترخية، وفهمت ما ترمي إليه رضا لكنها تجاهلتها لتكمل رضا بحماس: _ النهاردة الإثنين أول الشهر! تنهدت السيدة وقالت وهي ما زالت مغلقة عينها: _ قولي بصراحة يا رضا.. عاوزة إيه؟ تركت رضا شعرها وجلست أمامها على الأرض قائلة بحماس طفلة صغيرة: _ مفيش صور زي بتاعة كل شهر؟ نظرت لها فريدة بإبتسامة ثم رفعت حاجبها: _ فيه! أمسكت رضا بطرف ثوبها بنظرة رجاء: _ ودين النبي تفرجيني يا ست فريدة! نظرت لها غير راضية عن اندفاعها: _ شيلي إيدك يا بنت.. قال يعني كده هتصعبي عليا؟ ده أنتِ سوسة! نظرت لها رضا بملامح سعيدة: _ هتوريني؟! ابتسمت لها السيدة بحنان: _ آه هوريكي. وناولتها ظرفاً يحتوي على عدة صور، التقطته رضا بلهفة طفل على قطعة حلوى: _ تسلم إيدك، ويسلم إيد اللي بعتهم، ويسلم ويسعد اللي في الصور! فتحت الظرف بسرعة وأخرجت الصور، وما إن وقعت عينها على أول صورة حتى تحولت نظراتها لأخرى هائمة مرددة: _ بسم الله الرحمن الرحيم.. ياختي عليه! قلبت في باقي الصور وقالت وعيناها في عالم آخر: _ لبسه حلو أوي.. ده كله على بعضه أصلاً ما شفتش في جماله! وجدت له صورة وهو على أحد اليخوت يبتسم للبحر، فقالت: _ أكيد دماغك وجعتك من كتر التفكير فيه وفي جماله! ردت السيدة بضيق: _ لأ يا ناصحة، وجعاني من حاجات تانية. تجاهلتها رضا وأمسكت صورة تظهر ملامحه بوضوح وابتسامته الرائعة فقالت: _ إيه ده؟ كان بيرضع إيه وهو صغير؟ بسبوسة بالقشطة؟! _ الله أكبر في عينك! نظرت لها رضا بصدق وعشق: _ ياختي أحسد حبيبي إزاي؟ ده روحي وعقلي وكل ما ليا! ده العيال في الكفر ناقص يزفوني ويقولوا رضا العانسة أهي! بس أنا قاعدة مستنياه.. بحبه من كل قلبي والله! ربتت فريدة على رأسها، لتكمل رضا: _ بحبه أوي من أيام ما كنا صغيرين ونلعب سوا، وأمه أم قلب قاسي تيجي تزعقلي وتطردني من القصر علشان ما يلعبش معايا! تأملت صورة أخرى وشهقت بقوة: _ يا لهوي على جماله وحلاوته! ده زي الجيلاتي المسكر كده! نهرتها الجدة: _ جيلاتي؟ إيه الألفاظ دي؟! فتوترت رضا قائلة: _ قصدي يعني حلو وسكر.. سحبت فريدة الظرف قائلة: _ طب هاتي! تمسكت به رضا برجاء: _ لأ استني أشوف بقية الصور! _ لأ. أخذته السيدة فحزنت رضا كالأطفال: _ أنا عاوزة أتفرج يا ست فريدة، فرجيني! قالت بحزم: _ لأ، قلت لأ يعني لأ! وضعت رضا رأسها أرضاً ومثلت الحزن لتؤثر في فريدة، فنادت عليها السيدة: _ تعالي هنا اتفرجي.. بس ما ترجعيش تزعلي لما تشوفيهم، الصور دي سبب الصداع اللي عندي من الصبح. أخذت الظرف مبتسمة: _ أكيد من كتر الحلو اللي فيهم يجيب صداع! وما إن رأت الصور التالية التي تظهره في إحدى الحفلات بالخارج تحيط به الفتيات، حتى وضعت يدها على قلبها وانفتحت عينها بصدمة: _ آه يا قلبي! الحقيني يا ست فريدة! مين اللي واقفين معاه دول؟! حاولت فريدة كتم ضحكتها على منظرها المصدوم، لتردف رضا بحسرة وهي تطالع الصور: _ يا خرابي! يا لهوي! يا ليلة سودا! ثم ضربت بيدها على ثوبها مقهورة: _ يا مصيبتي! أوقفتها فريدة: _ بس أنتِ اتجننتِ؟ بتكلمي الصورة؟ صرخت رضا بحسرة: _ أنتِ مش شايفين واقفات جنبه إزاي ولابسين إيه؟! يا عالم أنا عقلي هيطير! قالت فريدة بحزن على حال حفدها: _ هو يعني أول مرة؟ ده كل يوم في مكان شكل وشغليته السفر والحفلات.. جلال ده طالع لجده، ما بيقعدش ساكت دقيقة! ما كنتش أتخيل إنه يطلع كده، أبوه كان هادي طول عمره. كانت رضا تضرب يدها بأخرى مقهورة: _ نار في قلبي يا ست فريدة! نار في قلبي مش قادرة.. عايش في الغربة وناسينيا! _ يا بنتي ده آخر مرة شافك فيها كان عندك سبع سنين، هيفتكر إزاي بس؟! _ برضه ما ينفعش! ده بيعمل حاجات غلط.. أنا صحيح ببص لِصوره بس أنا نفسي يتعدل وأكون نصيبه، إنما العيشة دي والمناظر دي غلط وكبائر كمان! _ أعمل إيه بس يا رضا؟ منها لله أمه اللي طلعت في دماغه فكرة السفر والتعليم برة، وأبوه اللي ملوش كلمة.. وأديه أهو هيكمل العشرين ولسه ولا ليه رابط ولا حاكم ولا يعرف أصول دينه مظبوط.. كويس إنه فاكر إنه مسلم! تنهدت السيدة بحزن، فقامت رضا وقتربت منها بعيون حنونة: _ صعبان عليا أوي.. إزاي هان على أمه توديه آخر الدنيا وهو يعيش لوحده ويدوق مرارة الغربة؟ طب مين بياخد باله منه، ولما يفرح يحكي لمين، ولما يتغم يشكي لمين؟ تهكمت السيدة: _ قال يعني متعذب! ده عايش في عز يا هبلة! هزت رضا رأسها بشفقة: _ أيوه عايش في عز صحيح، بس من غير روح ولا حنان.. ده لو معاه مال الدنيا برضه ما يغنيهوش عن جو العيلة وحنان أهله.. هي دي برضه عيشة؟ ابتسمت فريدة بشرود: _ وأهو عيد ميلاده كمان قرب.. نظرت رضا للأمام بحسرة: _ يا ترى هيقضيه زي كل سنة لوحده برضه، ولا مع الصحبة دي؟ رفعت السيدة رأسها بثقة وقوة: _ لأ.. السنة دي بقى غير! استغربت رضا: _ إزاي يعني؟ _ هو ده الموضوع اللي كنت عاوزاكي فيه.. مفاجأة يا آنسة رضا، جلال نازل مصر كمان شهر!
________
في اليوم التالي، كانت رضا في غرفة فريدة هانم، وكانت فريدة تأكل بعض الفواكه، فعزمت على رضا، لكن رضا هزت رأسها بالرفض، فقالت فريدة: _ برضه صايمة؟! ردت رضا وهي ترتب بعض الأغراض في الغرفة: _ أيوه.. ده تكفير ذنوب! _ وهو أنتِ عملتِ إيه بس؟ رفعت رضا رأسها ونظرت لفريدة بحزن وشعور بالذنب: _ لاه.. بصيت في صوره وكنت هاكله بعيني، وتقوليلي عملت إيه؟! لازم أصوم تلات أيام كفارة! تركت فريدة الفاكهة من يدها ورفعت حاجبها قائلة بتحدٍ: _ طيب، طالما الحكاية كده بقى، مش هوريكي صوره تاني! أسرعت رضا فوراً وجلست على الأرض أمام فريدة الممتدة على كرسيها المريح: _ لاه! أنا في عرضك يا ست فريدة! دي هي الحاجة الحلوة اللي بتنور أيامي من الشهر للشهر.. بس أنا لازم أكفر عن ذنوبي علشان ده غلط، وبدعي ربنا يسامحني.. بس أعمل إيه، نفسي ضعيفة من ناحيته أوي! نظرت إليها فريدة بحب كبير وتأثر، ووضعت يدها على شعرها الذي انسابت منه الطرحة قليلاً: _ قد كده بتحبيه يا رضا؟ سرحت رضا في الفراغ وقالت بحب شديد: _ بحبه أوي.. من صوره، ونبرة صوته لما بيكلمك أو يبعتلك تسجيلات الشرايط اللي أدمتها وبقت زي المهدئ بالنسبة لي.. بس أنا عارفة إن ده كله ما ينفعش، وبحاول والله أمنع نفسي بس بخيب في الآخر.. ربنا يسامحني يا رب! كانت رضا طيبة وبريئة جداً على عكس ما يظن أهل البلد عنها؛ فهي دائماً تحاول ادعاء القوة والشجاعة حتى لا يجرؤ أحد على إهانتها، ولأنها تعلم أن الضعيف يُسلب حقه. وكانت فريدة تعلم مدى تدينها وطيبتها، بل تراها الزوجة المناسبة لحفيدها لأنها لا تتهون في الحق والواجب مهما بلغت محبتها. _ عندك حق يا رضا.. علشان كده أنا اخترتك، ومش هرتاح ولا يهدالي بال غير لما أجوزك جلال، وأطمن إنه في عصمة زوجة صالحة تشده دايماً للخير والدين. أمسكت رضا يد فريدة وربتت عليها بحنية وكأنها أمها: _ ألف بعد الشر عليكِ يا ست الهوانم كلهم.. تعيشي وتشوفيه عريس وتفرحي بعياله كمان! _ تفتكري ممكن أعيش لليوم اللي أشوف فيه ولاد جلال؟ _ ربنا يديكِ الصحة ويطول في عمرك يا رب. توترت رضا وحُبس الكلام في حلقها، لكنها سألت بتلكمك: _ بس يعني.. شفتِ الفتيات اللي واقفين معاه في الصور؟ تضايقت فريدة من هيئة تلك الصور، لكنها جارَتها لتفهم ما يدور في ذهنها: _ مالهم؟ قامت رضا من مكانها بتأفف وغيرة شديدة: _ بنات كده.. بيض وشعرهم أصفر وعيونهم ملونة، ويعني من الآخر كده هما حلوين أوي أوي.. بس أنا استغفر الله العظيم أحلى منهم طبعاً! ضحكت فريدة بخفة: _ طبعاً يا رضا! تحولت معالم وجه رضا للحزن مرة أخرى ونظرت لفريدة بأمل خافق: _ تفتكري ممكن هو.. بجماله وهيبته ورجولته دي كلها، يسيب البنات دول ويتجوزني أنا؟ ردت فريدة بثقة: _ ما تشيليش هم الموضوع ده أبداً. سكتت رضا، لكنها فكرت في إمكانية أن تجبر فريدة هانم جلال عليها، فقالت بجدية: _ ست هانم.. لم ترد فريدة وكأنها تتوقع ما ستقوله، لكن رضا أصرت: _ ست فريدة.. متجبريهوش عليا! نظرت إليها فريدة ببعض الضيق من نبرتها الآمرة، فاستدركت رضا بسرعة وقالت بصدق: _ مع حفظ المقامات يعني، وأنتِ مقامك عالي أوي.. بس أنا بعتبرك في مقام أمي الله يرحمها، بفتحلك قلبي وبشكيلك.. لو ليا خاطر عندك، ما تجبريهوش عليا! ردت فريدة برزانة وغُموض: _ وهو في حد يقدر يجبر راجل إنه يتجوز واحدة هو مش عاوزها؟ نظرت رضا في عينيها بثبات: _ أنتِ يا ست هانم تقدرِ.. وأنا وأنتِ عارفين إنك تقدرِ تخليه يوافق هو وأمه وأبوه! نهرتها فريدة بقوة حين شعرت بتجاوزها: _ رضا! ابتلعت رضا ريقها بخوف واعتذرت: _ أنا أسفة يا ست هانم.. ردت فريدة بحدة: _ مش عاوزة أسمع كلمة تانية.. يلا روحي، مش عاوزة أشوفك النهاردة ولا بكرة! حزنت رضا من الموقف، لكنها قالت بشموم وقوة ناعمة: _ كلمة أخيرة هقولها وهمشي.. لو مش عاوزة تشوفيني تاني أنا مش هزعل، أهم حاجة راحك يا ست هانم.. ما تذليش جلال بالورث! بلاش تساوميه أو تخيريه بين جوازه مني وبين حقه.. جلال حفيدك الوحيد. دمعت عين فريدة تأثراً بصدق رضا، لكنها رأت أن هذا الحب الأعمى يغطي عن حقيقة ما أصبح عليه جلال، فقالت بنصح جاد: _ جلال مش زي ما أنتِ فاكرة يا رضا.. أنتِ فاكرة جلال اللي كان بيلاعبك وأنتِ صغيرة وعنده براءة الأطفال؟ جلال ده كان يادوب ١٢ سنة.. دلوقتي هو حاجة تانية؛ عايش في طيش وبذخ، ولو الفلوس دي اتقفلت عنه هيعمل أي حاجة علشان يرجعها! قاطعتها رضا بحرقة: _ ما تقولِيش عليه كده! أنتِ ما تعرفيهوش! ردت فريدة: _ وأنتِ بقى اللي تعرفي حفيدي أكتر مني؟ دافعت رضا عنه بعاطفة مشتعلة: _ أعرفه بقلبي وروحي! جلال محتاج حد يحبه بصدق، حد يحن عليه وياخده في حضنه ويطمنه إنه يفضل جنبه مهما حصل! تنهدت فريدة بتعب: _ روحي دلوقتي يا رضا.. شكل الصيام مأثر عليكِ. مسحت رضا دمعة سالت على خدها وقالت بطاعة: _ ماشي.. تعوزي مني حاجة يا ست الكل؟ ابتسمت فريدة ابتسامة مصطنعة: _ افتحي الدرج اللي هناك ده وخدي اللي هتلاقيه. ذهبت رضا وصرخت بمفاجأة كالأطفال: _ شوكولاتة! ضحكت فريدة: _ بس اوعي تتهوري وتاكليها دلوقتي وأنتِ صايمة! جرت رضا لتحتضنها، لكن فريدة اصطنعت التكشير: _ لأ، مش هنسلم.. أنا زعلانة منك، إياكي تكلميني كده تاني! قالت رضا بحب: _ سامحيني والله ما يهون عليا زعلِك! ابتسمت فريدة لطيبة رضا الصافية، وتأكدت أنها الوحيدة القادرة على بناء أسرة حقيقية تقوم على الأخلاق والتربية الصالحة. _ طب يلا روحي وبكرة أصفالك. هزت رضا رأسها بابتسامة: _ ماشي يا ست هانم. •••••••••••••••••••••••••••• في أمريكا... في إحدى الصالات الصاخبة التي تعج بالسهر والموسيقى، كان هناك شاب مصري الملامح، بعينين رماديتين وبشرة فاتحة وشعر أسود ناعم، يرتدي قميصاً أبيض أنيقاً ومفتوح الياقة، يظهر عليه الترف والجاذبية الشديدة التي تجعل الجميع يلتفون حوله. كان يتكئ بثقة ومرح وسط جمع من الفتيات والأصحاب، بينما يتابع أصدقاؤه المشهد من طاولة مجاورة. قال أحدهم بحسد: _ شوف جلال.. البنات مش سايبينله فرصة حتى يتنفس! شرب رامز كأسه وقال بحقد وسخرية: _ محظوظ من يومه.. الفلوس والجاه بيعملوا أكتر من كده. رد صاحبه: _ يا عم بدل ما تحسده، ما تنصحه ينتبه لدراسته! في تلك اللحظة، اقترب منهما "مازن"، شاب وقور يظهر عليه الالتزام والاحترام. ألتفت إليه رامز وقال بكره مكتوم: _ أهلاً بشمهندس مازن.. جاي تنصح الباشا اللي سايب امتحاناته ومقضيها سهر للصبح؟ قرب منه مازن وقال بثبات ونبرة حادة: _ رامز.. أنت بتمثل إنك صاحبه وتخاف عليه، وأنت أكتر واحد بتحسده وتستغله! استشاط رامز غيظاً، بينما أضاف مازن بثقة: _ أنا وجلال أصحاب من زمان، وأنا هنا علشان دراستي ومستقبلي.. جلال عنده إمكانيات يكون أنجح دكتور لو فاق من اللي هو فيه، فبلاش شغل الحقد ده وراجع نفسك! تركهم مازن وتوجه مباشرة نحو جلال، بينما بقي رامز ينظر إليه بغل ويكتم غيظه. أزاح مازن إحدى الفتيات المحيطات بجلال وهتف بجديّة: _ أنا مش عاجبني اللي أنت بتعمله ده يا جلال! رفع جلال رأسه ببرود مفرط ومسك سيجاره الفاخر، وقال بلا مبالاة: _ في إيه يا مازن؟ مالك على الصبح؟ قال مازن بضيق وضغط: _ أنت لازم تفوق! اللي حواليك بيكرهوك وبيستغلوا فلوسك، وأنت سايب دراستك ومقضيها سهر ولعب! أنت مسلم، وجاي هنا علشان تاخد شهادة محترمة وترجع لفتخر بيك أهلك، مش علشان تضيع نفسك في السهر والطيش! سحب جلال نفساً من سيجاره ونفخه بهدوء، ثم قال بابتسامة ساخرة: _ يا عم روق دماغك وسيبك من المواعظ دي! تعالى اقعد واشرب حاجة وانسى الهموم. نظر إليه مازن بحزن وصدمة من هذا التغير؛ فصديق طفولته الذي كان يحلم بإنهاء دراسته والعودة لوطنه، أصبح شخصاً مستهتراً لا يبالي بعبادة ولا بدراسة، ويرى الكبائر والأخطاء أمراً عادياً في حياته اليومية. اقترب أصدقاء السوء وأخذوا جلال معهم وسط ضحكاتهم الصاخبة وهو يرفع كأسه محيياً إياهم ببذخ: _ الليلة على حسابي يا شباب! حاولت إحدى الفتيات الاقتراب منه، فغمز لها جلال بوقاحة ومرح، وانغمس مجدداً في أجواء السهر. وقف مازن يتأمل المشهد بحسرة، وأدرك أن النصح الشفهي لن ينفع مع جلال، وأن بقاءه على هذا الحال يعني دمار مستقبله وحياته بالكامل. في تلك الليلة، اتخذ مازن قراراً صعاباً ولكنه شجاع؛ أخرج هاتفه وقام بإرسال رسالة مفصلة إلى الجدة "فريدة هانم" في مصر، أخبرها فيها بكل ما يفعله جلال، وعن تدهور مستواه واستهتاره الشديد. وعلى إثر هذه الرسالة، اتخذت الجدة فريدة قرارها الحاسم والنهائي: سيعود جلال إلى مصر فوراً، ولن يسافر مجدداً، وسيتم تزويجه من رضا ليعود إلى صوابه ورشده!