عشق أولاد الزوات "الجزء الأول"
الفصل 2 — 6 د متبقية
الفصل 2

الفصل الثاني

6 د قراءة

تعدت الساعة الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل... ولم تأتِ حتى الآن! فتح عينيه ببطء ثم تنفس مطولاً.. يتساءل لمَ لم تنفذ أوامره؟ ولم يسأل نفسه حتى: هل حزنت من تصرفه الحاد معها أمام العائلة؟ بينما وقفت رنيم أمام المرآة الصغيرة بانتظار وحيرة، وجهها محتقن من شدة القلق، وصدرها يرتفع ويهبط بانتظام مضطرب.. هل تذهب إليه وتنحي حزنها جانباً وترمي عتابها المكنون خلف أسوار قلبها؟ أم تختار كرامتها وتكون شجاعة ولو لمرة واحدة في حياتها وترفض الخضوع لأوامره؟ وهنا بدأ قلبها ينبض بشدة عندما تخيلت نتائج عودتها لعنادها.. هل سيتركها للأبد، أم سيبتعد عنها ويتجاهلها لأشهر لا تعلم عددها؟ تقدمت نحو الباب والتقطت زي العمل من فوق الشماعة الخشبية.. لكن شيئاً ما جعلها تتوقف وتنظر مرة أخرى لنفسها في المرآة، ثم لملابس الخدم المحمولة بين كفيها. وببطء شديد، توجهت نحو فراشها لتجلس عليه، ورغم خوفها الشديد مما سيحدث، اختارت هذه الليلة أن تنتصر لكرامتها. مرت نصف ساعة أخرى وما يزال جالسًا بمكتبه ينتظرها، وجهه ثابت بلا تعبير وعيناه تفيضان غضباً وإرهاقاً. دق الباب ثلاث دقات متتالية فانتفض جسده ثم ابتسم.. لقد جاءت رنيم! لكن غريب، فرنيم عادة تتسلل دون أن تدق الباب، إلا أن أملاً في قلبه جعله يصدق حضورها فكل من في البيت نيام! انفتح الباب بعدما أذن بالدخول لتظهر زوجته هيام سائلة برقة: _ فواز.. مش هتيجي تنام؟ أُحبِط بقوة وأغمض عينيه مطولاً وقد أدرك شيئاً واحداً.. انتهى، لن تأتي الليلة. فتح عينيه ناظراً لزوجته وخرج صوته قاتماً بعد صمت: _ جاي.. ابتسمت هيام وقربت منه بخطوات دافئة: _ شكل المواعيد والضغط مرهقينك أوي يا روحي. طالع اهتمامها لتعرض عليه بنبرة هادئة: _ تعالى أرتاح شوية وأعملك حاجة تهديك.. رفض بنبرته الهادئة الجافة: _ مش محتاج، أنا كويس. وقفت بجانبه ثم همست بدلال: _ أصحابي كلهم بيحسدوني عليك يا فواز.. نفسهم في راجل بشخصيتك وهيبتك. رفع رأسه بجهامة غرور، فأكملت هيام بصوت فخور: _ بس بقولهم مفيش زي فواز زين الدين، هي نسخة واحدة بس وأنا اللي اخترتها. رد بنبرة متكبرة: _ مبروك عليكِ يا هيام. ضحكت بصوت خفيض: _ الله يبارك فيك يا عمري.. مالت نحو أذنه تتودد إليه برقة، لكنه أوقف محاولاتها برفق وحزم وهو يبتعد عن الطاولة: _ هيام، مش هنا.. تذمرت قائلة: _ فواز بقى! ده وقتنا والبيت كله نايم! _ هيام! نظرة حازمة وصوت بارد أخبراها أن حده لا يتغير، لتتذمر وهي تتراجع للخلف: _ خلاص يا فواز، رايحة على أوضتي.. وفي تلك اللحظة، لمح أكرة الباب تهتز وتتحرك لُتفتح.. في حركة سريعة، اقترب فواز من هيام وأمسك بيدها يظهر لها اهتماماً مفاجئاً أمام الباب، مخفياً ابتسامته الشامتة، فهو يحفظ رنيم ويعلم أنها الوحيدة التي تدخل المكتب في هذا الوقت بدون استئذان. تجمدت رنيم مكانها عند العتبة فور رؤيتهما معاً، وانفتحت عيناها بصدمة... هل أصر على حضورها ليريها هذا المشهد؟ ابتعد فواز عن زوجته التي تفاجأت بدخول أحدهم دون استئذان، وقبل أن تصدر هيام أي ردة فعل، سبقها فواز سائلاً بصوته القوي الصارم: _ إزاي تدخلي كده من غير استئذان؟! احتبست أنفاس رنيم، ووقفت أمامه مختنقة بصدمتها، لكنها قالت أخيراً بصوت باهت: _ ما كنتش اعرف إن حضرتك في المكتب.. أعاد سؤاله بنبرة جافة: _ وإيه يجيبك المكتب في وقت زي ده؟ رفعت عينيها لتلتقي بخاصتيه المتعاليتين، ليحتل الغضب والغيرة الساحقة نظراتها. شعرت هيام بالتوتر من نظرات رنيم فضمت ذراعها لزوجها، بينما وقف فواز يتابع الأمر ببرود. ابتلعت رنيم القسوة التي يسددها لها، ثم قالت بنبرة حادة تحمل تحدياً مستتراً: _ جيت أنضف المكان من الإهمال اللي فيه.. علشان بكرة رايحة مع ريم هانم مشوار ومش هبقى فاضية الصبح بدري. انتفضت هيام قائلة باستعلاء: _ وريم هانم تاخدك إنتي معاها مشوار ليه؟! لم ترد رنيم، واكتفت بنظرة ثبات ونشيج مكتوم، بينما شعرت هيام بالغرور وهي ترى حزن الخادمة، فقالت بتكبر: _ أنا كلامي هيبقى مع ريم.. وإنتي تختفي من قدامي حالاً! لم يتكلم فواز ولم يتدخل، رغم الضيق الذي ساوره، لكنه ترك اللعبة تأخذ مجراها. وقفت رنيم ثواني معدودة تأملت فيها أن يدافع عنها ولو بكلمة، ولكن بلا جدوى. ضغطت على شفتيها لكتم دموعها، ثم خرجت بخطوات سريعة، وما إن ابتعدت عن جناح المكتب حتى أسرعت بتركض ونشيجها مكتوم حتى وصلت لغرفتها وأغلقت الباب خلفها. ما إن خرجت رنيم حتى قالت هيام بغضب: _ شفت قلة أدبها يا فواز؟ قصده إيه بطريقتها دي؟ كانت عيناه معلقة بالباب، ثم أفاق سائلاً ببرود: _ قصدها عن نظافة المكان؟ كبري دماغك. ثم ربت على يدها متجاهلاً الموضوع: _ ما تفكريش كتير.. يلا على الأوضة. جلس فايز على الشيزلونج الموجود في غرفتهما، بينما جلست ريم بجانبه، تلف على ذراعه رباط جهاز قياس الضغط، ويظهر على وجهه الملل والبرود الشديد. فايز يعاني من ارتفاع ضغط الدم، وهو مرض خطير يحتاج لمتابعة، ورغم صغر سنه وطعامه الصحي ورغد عيشه وزوجته العاشقة له وأطفاله الثلاثة، إلا أن ضغوط العمل والتفكير المستمر تؤرقه. انتهت ريم من قياس الضغط ونظرت للنتيجة بحزن، ثم نزعت الرباط وقالت بعتاب رقيق: _ خلي بالك من نفسك يا فايز، الضغط عندك عالي.. 150/100، وده خطر. انتقلت لتجلس بجانبه ووضعت يدها على كتفه بحنان، ثم همست بصوت دافئ: _ مش لازم شغل النهاردة، أنت بترهق نفسك أوي.. Take it off (خُد إجازة). طال الصمت بينهما، حتى قام فايز مبتعداً بهدوء متجهاً لغرفة الملابس: _ عندنا شغل كتير وما ينفعش يتأجل. بعد عدة دقائق، خرج مرتديًا بدلة العمل، فاقتربت منه ريم بتلقائية تظبط له زر القميص ورابطة العنق. أخذت العطر المحبب لديه ونثرت منه لمسات خفيفة، في طقس صباحي اعتادا عليه منذ زواجهما، حيث تعتني بكل تفاصيله. وقف أمام المرآة ينسق مظهره، ورافقت ه خطواته حتى باب المنزل الكبير لتودعه كعادتها: _ مع السلامة يا روحي.. خلي بالك من نفسك بليز. اقترب منها وقبل رأسها بهدوء، فابتسمت برضا.. ثم نظرت خلفه لترى فواز قادماً من بعيد. قال فايز موضحاً لأخيه: _ صباح الخير يا فواز.. أنا جاي معاك النهاردة، مش هعرف أركز في السواقة. دب القلق في قلب فواز وسأل: _ مالك يا فايز؟ ردت ريم بلباقة: _ مفيش، بس ضغطه عالي شوية ومحتاج يرتاح. عرض فواز: _ خد إجازة وارتاح النهاردة. تدخل فايز بلا مبالاة: _ It doesn't worth it (مش مستاهلة).. يلا بينا. هز فواز رأسه، ثم نظر لريم مودعاً: _ باي يا ريم. تابعت ريم السيارة وهي تبتعد، ثم بخطوات بطيئة توجهت لحديقة القصر، وجلست على الأرجوحة وسط الزهور تتذكر أحداث الليلة الماضية.. تذكرت حديثها مع فايز حينما لحقته للغرفة بعد مجادلتها مع هيام؛ كان غاضباً وقال لها: _ ما رديتيش عليها ووقفتيها عند حدها ليه يا ريم؟ _ فايز، دي اختي الكبيرة! كان صوتها متفهماً، لكن فايز قال بنبرة حادة: _ أختك مش بتعملك احترام في البيت ده وانتِ مستسلمة ليها! ردت ريم برزانة وهدوء: _ فايز، لو سمحت خلينا نتكلم بطريقة حضارية.. مسح على شعره مسترجعاً هدوءه بعد لحظات صمت: _ أنا آسف إني عليت صوتي، بس هي طريقة كلامها مستفزة. اقتربت منه ووضعت يدها على كتفه: _ معلش يا فايز، أنا عارفة إنها غلطت، وصدقني أنا بكلمها وبوقفها عند حدها بيني وبينها من غير مشاكل. شدد فايز: _ ملهاش دعوة بأولادي ولا بربيتهم. عتبت عليه برقة: _ هي خالتهم وأخت أمهم، ومقصدهاش إساءة للولاد، هي بس حريصة زيادة.. ما تقلقش، أنا هحل الموضوع وهتكلم معاها، سيب كل حاجة عليا. سكت ثواني ثم قال راضياً بحكمتها: _ أوك يا ريم.. ابتسمت وحاوطت وجهه بيديها: _ يلا اغسل وشك وتعالى أظبطلك هدومك. تلطفت ملامحه للهدوء ثم ابتسم لمودتها، وقبل أن يخرج للعمل كان قد راجع معها بعض أوراق التقارير الخاصة بالشركة، حيث تثبت ريم دائماً أنها سند حقيقي له في كل أموره. أفاقت ريم من ذكرياتها على صوت هاتفها، وكانت صديقتها "هنى" تتصل بها بحماس: _ ريم! عندي ليكي خبر ممتاز.. أنا مشاركة السنة دي في معرض الكتاب! ردت ريم بفرح ورزانة: _ بجد يا هنى؟ ألف مبروك يا حبيبتي! _ وحشتنا إبداعاتك وكتاباتك يا ريم.. مش هترجعي تاني؟ ابتسمت ريم بحنين للمواقف القديمة: _ يا ستي أنا دلوقتي متفرغة لبيتي ولأولادي ولجلسات الرسم الهادئة. _ طول عمرك بتعطي كل وقتك لراحة فايز وبيتك.. المهم هستناكي في المعرض وهبعتلك التفاصيل. _ أكيد، عمر المواعيد دي ما تفوتني.. تسلمي يا هنى. أغلقت الهاتف والابتسامة على وجهها، ثم قامت واتجهت لمرسمها الخاص في الحديقة الخلفية.. هي تعشق الرسم والكتابة والموسيقى، متعددة المواهب. وبعد دقائق اتصلت برنيم: _ ممكن تيجي تساعديني في تنظيف المرسم يا رنيم؟ أجابت رنيم بنبرة خفيضة: _ أيوة طبعاً يا ريم هانم، حاضرة. أتت رنيم وبدأتا في ترتيب المكان وتنسيق اللوحات.. وبينما ترفع رنيم إحدى اللوحات المغطاة عن المفرش، وجدت أسفلها لوحة مرسومة بدقة لعين واحدة.. عين عرفتها جيداً وتعرف نظرتها الحادة.. عين فواز! أزاحت اللوحة لتكتشف تفاصيل البورتريه، وسقطت دمعة من عينيها في صمت وهي تطالع تلك الصورة التي رسمتها ريم بريشة مبدعة...

شاركنا شعورك:

التعليقات على الفصل

سجل دخول للتعليق
كن أول من يعلق