الخادمة الصغيرة "الجزء الثاني"
الفصل 119 د متبقية
الفصل 11

الفصل الحادي عشر

9 د قراءة

كانت حاسة بحرارة شفايفه على شفايفها… كانت حاسة بدقنه الخشنة وهي بتحتك بجلدها الناعم… كانت شمّة ريحته … نفس الريحة اللي كانت بتطمنها زمان… ونفسها اللي بتكرهها دلوقتي.

قلبها كان بيدق بسرعة رهيبة، دمها كان بيجري في عروقها زي النار، نفسها مكتوم ووشها احمرّ من الدم اللي طلع فجأة من قلبها لحد خدودها..

بس رغم كل ده… رغم رعشة جسمها وضعفه وهي بتشم ريحته وتحس قربه… كان في جوه صدرها غضب … غضب بيصرخ فيها يحرّكها… يخلّيها تفتكر كل حاجة… كل إهانة وكل خيانة وكل دمعة نزلت منها بسببه.

وبدون ما تفكر… إيدها طلعت بسرعة دفعته بعنف وبعدين ضربته على وشه بالقلم… قلم قوي… عالي… سمع صوته في ودنه قبل ما يحس بحرقته على خده.. اترجع راسه شوية من قوة الضربة، وحاجبه اتعقد ووشه اتشد بتوتر، بس عينه فضلت ثابتة فيها… فيها هي بس… كأنه حتى مش حاسس بالوجع… أو يمكن… كأنه فرحان بيه..كأنه خد إللي يستحقه منها ... كأن ضميره بيرتاح واحدة واحدة كل ما تهينه!

شهقت رضا وهي بتحاول تبعده عنها بإيدها التانية، دفعت صدره بعنف بس جسمه مكانش بيتحرك.. صرخت بصوت مبحوح وهي بتبصله بعيون كلها دموع وغضب

– ازاي تجرؤ وتلمسني … إزاي!!!

كان ساكت… عينه في عينيها… شايف كرهها ليه … شايف غضبها… بس أكتر حاجة وجعته… هو إنه شاف الخوف.. آخوفها منه… خوفها من لمسته… خوفها من حبه اللي بقى دلوقتي بالنسبة لها… أكبر عذاب.

قال بهدوء غريب وهو بيبص على شفايفها المرتعشة

– ماقدرتش… كان لازم ألمسِك…

صرخت تاني، صوتها عالي مبحوح مليان قهر

– إيديك دي متلمسنيش تاني… فاهم!!! متلمسنيش!!! مش من حقك… مش من حقك!!!

وإيدها التانية راحت على شفايفها تمسح آثار قبلته بقرف وعلامات التقزز ظهرت على وشها غصب عنها، بتحاول تمسح ريحته، تمسح إحساسه، تمسح قرفه إللي عمله معاها وكالعادة مهتم بنفسه ورغباته بس

– للدرجادي بتكرهيني ؟!

قالها بصوت هادي قوي، وابتسامة صغيرة حزينة كسرت وشه الرجولي الجامد. بس كلامه ده كان زي النار بيحرق في جسمه قبل ما يقوله ..

بصتله بكره وقرف وقالت بصوت واطي مبحوح مليان غيظ وكره

– أنا بكرهك… بكرهك يا جلال… والأسوأ من كده… وعشت سنين بكره نفسي عشان في يوم من الأيام حبيت كلب زيك ! ..

وسابت إيدها توقع من على شفايفها، ورجعت لورا خطوتين بسرعة…

خطوات بتترنح فيها من الدوخة… من القهر… من الحرارة اللي سابها في جسمها… وهي بتبصله بنظرة هزمت الدنيا كلها جواه… نظرة وجع وكره وانكسار.

وسابته واقف في الجنينة، ومشت !

رضا كانت ماشية بسرعة، خطواتها بتغرز في تراب الجنينة الناعم، وصوت دقات قلبها أعلى من صوت عصافير الصبح وهي بتطير بين الشجر… كانت عايزة تخرج من المكان ده، من اللحظة دي، من الحياة دي كلها لو قدرت.

أما هو… فضل واقف مكانه. ما تحركش. إيديه كانت متشنجة على جنبيه… وخده لسه بيوجعه من القلم اللي ادهوله قلبها مش إيدها… بس هو مكنش حاسس بوجع وشه ولا بالخاتم إللي كانت لبساه في إيدها وجرحه … كان حاسس بوجع قلبه اللي بيتقطع، كل شظية بتدبحه لوحدها..

رفع عينيه للسماء…الشمس كانت بدأت حرارتها تذيد وطلعة تدفي وشه… بس الدفا مكنش بيوصل لجسمه.! جسمه كله كان بارد… برد وهو لسة مش مستوعب قسوتها واحتقارها ليه حتى لو يستاهل ...

بعدين لمس شفايفه بإيده ! افتكر قربهم وتفاصيله .. بدأ يتأمل اللحظة إللي فاتت قبل ما تضربه على وشه وتبعده عنها وتسمعه أقسى كلام ممكن يسمعه في حياته .. ابتسم وهو بيستشعر ملمس شفايفها اللي اشتاقله جداا ..

في اللحظة دي… كان فيه عينين بتراقبه من بعيد… عينين ضيقة مليانة خبث… نسيمة، كانت واقفة ورا ستارة البلكونة في أوضتها… شفته… شافت كل حاجة… شافته وهو بيبوسها بشغف مجنون، وشافتها وهي بتضربه بالقلم وتبعده عنها زي حشرة مقرفة…وشافت كل حاجة.!

كانت حاسة بالحقد بينهش فيها ! من أول يوم جذبته وخلته يبوسها طب بعدين هتعمل إيه ؟؟ ...

لكن فجأة ابتسامة خبيثة ظهرت على شفايفها… ابتسامة واحدة ست حاسة إنها لسه ماسكة زمام اللعبة… حاسة إنها مهما حصل… هتفضل هي مراته اللي بتحتويه وبتحن عليه … وهيا دي رضا؟ رضا إللي زمان كسرها … رجعت برضو عشان تكسره مش عشان تحب فيه وتاخده ليها ! وهنا قلبها اتطمن شوية رغم غلها وكرهها لأن جلال عاوزها وبيحاول معاها ! ..

ضحكت نسيمة ضحكة قصيرة مكتومة وهي بتقول لنفسها

– مهما عملت يا جلال مش هترجعلك ! ولو رجعت .. فمكانها هيكون تحت رجلي .

وشدت الستارة ونزلت تحت ...

---________

جلال لسه واقف مكانه… مش حاسس بأي حاجة حواليه… غير ريحة شفايفها… وضربتها… وكلامها.

سمع صوت خطوات نسيمة وهو بتقربله … سمع صوتها وهي بتقول بصوت كله سم

– إيه يا جلال…ماشاء الله… حضن وبوس كمان… الصبح بدري أهو… لأ وضربتك بالقلم كمان ! تسلم الرجولة يا كبير…!

بص لها بعينيه الجامدة… عنيه اللي كانت من شوية كلها شوق وحب وندم… دلوقتي بقت حجر… حجر أسود… مفيهوش ولا شرارة حياة..

–اسكتي يا نسيمة… اسكتي.

قالها بصوت هادي… صوت قاتل… صوت جلال الصواف اللي كل البلد بتخافه.

بس هي ضحكت… ضحكة عالية وهي بتقرب منه وتلمس خده اللي متعلم عليه إيد رضا وقالت

– القلم لسة معلم ... لأ تصدق عجبتني… أهي رجعتلك… بس مرجعتش خدامة زي ما كانت… رجعت واحدة قادرة انها تمد ايدها عليك وتشتمك وأنت تقفلها ساكت ومبتتحركش كأنها ماسكة عليك ذلة ..

بص لها جلال… بص في عينيها ضحكة انتصاراتها… بس قلبه كان خلاص مات من زمان… وحتى انتصاراتها مابقاش ليها طعم… لأن مفيش حاجة في الدنيا بقيت تهمه… غير رضا… ورضا دلوقتي…بتكرهه… وبتكرهه من قلبها.

لف وشه عنها ومشي… سابها واقفة في الجنينة لوحدها… سابها مع ضحكتها الباردة… وساب قلبه متعلق بخطوات رضا اللي بتبعد عنه كل ثانية.

والشمس…كانت طلعت …بس ليله كان لسة موجود … والقمر هربان ومش قادر يرجعه لسماه ينورها من تاني ! مفيش حاجة قادرة تنور العتمة إللي جوا قلب جلال .. غيرها .. غير رضا .

________

في المكتب الكبير في بيت جلال…

كان مازن جه وجلال حضر أوراق الأرض بسرعة وجاب المحامي بتاعه ...

رضا قاعدة على الكرسي الجانبي بهدوء… ملامحها محايدة، لكن عينيها بتلمع وهي بتراقب كل حاجة حواليها.. ومازن قاعد بيراجع كل حاجة بتركيز ..

دخل المحامي بتاع مازن اللي طبعا مازن أكد على حضوره وشهادته وتوثيقه لكل حاجة بتحصل وكل خطوة .. كان لابس بدلة سودة شيك جدًا ونظارة رفيعة بتدي له هيبة إضافية دخل ومعاه شنطة أوراقه ووقف بأدب قدام جلال اللي قامله عشان يسلم عليه ...

– مساء الخير يا حاج جلال… إزي حضرتك؟ الحقيقة أنا متشرف جدًا إني أقابل حضرتك النهاردة…

جلال سلم عليه وهو بيقوله

_ الشرف ليا .. اتفضل .

قعد الراجل الوقور دا بعد ما سلم على مازن .. جه يسلم على رضا مدت ايدها فجلال قاله

_ المدام مبتسلمش !

لكن رضا عاندته ومدت ايدها تسلم والمحامي طبعا كان فاهم ومستوعب الوضع .. ولكنه بذكاء تدارك الموقف بعد ما قعد وبعدين قال بنبرة عملية

_أنا مش قادر أنسى كل إللي عملته أول مرة شوفتك فيها . ...انا سمعت بعدها عن حضرتك كتير، وعن مشاريعك الكبيرة اللي في البلد وفي المحافظات التانية…والله أنا متابع اسمك من سنين! ربنا يباركلك يا رب..

جلال رفع راسه من الورق اللي قدامه وبصله بنظرة هادية جدًا… نظرة كلها وقار وغموض في نفس الوقت…هز راسه باحترام بسيط وقال

– شكرًا ليك .. أنا مبعملش حاجة أكتر من الواجب إللي عليا. 

بصله المحامي بفخر .. ورغم انه عارف حجات كتير عن قصته مع رضا .. إلا إنه موصلوش بشاعة إللي هو عمله ولكنه كرجل اعمال بجانب انه محامي .. فمعجب بتفكير جلال خصوصا انه شاب في منتصف التلاتينات ومش كبير .. شكله جميل ومطمع لأي حد لكنه متجهش في أي طريق وحش ومكمل في شغله واسهاماته في البلد كلها كش في قريته بس إللي رفض انه يخرج منها ويعيش في مكان فاخر ..

مازن كان قاعد جنبه، واضح الضيق على ملامحه من كلام المحامي … اتنحنح بعصبية وقال ببرود

– خلصنا يا متر … ناقص ينراجع الورق وأوقع وخلاص…مش محتاجين نطولها.

المتر ضحك بخفة وهو بيبص لمازن:

– حاضر يا دكتور…بس لازم أشرح كل بند الأول.

وفتح الملف وبدأ يتكلم

– هنا يا حاج جلال الأرض مساحتها تلاتين فدان، وهي في موقع مميز جدًا قريب من المجرى المائي… وكمان ليها واجهة على الطريق العمومي. التخصيص هيبقى جزء مدرسة وجزء مستشفى كبير زي ما حضرتك اقترحت. والحقيقة يا حاج… مشروع زي دا هيغير وجه القرية تمامًا… حضرتك فاهم التنمية دي هتعمل إيه للناس هنا… أنا شفت مشاريعك التانية في البلد… المستشفى اللي بنيته في نصها مثلًا… الناس من بعدها بتدعي لك ليل ونهار… وكمان مدرسة البنات اللي بنيتها كانت نموذجية جدًا.

رضا سمعت الكلام دا… قلبها ضرب جامد… هي كانت عارفة إن جلال عنده مشاريع خيرية، لكن محستش يوم إنه بيعمل دا غير عشان سمعته وسلطته… لكن لما سمعت المحامي بيتكلم عنه بالشكل دا… حسّت بمشاعر ملخبطة جواها… فخر… خوف… وصدمة صغيرة مخبية في أعمق حتة في قلبها.

جلال كان هادي جدًا… مبتسم ابتسامة بسيطة، عينيه نازلة على الورق وهو بيقلبه بند بند… وقال بصوته العميق

– أهم حاجة التنفيذ يبقى على أعلى مستوى… أنا مش عايز بس مباني… أنا عايز تعليم حقيقي… وعلاج محترم… أهل البلد دول غاليين عليا أوي ...عاوز حاجة مستدامة مش مباني خرسان واسمنت ولا شمس تدخلها ولا هوا يعتبلها ... عاوز هندسة صح .. دا كل إللي عاوزه منكم .

المتر بصله بنظرة إعجاب واضح جدًا وقال

– وكل دا هيحصل .. حضرتك مثال للرجل الناجح القوي اللي بيحافظ على أهله وبلده ..

هنا مازن انفجر غضبه جواه… شد كرسيه الورى شوية واتكلم بلهجة حادة:

– طب كفاية مديح بقى… حضرتك هنا عشان تراجع عقد…كل واحد عارف شغله ومكانه…ركز في اللي مطلوب منك... وكمان لحد دلوقتي جلال مقالش على سعر الأرض.. يعني بعد كل التفاصيل دي مفيش سعر شوفته !

قال جلال المرادي والمحامي سكت ومرضاش يرد على لهجة مازن إللي معجبتوش ..

_ الأرض دي أنا متبرع بيها بالكامل ...

اتصدم مازن من كلام جلال ! وحتى رضا اتصدمت صدمة كبيرة جدا والمحامي كمان .. ورجع جلال قال

_ والأرض اللي في الطرف التاني من البلد أنا بخلص فيها لسة لأنها مش ملكي زي الأرض دي .. وبردو .. أنا متبرع بيها .. مش هاخد منك فلوس الأرض. 

صدمة تانية نزلت عليهم ! اتصلب مازن ومعرفش يرد ! هيقوله إيه؟ هيقولوا لأ ! حد يقول لأ لعشرات الملايين بل يمكن مئات .. كل فدان منهم يعديله المليون جنيه .. ودول فوق ال ١٠٠ فدان ! .. اتوتر مازن وحس ان جلال بيتكلم على كبير وبيقدم حاجة كبيرة فبص المتر لمازن ورضا ورجع سأل جلال

_ أنت متأكد يا حاج جلال ؟

هز جلال راسه وقال

_ أيوة متأكد ... خلص اجرائاتك وأنا معاك .

بصتله رضا وكان على وشها ملامح هو مقدرش يفسرها فبعد عينه عنها من خجله منها ..

وسكت جلال وسابهم لحظة يراجعوا البنود في هدوء.

رضا كانت شايفة جلال وهو بيوقع على الورق إللي معاه

إيده كانت كبيرة وخشنة، لكن خطه واضح وجميل… لسبب مجهول… قلبها خفق فجأة وهي بتتأمله… افتكرت أيام زمان… افتكرت وهو بيمضي على أوراق تانية كتير كانت تخصها… أوراق باعت حياتها ليه بيها زمان.. ورق جوازهم ..

اتحرك جلال بهدوء وهو بيمضي آخر صفحة، وبعدها رفع عينه وبصلها… لمح في عينيها نظرة مش مفهومة… نظرة فيها شجن… وندم… وضعف.

لكنها بسرعة غيرت ملامحها… وظهر عليها البرود تاني وكأنها كل ما تشوف فيه حاجة كويسة .. يرجع الماضي يفكرها مين هو جلال الحقيقي ! جلال ساعتها ابتسم ابتسامة صغيرة جدًا… محدش خد باله منها غيره هو بس… وهو بيقفل الملف ويديه للمحامي قال بصوته الرجولي الواثق:

– خلصت أنا كدة ودا تنازل مني عن الأرض ... خلصوا أنتوا كمان اجرائاتكوا كلها .. وبعدها نشوف بعض في الموقع واحنا بنبدأ ..

المتر قال بحماس

– إن شاء الله يا حاج… ربنا معاك ويوفقك.

أما مازن ففضل ساكت… بيجز على سنانه من جوه… حاسس إنه صغير أوي قدام جلال… رغم إنه دكتور كبير ومعاه فلوس وسفر وباسبور أوروبي ودراسة…بس الراجل دا…الراجل دا حاجة تانية خالص. عمره ما كان يتخيل ان جلال يبقى بالقوة والغنى والذكاء دا ... عمره في حياته !

ورضا…فضلت قاعدة… مش مصدقة ان دا نفسه الراجل اللي ضربته على وشه الصبح بالقلم ! ... خرجت من المكتب مع مازن والمحامي وهي شاردة ومس سامعة مازن اللي بيكلمها ولا المحامي اللي بيعرض عليها أفكار  وكل اللي داير في عقلها وبتقولت جواها

"إيه يا جلال… إيه اللي مخبيُّه تاني…؟"

شاركنا شعورك:

التعليقات على الفصل

سجل دخول للتعليق
كن أول من يعلق