الفصل الثالث
وجدت صورة عشوائية لفواز وهيام زوجته يوم زفافهما، وأكثر ما جرح كرامتها أنها كانت تظهر في خلفية الصورة تحمل صينية العصائر لتوزعها على الضيوف... لم تستطع التماسك، وسقطت دمعتها على الصورة وعلى وجه فواز خصيصاً.. لولا أنها تعرف جوانبه الخفية لقالت عنه إنه بلا وفاء، لكنها تعلم عنه ما لا يعلمه بقية العائلة. ابتسامة هيام واستنادها على ذراعه، بينما تقف هي في الخلفية تمارس عملها كخادمة في زفافهما، جعلتها تشعر بحسرة وقهر شديدين. رفعت الصورة عالية ثم أسقطتها على الأرض لتتهشم إطارها إلى قطع صغيرة... كانت ريم تعطيها ظهرها، وما إن سمعت صوت التحطم حتى التفتت لتجد الصورة مهشمة على الأرض.. فنظرت إليها رنيم قائلة بأسف: _ غصب عني.. وقعت مني! صمتت ريم لحظات تتأمل الزجاج المتناثر، ثم قالت برقة: _ خلاص، حصل خير. بدأتا في جمع الزجاج، لتقول ريم بمداعبة: _ بقيتي بتوقعي حاجات كتير الفترة دي يا رنيم! نظرت رنيم للأرض بخجل، فقالت ريم ملطفة الجو: _ إيه ده؟ أنتِ زعلتي؟ أنا بضحك معاكي والله. شردت رنيم قائلة بغموض: _ لا أبداً.. أنا الغلطانة. ردت ريم ببساطة: _ مش غلطانة ولا حاجة، هو أنتِ يعني وقعتيها بقصدك؟ أغمضت رنيم عينيها.. فهي بالفعل أسقطتها عن قصد. فطقم الكاسات كان هديتهما، والصورة لم تحتمل رؤيتها دون أن تمحي حقيقة استعباد كبريائها أمامهم! أخرجتها ريم من صمتها قائلة: _ يلا نخلص علشان الحاجات اللي عاوزاها من المول، وممكن نتأخر. لتسرع الأخرى في التنظيف مجيبة: _ بسرعة أهو... في مكتب الشركة، كان الوالد "زين الدين" مستاءً جداً، يبحث عن طريقة يستحوذ بها على قطعة أرض مهمة للغاية لبناء مركز تجاري كبير، لكن أصحاب الأرض رفضوا بشكل قاطع بيعها. أتت في خاطره فكرة فجأة بينما كان وأولاده حائرين في حل الأمر، فقال كمن وجد ضالته: _ فايز يروح! نظر له فايز مستغرباً، بينما انتبه فواز غارقاً في تفكيره لما يقوله أبوه، وتابع الوالد: _ أنت المتحدث الرسمي باسم الشركة يا فايز.. وأكيد رئيس مجلس الإدارة مش هيروح للناس دول. اعترض فايز بهدوء: _ إني أروح يا بابا دي حاجة كبيرة عليهم، ممكن يستغلوا ده ويطلبوا سعر مبالغ فيه ويتشرطوا. قال أبوه بحزم: _ أنا عاوز الأرض دي بأي تمن! لم تعجب الفكرة فواز كثيراً، لكنه خاف على حالة أخيه الصحية من عناء المشوار فقال: _ بابا.. فايز تعبان. سأله أبوه بقلق ليطمئن: _ مالك يا فايز؟ في إيه؟ رد فايز: _ مفيش، كنت دايخ شوية الصبح بس دلوقتي تمام. تمنى له أبوه السلامة، فاستأذن فايز وتوجه للباب، ليلحق به أخوه الأكبر ناصحاً: _ خد السواق معاك يا فايز. رفض فايز بلطف: _ حاسس إني عاوز أكون لوحدي. نظر فواز إليه مطولاً، فحالة أخيه تقلقه، واقترب منه يسأل بصوت منخفض: _ فايز.. مالك بجد؟ ابتسم فايز ليخفي توتره: _ ماليش يا فواز.. أنا مقدر خوفك عليا يا حبيبي. لم يقتنع فواز، لكنه قال: _ طيب خبي بالك من نفسك. رد فايز: _ حاضر.. ادعيلي. قال فواز بنبرة حاسمة: _ لو ما وافقوش يبيعوا، هنتصرف بطريقة تانية. رفع فايز حاجبه محذراً: _ فواز.. إحنا بنشتغل بالقانون والمهنية. ابتسم فواز بثقة: _ استفزوني بس! ضحك فايز بخفة على حماس أخيه وقال: _ خير.. ما تقلقش، هرجع وهما موافقين. ربت فواز على كتفه قائلاً بفخر: _ وأنا واثق فيك. بعد عدة ساعات من التسوق، طلبت ريم من رنيم العناية بالأطفال لتذهب وتشتري بدلة لزوجها، فريم تفضل اختيار ملابس زوجها بنفسها. تركت ريم هاتفها مع رنيم، وفجأة بدأ بالرنين.. نظرت رنيم للشاشة لتجد اسم "فواز". ترددت في الإجابة، لكنها خافت أن يكون الأمر طارئاً. كان فواز يريد إخبار ريم أن فايز بخير وسيتأخر، لكنه في داخله كان يتمنى سماع صوت رنيم. أتاه صوتها المتردد عبر الهاتف: _ ألو.. يا فواز بيه. تماسك سائلاً بجمود ليخفي لهفته: _ فين ريم هانم؟ أجابت: _ بتشتري بدلة لفايز بيه. _ والولاد فين؟ _ في الـ kids area. سألها بصرامة حازمة: _ لوحدهم؟! ردت بتلقائية: _ لأ، أنا كنت معاهم بس دخلت الثواني دي.. استغل فواز الفرصة ليوجه إليها غضبه: _ إنتي اتجننتي؟ ارجعيلهم فوراً! حاولت التبرير: _ المكان أمان والضيوف والجارد معاهم و... قاطعها بحزم: _ ما تبرريش! اسمعي الكلام وقولي حاضر! صمتت رنيم لحظة ثم قالت بإذعان مكتوم: _ حاضر.. أخذ نفساً يهدئ به أعصابه، وشعر بحزنها وقسوته عليها، فقال بنبرة مختلفة: _ الكارت اللي أديتوهولك معاكي؟ _ لأ. إيتاظ من استغنائها وقال: _ ومش معاكي ليه؟ ردت بحزم: _ مش محتاجاه، مرتبي بيكفيني. ضغط على شفتيه كاتماً غيظه وسأل: _ معاكي فلوس؟ _ أيوة، اللي يكفيني. ساد الصمت بينهما، حتى قال فواز بنبرة آمرة تحمل رغبة في فرض سلطته عليها: _ رنيم.. انزلي اشتري فستان أحمر أنيق ومظبوط على مقاسك.. ومش من المول، هاتيه من أي مكان تاني. فتحت عينيها متفاجئة من طلبه، وشعرت بالإهانة لأن زوجته تشتري من أفخم الماركات بينما يطلب منها هي التصرف بأسلوب مختلف، فقالت: _ فواز بيه.. لو سمحت. جاءها صوته بصوت خفيض: _ فواز بس يا رنيم.. ارتعش صوتها في ضعف وتحدٍ: _ رنيم تاهت معاك.. مرة فواز ومرة فواز بيه، أنا توهت! _ قلتلك من الأول إنك هتتعبي معايا. رفعت رأسها مجيبة بثبات: _ وأنا قبلت يا فواز، ومش هتخلى عن حقي فيك.. _ يبقى تسمعي الكلام! فهمت محاولته للسيطرة عليها فقالت بقوة: _ لأ.. مش هسمعه! وأغلقت الخط في وجهه لتتجه للأطفال. كز فواز على أسنانه وتوعدها، ثم جمع أغراضه وانطلق إلى البيت ليواجه عنادها. التقت ريم برنيم واستلمت هاتفها، ولمحت مكالمة فواز الصادرة التي استمرت لدقائق مع رنيم، لكنها لم تشغل بالها ولم تتصور وجود أي شيء غير عادي. في تلك الورشة على أطراف مدينة أكتوبر، كان هناك جلبة وصراخ بسبب زبون متكبر أهان أحد العمال، فتدخل صاحب الورشة ورده بعنف لحماية عماله، ليغادر الزبون متوعداً بالانتقام. وصل فايز للمكان، ونزل من سيارته ليجد الورشة وأمامها مضخة البنزين والكشك الصغير. لم يستسيغ البيئة المحيطة، وعندما طلب مقابلة صاحب الأرض، خرج له شخص قصير القامة يرتدي عباءة وعمامة: _ أفندم يا حضرة؟ _ أنا فايز زين الدين. رفع الآخر حاجبه: _ عاوز صاحب الأرض في إيه؟ رد فايز بهدوء ورزانة: _ موضوع خاص بالعمل. _ أيوة، يعني عاوز منه إيه؟ استغرب فايز من الأسلوب وسأل بجفاف: _ وأنت مالك؟ ارتفع صوت الآخر: _ أنا مالي ونص! تضايق فايز من الصوت العالي ليعاتبه: _ أنت بتعلي صوتك ليه؟ وفي هذه اللحظة، انطلقت سيارة الزبون الغاضب بسرعة جنونية نحو الشخص الواقف للدهس والانتقام! قبل أن تصيبه السيارة، اندفع فايز وسحبه بقوة صارخاً: _ حاسب! وقع الشخص بين يدي فايز، وسقطت العمامة وانحل الشعر الطويل وانزاح الشارب المصطنع.. سقطت التنكرات لتظهر فتاة بملامح لافتة ودقيقة! ذهل فايز وهو يمسك بها لينقذها من السقوط، وهتف في دهشة وعدم تصديق: _ مش معقول!! دخلت رنيم غرفتها بعد يوم شاق، تريد الارتماء على فراشها والخلود للنوم. بدأت في تبديل ملابسها، وقبل أن تنهي ذلك، شهقت بقوة حين شعرت بقبضة صارمة تمسك بكتفيها وتمنعها من الحركة! وضع يده على فمها ليمنع صراخها، وهمس عند أذنها بصوت حازم يفيض بالسيطرة: _ فواز!