عشق أولاد الزوات "الجزء الأول"
الفصل 12816 د متبقية
الفصل 128

الفصل الثامن والعشرون بعد المئة

16 د قراءة

_ ايه اتصدمت ؟ .. طبعا مش هتقدر  عشان مش راجل ومتقدرش تعمل أي حاجة.. أنت مجرد شوخشيخة في ايدين الناقص أبوك  ... مالكش لازمة ولا قيمة

صمت فواز جعلها تنطق بكلمات نبعت من قلبها لتريه قيمته الحقيقية بينما تكمل في احتقار

_ الكلب ليه قيمة عنك على الأقل وفي ومبيعضش صاحبه

_ عندك حق !

أجاب بصوت مستسلم وشعوره بالدونية تجاه نفسه مستمر في الإذدياد لتقول رنيم في انتقام بدافع الألم

_ فاكر عملت فيا إيه؟

عينيه كانت في الأرض ممتلئة بالدموع لا يستطيع رفعها بها بينما تلقي على مسامعه كلمات مهينة قاسية يعلم تمام العلم أنه يستحق أكثر منها بكثير

_ كل حاجة لسة معلمة وعمري ما هنساها .. لو أطول أجلدك يا زي ما جلدتني هعملها ومش هتردد ...

ابتلعت دموعها التي كانت ستسقط وهي تتذكر ذلك اليوم الذي عراها فيه وأخذها عند هيام لتضربها كف فوق وجهها لتهينها أكثر .. تحجر قلبها عليه أكثر وشعرت بالكراهية تدب في عروقها فهتفت به بينما تضغط على أسنانها

_ أطلع برا ومتجيش هنا تاني واعتبر نفسك مسمعتش ولا عرفت حاجة .. ولادي هربيهم بمعرفتي وجوزي وراجلي وسندي موجود جنبي مش محتاجة واحد مالوش قيمة ولا شخصية زيك .. هيربيهم راجل غيرك شهم وقوي وشورته من دماغه وعنده رحمة .. 

ثم عايرته بإحتقار _ مش زيك وحش همجي مستخبي ورا بدلة وببيونة

وضع محمود يده فوق كتفها يحاول تهدئتها لكنها تابعت في حقد

_ أنا بكرهك يا فواز .. ومبكرهش حد أدك في حياتي كلها .

ارتفعت عيون فواز في هذه اللحظة يخبرها في صدق وأعين باكية

_ وأنا بحبك يا رنيم ! ومبحبش حد أدك في حياتي كلها  ..

ثم نظر ليد محمود الموجودة فوق كتفها ووقف مغادرًا دون قول كلمة أخرى وما إن سمعت صوت إغلاق الباب حتى عادت رأتها للعمل ليقول محمود مستنكرًا

_ مبحبش أدك في حياتي ويمشي كدة بالسهولة دي !

سخرت رنيم _ هما دول كدة .. أغلى ما على قلبهم الفلوس

_ أنا

_ فواز عرف منين ؟

كان يريد التحدث لكن رنيم قاطعته بسؤال لم يريدها أن توجهها له أبدًا 

_ أنا مالي .. هو فواز قليل

تجاهل شكها فيه لكن عينيها لم تتزعزع من فوقه

_ اشمعنا دلوقتي يا محمود بالذات !

لم يجيبها لتكمل _ وهاجر إللي قولتلي بتكتم السر وأصيلة .. شوفت عملت فيا إيه ؟

ثم هتفت في غيظ _ مش بعيد تكون هي إللي قالتله من الأول

قال محمود سريعًا _ وهاجر هتوصله إزاي لأ طبعا مش هي

ضيقت رنيم عينيها ثم قالت

_ محمود .. أنت!

صمت وابتلع ماء حلقه لتتأكد

_ أنت صح ؟

_ مش عوزاه يعرف وانتي كدة

تنهد محمود مستسلمًا واعترف ثم أكمل

_ كل وقت بيعدي عليا وأنا شايفك كدة بتصعبي عليا أكتر حاولت أعمل حاجة تساعدك ..

هبت فيه رنيم بسبب فعلته المتهورة

_ أنت كدة مش بتساعدني انت كدة بترجعني لكابوس حياتي .. قولتلك لو عاوز تتجوز هاجر قولها واتجوزها عليا عادي مش هزعل ومش هتبقى أول مرة جوزي يتجوز عليا !

قال محمود شارحًا وجهة نظره

_ عارف إنه كلب ميستاهلش بس لما عرفت إنهم عيلين وشوفت إللي وصلتي ليه مقدرتش أسكت أكتر  خصوصًا إني

صمت ثم أكمل في حرج _ شايف إن هو بيحبك !  وانتي لسة بتحبيه

_ بكرهه من كل قلبي

نفت سريعًا وبقوة ليواجهها بما تخفيه 

_ عشان كدة أغمى عليكي لما عرفتي انه هيرجع لمراته الأولى؟ ورجعت الحياة تدب فيكي تاني لما الجوازة باظت؟

ارتفع صوتها تنفي عنها ما يقوله

_ متقولش حاجة أنا مقولتهاش ومتدخلش تاني .. لو فاكر إنك عشان ساعدتني فيبقى ليك الحق تبقى غلطان أي فلوس صرفتها هديهالك ومش عاوزة منك حاجة

نظر لها في خيبة أمل _ شوفتي إنك بتلفي تلفي وفي الآخر فيكي منه ! هو الموضوع فلوس بس !

لتقول والغضب مسيطر عليها _ تصليح غلطة وشفقة .. بتصلح غلطتك عشان أنت شايف إنك من أسباب إنه يشك فيا وشفقة عشان وضعي إللي يصعب على الكافر وإني ماليش حد

تأملها محمود للحظات ثم وقف من مكانه قبالتها قائلاً بنبرة معاتبة

_ إللي انتي شيفاه ..

وتركها وتوجه للداخل تاركًا رنيم جسدها ينتفض مما حدث وخرجت من المنزل وصعدت لشقتها لتنهار باكية على الأرض ولم تستوعب بعد أن الحقيقة قد كشفت .. كشفت الآن!

________

في المكتب المترف الذي يعبق برائحة السلطة والنفوذ، وقف زين الدين، الرجل الذي لطالما تحكم بكل شيء حوله، يسمع كلام ابنه فواز الذي أتى بصاعقة لا يمكن أن تُهضم بسهولة.

فواز وقف أمام والده بحزم رغم التوتر الذي يسيطر على ملامحه، وقال بنبرة تحاول كتمان الفرح بسبب استيائه الشديد من والده

_ بابا، رنيم حامل... وحامل في توأم.

زين الدين لم يستطع إخفاء الدهشة التي ارتسمت على وجهه، تلك النظرة التي لم تعتد على سماع الأخبار التي لا تأتي بإذنه أولاً. للحظات قصيرة، ظهر شعاع فرح خافت في عينيه، لكن سرعان ما تبدد وتحول إلى شكوك متراكمة في عقله.

رفع زين حاجبيه، وأخذ نفساً عميقاً قبل أن يقول بصوت مختلط بالاستنكار والشك

_ توأم؟ توأم إيه يا فواز؟ إنت متأكد إنهم منك؟ دي رنيم... دي الخدامة بتاعتنا ؟ إزاي تبقى دي أم ولادي وولادك واتأكدت أصلا إنك أبوهم ولا لأ؟

فواز شعر وكأن سهمًا مغروسًا في صدره؛ سمع تلك الكلمات كمن يسمع صوتاً يُمَزِّق قلبه. حاول أن يتمالك نفسه لكنه لم يستطع إخفاء الألم الذي تسلل إلى صوته، فقال بصوت مكسور

_ بابا، كفاية... كفاية بقى... بدل ما تجري عليا تحاول تصلح إللي أنت عملته فيا بتكمل في إنك تعيب فيها وفي شرفها أدامي ومش عاملي أي قيمة .. زي ماهي قالت بالظبط أنا ماليش قيمة !

لكن زين الدين لم يترك الأمر يمر بسلام، فرد بعصبية

_ فواز، أنا بفكر فيك وفي سمعتك، إنت عارف إن الناس مش هتسيبنا في حالنا؟ مش هيرحمونا لما يعرفوا إنك بتحب واحدة كانت شغالة عندنا. إنت مش شايف إنها ممكن تكون... 

توقف للحظة وكأنه يحاول اختيار كلماته، لكنه أكمل بلهجة حادة

_ممكن تكون استغلتك عشان توصل للي هي فيه.

انفجر فواز بغضب مكبوت، قائلاً

_ استغلتني ؟ تاني !! إنت اللي خططت لكل حاجة علشان تبوظ حياتنا، إنت اللي دايمًا كنت بتحط العقبات بيني وبينها، ولما جينا نتصالح، إنت كنت السبب في اللي حصل كله. دلوقتي بتلومني؟ بتلومها؟ ولسة مش محترمني .. أنا حاسس إنك مش بتحبني .. حاسس إني مش إبنك أو إني عدوك !

زين الدين شعر بالضيق، لكنه لم يرد أن يُظهِر ضعفه أمام فواز، فقال بنبرة تتراوح بين الغضب والعجز

_أنا عملت اللي شفته صح عشان أحميك. إنت ابني الكبير ومكونتش هسمح لواحدة زيها تضيعك أبدًا

لكن فواز، وهو على وشك الانهيار، قال بصوت مرير

_ لو فعلاً كنت بتحبني وعاوز تحميني، كنت هتسيبني أحب اللي أحبه وأعيش مع اللي اختارتها قلبي، مش تفضل تدور على الفلوس والمكانة. أنا تعبت يا بابا، تعبت من حربك اللي مالهاش نهاية.

زين الدين لم يستطع الرد، فقط ظل صامتًا، حائرًا بين غضبه على الوضع الذي لا يسيطر عليه، وبين الشعور بالعجز أمام رغبة ابنه الذي يبدو أنه قد اختار طريقه بالفعل.

.

فواز، وقد امتلأت عيناه بالدموع والغضب، تقدم خطوة نحو والده، مشيراً إليه بإصبعه كأنما يحاكمه

_ انت دايمًا كنت بتتحكم في حياتي، بتقرر مين اللي تستاهلني ومين اللي ما تستاهلش. لكن المرة دي، إنت اتعديت على حرمة بيتي، وعليها... على رنيم اللي أنا بحبها، واللي إنت خليتني أضيعها مني وأخسرها.

كان صوت فواز يرتفع أكثر فأكثر، وعيناه تغليان بالغضب الذي لم يختبره من قبل. أكمل بصوت يكاد ينفجر من داخله

_أنا مش هسامحك، أبداً. إنت ضيعت مني كل حاجة، ولو ماكنتش أبويا كنت قتلتك بدم بارد، لأنك اتعديت على حرمة بيتي وعلى اللي يخصني. بس تعرف ؟ أنا اللي حيوان وندل... أنا اللي استاهل كل اللي حصل لأن في لحظة شكيت فيها، في لحظة خليت كلامك يدخل عقلي ويدمر حياتي وحياتها.

زين الدين تراجع خطوة للخلف، وكأن الكلمات تهاجمه كالسكاكين، عاجزًا عن صدها. ولم يكن لديه ما يقوله، فقط اكتفى بالنظر إلى ابنه الذي بدا وكأنه في حالة هيجان غير مسبوقة.

فواز أكمل، وصوته مختلط بين الغضب والحسرة

_ أنا غلطت في حقها وهي مظلومة، شكيت فيها زي ما إنت شككتني فيها. وأنا لازم أدفع التمن، مش بس علشانها، لأ، علشان نفسي كمان. أنا مش هسامحك، ومش هسامح نفسي، بس الفرق إني أصلح غلطتي، أما إنت، مش هتعرف ترجع اللي ضاع ولا حتى ترجع حبي واحترامي ليك

صمت فواز فجأة، وكأن كل الكلمات انتهت وبقيت المرارة في حلقه، نظر إلى والده للمرة الأخيرة، نظرة تحمل كل خيبة الأمل والغضب، ثم استدار مغادرًا المكتب بقلب مثقل بالألم الذي زرعه والده بين ضلوعه.

بدأ فواز الكلام بثقة غير معهودة، قائلاً

_ عموما أنا مش جاي أناقشك ولا أحاسبك على إللي فات ... أنا جاي أقولك على اللي هيتعمل. لازم تكتب كل حاجة باسم رنيم، كل اللي بنملكه ، علشان توافق ترجعلي ونربي ولادنا سوا ونعيش ولو للحظة في سلام 

زين انفجر غضبًا، وقفز من كرسيه صارخًا

_ انت اتجننت يا فواز؟ مش كفاية اللي حصل منها؟ عاوز تضيع مستقبلك ومستقبلنا بسبب واحدة زيها؟!

فواز لم يتراجع، بل رد بلهجة تحدي

_ دي مش واحدة، دي أم ابني اللي جاي وحبيبتي ، وعلشان كده لو ما كتبتش كل حاجة باسمها، أنا مش بس هخسرك وهعتبرك مش أبويا .. لا، هطلع أقول لكل الناس في برنامج كبير إزاي أنا اغتصبتها، وإزاي إنت داريت عليا. وهسلم نفسي كمان للبوليس.

سقطت كلمات فواز على أذني زين كالصاعقة، وسرت الرعشة في جسده للحظة، ورغم عناده حاول إظهار الثبات لكنه شعر بالضعف أمام تهور ابنه. رد زين بصوت منخفض مغلف بالغضب المكبوت

_إنت بتلوي دراعي يا فواز؟ فاكر إنك هتهددني؟ حياتك ومستقبلك إنت اللي هتضيعهم، مش أنا.

ابتسم فواز بمرارة، قائلاً

_ بالعكس، لو ما عملتش اللي بقولك عليه، حياتنا كلنا هتضيع، مش بس حياتي. إنت اللي ربيتني على إن المال والسُمعة فوق كل حاجة، بس النهاردة لازم تبقى فاهم إن الناس هتشوف الحقيقة. وأنا مش هسكت، حتى لو كلفني ده إني أخسر كل حاجة.

هنا تذكر فواز جرأة هيام في التهديد ليهدد والده مرة اخرى ويؤكد على كلامه حتى لا يحسبه أنه كلام طائر في الهواء

_ هطلع في كل البرامج وهحكي كل حاجة حصلت .. هقول إزاي إنك دخلت راجل غريب على مراة إبنك الكبير وفضلت وراهم لحد ما اتطلقوا وحياتهم باظت ... حتى القضية إللي أنت دريتها عن الناس هطلع وهقول إني مجرم يستحق القتل عشان إللي عملته في رنيم ! أنا هحكي كل حاجة بالتفصيل .. كل إللي يعرفك ويعرفني هيتبرء مننا ... عيلتنا وإسمها والهيلمان إللي أنت عامله دا هيروح مع أول حكاية هحكيها .. أنا هحكي من الأول.. من الأول خالص

زين شعر بالعجز لأول مرة في حياته، وهو يرى ابنه أمامه يُصر على موقفه كأنه على حافة الجنون، وفي أعماق قلبه، كان يعلم أن فواز قد يفعلها فعلاً. حاول أن يستجمع قواه، لكن نظرته المشتعلة نحو فواز خذلته، ولم يجد إلا صمتاً يلتهم غضبه، حيث يدرك تمامًا أن تهور ابنه قد يقلب كل شيء رأسًا على عقب...تهور إبنه قد يضيع تعبهم لسنوات ... تهوره سيضيع إرث العائلة التي امتدت لعشرات السنين

_ أنا كدة كدة قولت للمحامي يحضر كل حاجة... اديله موافقتك وفي خلال أسبوع يكون خلص كل حاجة .. أسبوع وساعة هفضحنا في كل حتة .

قالها فواز في قوة وصلابة وخرج من الباب ضاربه بعنف شديد تاركًا زين يشعر أن العالم ينتهي من حوله .

بعد أسبوع كان اليوم الموعود ... الجو مشحونًا بالتوتر بين فواز وزين ، اللذين كانا يجلسان في السيارة بجانب المحامي. فواز يقود السيارة بخطوات ثابتة، وعيناه تلمعان بتصميم صارم. كان زين الدين بجانبه، وجهه متجهم، يتأمل الطريق أمامه بنظرات حادة. شعور بالذل يتسلل إلى أعماقه، يعصف بقلبه كعاصفة لا ترحم، وكل هذا بسبب تهديدات ابنه فواز، الذي أجبره على الحضور اليوم للتنازل عن كل ما يملكه لرنيم.

عندما وصلوا إلى منزل رنيم، نزل فواز من السيارة بسرعة، وتبعه زين الدين ببطء، بينما يمسك المحامي بحقيبته المليئة بالعقود. طرق فواز الباب، وفُتح بعد لحظات، لتظهر رنيم وهي ترتدي تعابير الدهشة والصدمة. لم تصدق ما تراه عيناها. زين الدين، الرجل المتكبر الذي طالما أذلها، يقف الآن على بابها مستسلمًا، وعلى وشك التنازل عن كل شيء.

رنيم لم تتوقع رؤيتهم أبدًا فقد مر ثمانية أيام كاملة ولم تسمع منهم خبر لتعلم أن فواز لن يعود وتخلى عنها للأبد ورغم إحباطها إلا أنها كانت سعيدة لأنها تخلصت منه ، لكنها تفاجئت بهما على بابها ومعهم رجلين ، رجل تعرف أنه محامي العائلة وعرفت بعدها أن الآخر الموثق المعتد بتعبير 

هتفت بنبرة لم تخلو من السخرية

_ إيه إللي جابكوا ؟

فواز، بصوت هادئ لكنه يحمل نبرة حزن وحب

_ جايين ننهي الموضوع. كل اللي إنتِ عاوزاه، هتاخديه!

كانت تلك اللحظة مليئة بمشاعر مختلطة لرنيم. تحديقها إلى زين الدين كان يحمل كل احتقار وكره ممكن، وابتسامة خفية تتسلل إلى شفتيها وهي تدرك أنها انتصرت في معركتها. زين الدين لم يكن سوى ظل لرجل كان يسيطر على الجميع، والآن هو يقف ذليلاً أمامها، مجبرًا على التنازل.

رنيم، بتحدي بينما توجه كلماتها خصيصًا لزين

_ يعني هتنازلوا عن كل حاجة؟ حتى اللي كنتوا ماسكين فيه جامد؟

فواز أجاب _ كل حاجة يا رنيم وبردو مش هيكفي

كانت عيني فواز تلمعان بالحب والندم بينما زين الدين يقف في الخلف، عيناه تلمعان بالغضب والحزن. كان يشعر بمرارة هائلة، وكأن كل كلمة تُدق كالمسامير في صدره. تذكّر كل لحظة سخر فيها من رنيم، وكل كلمة ألقاها بحقها لتحطيمها، والآن هي التي تأخذ منه كل شيء. هي التي تهد ما حاول طوال عمره بناءه

رنيم تنظر إلى زين الدين بتحدي

_ هو دا اللي كنت فاكر إنك هتموت وما تعملوش ، بس الظاهر إنك لما بقيت خلاص مكسور، ما فيش حد نفعك ولا حد هينقذك مني.. وأديك أهو بتعمل إللي أكتر من أي حاجة وكل حاجة هتبقى بتاعتي مش إبنك بس

زين الدين، الذي كان يملك كبرياءً لا يُهزم، يقف الآن عاجزًا، صامتًا، وكل ما يتردد في عقله هو صوت تهديد فواز له .. كانت تلك الكلمات تحرقه من الداخل، وتتركه بلا حيلة أمام ابنه الذي يملك كل مفاتيح القوة.. شعر بألم يغزو قلبه وهذه الخادمة تهينه هكذا أمام محاميه وإبنه

شعوره بالذل كان لا يُحتمل. أحس بأنه فقد كل شيء، ليس فقط أمواله وأملاكه، بل كبريائه أيضًا. كان غاضبًا، لكن غضبه كان محبوسًا داخل صدره، كبركان على وشك الانفجار، ولكنه مجبر على الهدوء والصمت أمام نظرات الانتصار في عيون رنيم، التي لم تعد تخاف منه.

نظرت رنيم إلى فواز بتمعن، تحاول فهم ما يدور في ذهنه. التفتت نحو زين، الذي أشار إلى المحامي بالبدء في الإجراءات..

_ ادخلوا !

قالها محمود الذي أتى من الخارج ليجدهم مرة أخرى أمام بابه ورنيم أمامهم بحجابها .. دخلوا وجلسوا ليبدأ المحامي بالحديث

المحامي

_مساء الخير يا أستاذة رنيم. إحنا هنا النهاردة عشان ننقل الملكية بناءً على طلب  فواز بيه وزين بيه ..  عندنا العقود جاهزة، كل اللي عليكِ إنك توقّعي هنا 

كانت رنيم منصتة إليه ومحمود يقف خلفها يدقق في كل شيئ وهو مذهول من كمية الأوراق والعقود وكأنه هذه العائلة تملك البلاد بأكلمها ولم يتخيل يومًا أن يستسلموا لرنيم !

امبراطورية كاملة خضعت لرنيم .. أراضي وعقارات واستثمارات في شتى بقاع الأرض  .. نظر محمود لفواز وشعر أنه لا شيئ أمامه  بل شعر أن غرور فواز قليل عليه ! شخص مثله يجب عليه ان يتفاخر ويتجبر أكثر .. أن  ينفجر كل من حوله بسبب تفاخره وغروره ! ... حتى رنيم التي كانت تعيش معهم تفاجئت بحجم الأملاك والأموال ... لم تتوقع يومًا أن تكون هذه العائلة غنية إلى هذا الحد لتنظر إلى فواز في صدمة دون إرادتها فبادلها فواز بنظرة محبة وكأنه يخبرها أن كل شيئ رخيص أمامها وأنه مستعد على تقديم أي شيئ من أجلها

بدأ المحامي يشرح النقاط الأساسية في العقود بسرعة ، مستعرضًا تفاصيل العقارات، الأسهم ، وجميع الأصول التي كانت ستنقل إلى اسمها. كان زين يراقب المحامي وهو يتحدث، وكل كلمة تُقال كانت تحت مجهره الحاد.

شعرت رنيم بعدم الإستيعاب لتتسائل 

_ كل حاجة ؟

هز فواز رأسه  _ كل حاجة !

تبادلا النظرات ولم تستطع رنيم إخفاء ذهولها ابدًا .. مازالت مصدومة ومازالت غير قادرة عىى تصديق أن فواز سيضحي بكل هذا من أجلها  بل وكيف استطاع إجبار زين الدين على المجيئ !

بدأت الإجراءات تتوالى بشكل رسمي  ليبدأ المحامي التحقق من الأوراق أخرج المحامي الأوراق من حقيبته وبدأ يشرح تفاصيل نقل الملكية، مع التأكيد على كل بند وما يعنيه بالنسبة لرنيم... حتى السيارات وكل متعلقاتهم أصبحت ملكًا لها !

وجائت خطوة التوقيع على العقود قدم المحامي الأوراق إلى رنيم لتوقع عليها. أخذت القلم ووقعت بثبات على العقود، وسط نظرات زين الصارمة.

ثم تحقق من هوية الأطراف طلب المحامي بطاقات الهوية للتحقق من الأطراف المتعاقدة، وأجرى مراجعة سريعة للتأكد من تطابق المعلومات.

ما ان انتهوا حتى شرح لها المحامي رسوم الضرائب وغيرها و رسوم نقل الملكية والضرائب المستحقة. كان فواز قد رتب كل هذه التفاصيل مسبقًا، مما جعل العملية تسير بسلاسة دون تعقيدات. ثم وعد المحامي بأنه سيتولى عملية التسجيل الرسمي في الجهات المختصة، وأنه سيبلغ رنيم عند الانتهاء...

رنيم نظرت إلى العقود الموقعة بين يديها، وهي تشعر بارتباك خفي. لم يكن الأمر كما تخيلته، ربما لأن المال والأملاك لم يكن لهما القيمة التي توقعتها في ظل كل ما فقدته... أو ربما لأن أملاكهم كانت كثيرة .. كانت ضخمة .. لم تتخيل ضخامتها .. لتعرف الآن لماذا فايز يمتلك عدة بيوت فارهة في أماكن مختلفة .. وتعرف لماذا هذا النجاح والمال الذي يغرق فيه فوزي .. وتدرك تمامًا حجم ثقة فواز وغروره ! ... لقد عاشت معهم العمر كامل لكنها لم تكن تتخيل أن تكون الأمور كبيرة إلى هذا الحد ... لم يكن ثراء عادي بل كان ثراء يصدم !

رنيم بقيت واقفة، تحدق في العقود، وكأنها تحاول استيعاب ما جرى. كانت تلك الشرارة في عينيها، بداية لفصل جديد، مجهول النهاية، لكن الجميع يعلم أن الأحداث لا تنتهي بسهولة... 

بينما هي عيناها تلمعان بالنصر، وزين الدين يقف كمن خسر معركة حياته. لم يعد له شيء، ولا مكانة، فقط إحساس مؤلم بالهزيمة والانكسار. كانت هذه لحظة قد لا تُنسى، لحظة أعادت فيها رنيم كل ما سلب منها بكرامة وعز، بينما زين الدين، الذي كان يظن نفسه فوق الجميع، يقف الآن في أسفل درجات الذل ...

_ المحامي محضر ورق طلاقك من محمود !

نطق فواز في لهفة لتتنهد رنيم ثم نظرت لمحمود في ثقة ليعطيها موافقته برأسه وفواز منتظر على احر من الجمر أن توقع عليها .. وبالفعل وقعت ووقع محمود ثم ألقى عليها يمين الطلاق

_ قولها إنها طالق بالتلاتة !

قال فواز وقلبه ينبض بسرعة لينظر له محمود في سخرية بينما قالت رنيم بتمنع مصطنع

_ متفقناش على كدة

كاد فواز أن يتحدث لكن رنيم قالت 

_ ولا عادي .. كدة كدة لو عاوزة أرجعله هرجعله .. أصل أنا واحدة خاينة مبيفرقش معايا متجوزة ولا متطلقة ! 

اجتمعت بعيون فواز المتألمة الذي قال

_ متقوليش عل نفسك كدة !

ارتفعت ضحكاتها الصاخبة ليعلم الجميع أنها لم تكن ضحكة مرحة ابدًا بل ضحكة نبعت من سخرية القدر

أراح محمود فواز وطلقها بالتلاتة بالنية ليشعر فواز بالإرتياح قليلا ً ثم سأل

_ فيه عدة ؟

_ فيه !

أجابت رنيم في صدق ولم تكن تكذب لتنفتح عيني فواز وتدمع في قهر

_ ليه عملتي كدة ... ليه يا رنيم !

هدرت فيه رنيم بعنف وتكبر

_ مش من حقك تسألني عن أي حاجة.. أعمل إللي أعمله براحتي واللي معملوش معملوش وكله على كيفي

ثم اعتدلت في جلستها تتلذذ بملامح القهر والحزن المرتسمة فوق وجه فواز وملامح الذل التي كست وجه زين الدين

_ و دلوقتي أنا بالنسبالكوا رنيم هانم !

قالتها رنيم وابتسامة شيطانية على وجهها ثم نظرت للمحامي ولمحمود

_ خد رقمه يا محمود عشان تروح معاه وتتابع الباقي خطوة بخطوة

وافق محمود وهو مذهول من أسلوبها بينما فواز يتأملها في صمت وزين الدين يكظم غيظه حتى أنه لم يستطع إخراج ولو حرف من بين شفتيه فلو فعل سينفجر قلبه !

_ يلا يا ماما أنتي وهاجر لموا هدومكوا عشان رايحين بيتنا الجديد !

ارتفع صوت رنيم يصدح في البيت ثم وجهت كلامها لزين وفواز

_ ويلا أنتوا اطلعوا برة

لم يكن ينقصهم ذيادة الشعور بالحرج فوقفوا ليتوجهوا للخارج لكن صوتها أوقفهم مرة أخرى

_ سيبوا مفاتيح العربية وأنتوا نازلين وروحوا جهزلونا أكل واستقبال يليق بينا وإحنا جايين بيتنا !   

ثم اقتربت من فواز ووقفت أمامه مباشرة .. عينيه الحمراء لم تؤثر بها وتلك الشفاة التي ارتعشت أمامها لم تغريها وتابعت الإقتراب وانزلت يديها على صدره ليتفاجئ من فعلتها أمام الجميع وعيونها متمركزة فوق عيونه ويديها هزت كيانه بالكامل فهذه اول لمسة... أول اقتراب منذ أشهر ليشعر أنه يريد تهشيمها بين زراعيه ...

نزلت يديها أكثر لتنخفض وترتفع تفاحة آدم لديه لترتسن فوق ملامحها نظرة خبيثة ثم فجأة أخرجت من جيبه محفظته وسحبت منها كروته والمال الذي معه ومفاتيح سيارته ورمتها خالية إلا من أوراق نقدية بسيطة وبطاقة تعريف الهوية وأمرته في حزم

_ يلا زي الشاطر أعمل إللي عملته فيك مع أبوك

صُدم من فعلتها وكذلك زين والمحامي ومن معه وقفوا حائرين لم يصدقوا أن هذا يحدث أمامهم

_ يلا يا زين ..

نظر لها زين وكأن عينيه رصاص تريد إختراقها وفواز تجمد مكانه فكيف سيفعل ذلك لتقول رنيم

_ خليك جدع وطلع إللي في جيبك من غير شوشرة

ثم نظرت لفواز قائلة في خبث

_ يلا يا فواز ولا أعمله إللي عملته معاك .. معنديش مانع على فكرة

هنا اقترب فواز من والده بسرعة خوفًا من أن تنفذ ما قالت وتلمس غيره حتى لو والده ثم أخذ منه محفظته لينظر له زين الدين في ذهول من فعلة إبنه لكن فواز بادله النظرة بنظرة تحكي كلمات وكأنه يخبره .. نستحق كل ما يحدث

أعطى فواز كروت والده لرنيم لتبتسم بينما تضرب الكروت بكف يديها

_ بثبتك أهو في بيتنا .. خدامة بنت شارع بقى !

فلتت ضحكة من بين شفتي محمود دون إرادته لينظر له فواو وزين بغيظ ثم قالت رنيم

_ يلا غوروا روحوا اعملوا إللي قولتلكم عليه ..

شاركنا شعورك:

التعليقات على الفصل

سجل دخول للتعليق
كن أول من يعلق