الفصل الرابع عشر
وقع يحي قدامهم، متوسخ وصدره بيطلع وينزل بسرعة، وعينيه حمرا من أثر الدخان…
جلال اتجمد في مكانه… ورضا وقفت مكانها بتبص ليحي بصدمة واشمئزاز في نفس الوقت.
_ انت بتعمل إيه هنا يا يحي؟؟؟
قالها جلال بنبرة غضب خافت، مخنوقة… بس كان فيها نبرة تانية رضا فهمتها فورًا… نبرة خيبة أمل موجعة.
يحي كان بيكح وهو مش قادر يتكلم… رفع عينيه لجلال، ووشه كله خوف… مسح دموعه اللي نزلت من الكحة وقال بصوت متقطع
_ والله… والله يا بابا … دي أول مرة… أصحابى جابوهولي… كنت… كنت عايز أجرب بس… والله العظيم يا بابا …
جلال بصله… وبص لرضا… لقاها واقفة ثابتة، وشها بقى حديد… ولا رمشة عين تحركت وهي بتقول ببرود مهين
_ أول مرة؟؟… أول مرة ومستخبي بتشربه هنا في الجراج زي الحرامية؟… أول مرة ومجهز مكانك ومخبي نفسك عن الكل؟؟ دا أنت تلاقيك مدمن !
جلال مد إيده وقال بغضب مكتوم
_ رضا… خلاص… الموضوع ميخصكيش …
_ لأ… ليّا يا جلال… طالما هقعد في البيت هنا يبقى لازم يكون بيت محترم .. مش إللي أنت طول عمرك متعود عليه !!
سكتت لحظة وبصت ليحي بتقزز
_ لو مكسوف تشربه قدامنا يبقى عارف إنك بتعمل حاجة غلط وفاهم كويس وعارف انها مش مجرد تجربة …… المخدرات مش تجربة !!
يحي كان خايف من أبوع ، وبص للأرض وهو بيقول بصوت باكي
_ معلش… معلش يا بابا … والله مش هكررها… والله…
جلال بص ليحي بجمود تام وقال بنبرة تقيلة
_ اطلع على أوضتك… هاجيلك دلوقتي…
يحي قام بسرعة وهو لسة بيكح وطلع يجري برا الجراج… فضلوا ساكتين ثواني، لحد ما رضا بصتله وقالت بنبرة تقيلة فيها قسوة وأنوثة مهينة
_ شايفة بيتك يا حاج جلال… وقال كبير بيت… ميعرفوش ان العيب كله من الكبير…
سكتت ثواني وبصتله بنظرة باردة بتقشعر الجلد وقالت
_ سيبك بقى من الحشيش وقرف عيلتك... فسن العربية إللي هاخدها … ولا هطلع أخدها مشي لبيت مازن !
جلال فضل ساكت… عينيه كانت حزينة وغضبانة ومتكسرة وهو بيبص لرضا… لأول مرة من سنين يحس انه صغير… صغير أوي وضعيف... ومش قادر حتى يقولها متروحيش لمازن .. كل حاجة جواه اتكسرت وهو شايف ابنه ببتجر لطريق صعب .. طريق وحش أوي! كان حاسس بصدمة أصلا!!
فتح لوحة تحكم فيها مفاتيح عربيات وقرب منها ادالها مفاتيح العربية وقال بصوت مبحوح وهو مش بيبص في عينها
_ خدي اللي انتي عايزاه يا رضا…
_ تمام…
ردت عليه وهي بتفتح عربية بي إم دبليو جديدة لونها أزرق غامق، دخلت وقعدت جوه، وبعد ثواني شغلته وساقتها برا الجراج… وهو فضل واقف مكانه… يتفرج عليها وهي بتبعد… وكل حاجة جواه كانت بتنهار واحدة ورا التانية.
-------------------- وصلت رضا بيت مازن .. أول ما حس بيها رفع عينه وبصلها… ابتسم ابتسامة هادية دافية، ابتسامة مريحة كانت محتاجاها من الدنيا كلها ...
كان فاتحلها الباب بنفسه… لابس بنطلون بيچاما قطني وتيشيرت ساده… وشه هادي ودافي، وابتسامته البسيطة طلعت لها أمان كانت محتاجاه. أول ما دخلت سابت شنطتها عند الباب وقعدت على الكنبة في الصالون. مازن قفل الباب، وبص لها شوية قبل ما يقرب.
_ نورتيني يا حبيبتي… تعالي.
قالها وهو بيقوم يقرب منها، شال الشنطة من إيدها وحطها على الكنبة جنب المكتب، قرب وشه منها لقاها لنا قعدت بردو سرحانة ومش بتتفاعل معاه ... فسأل بقلق ووشها مش عاجبه
_ مالك يا أميرة ؟… وشك شاحب كدة ليه ؟
رضا سكتت… حطت إيدها على صدرها وسندت دماغها على الكنبة شوية وهي مغمضة عنيها… أخدت نفس طويل كأنها بتهرب من كل اللي وراها… بس وهي مغمضة… وش يحي طلع قدامها.
وشه الصغير… الخايف… دموعه المتعلقة في عينيه … كحته وهو بيقول إنه أول مرة… نظرة عينه المكسورة قدام جلال… جلال نفسه، ملامحه اللي كانت موجوعة ومكسورة… وصمته اللي كان بيصرخ إنه مش عارف يعمل إيه.. وفعلا شكل الموضوع أول مرة جلال يعرفه ويواجهه وباين عليه انه اتصدم .
_ أميرة ؟…
فتح مازن إيده ولفها حواليها وقال بصوت واطي
_ في إيه يا حبيبتي؟… دماغك راحت فين؟
فتحت عنيها وبصت بعيد عنه وهي بتتنفس بعمق… تأثر بسيط لمع في عينيها لكنها محته بسرعة وقالت بصوت مبحوح
_ يحي…
_ يحي مين؟
_ يحي… ابن جلال…
_ ماله ؟
سأل مازن بنبرة فيها تكشيرة فقالت رضا وهي بتفكر في الولد إللي حست انه صعبان عليها
_ لسه ولد صغير يا مازن… لقيته النهاردة بيشرب حشيش… مستخبي في الجراج وبيشرب…
مازن اتصدم… رفع حواجبه وقال بغضب
_ إيه؟؟… إزاي دا حصل؟؟… إزاي جلال سايبه ؟
ردت رضا وهي متأثرة وبتفتكر الموقف وشكل يحي
_ معرفش… بس لما شوفته… حسيت… حسيت إني شايفة انسان مكسور … وهو واقف أدام أبوه وخايف كدة .. معرفش جلال رباه إزاي بس أكيد مربهوش كويس …
رد مازن بقوة ومن غير تفكير ولا شفقة
_ أكيد طبعا مربهوش كويس ! انتي هتصدقي الشويتين بتوع النفاق اللي هو عاملهم دول .. دا كله عشان يضحك على الناس .
بصتله رضا وسكتت شوية وبصت في الأرض وقالت بحزن
_ يا مازن… أنا بكرهه… بكره جلال… بس والله لما شوفت الولد وهو في الحالة دي … والله… قلبي وجعني عليه…
مازن فضل ساكت… عينيه بتلمع بحنان وهو شايفها قد إيه إنسانة حقيقية… رغم كل ظلم جلال ليها، قلبها لسة طيب… لسة بتحس… لسة بتشفق
قرب منها أكتر، رفع وشها بإيده وقال بهدوء
_ عارفة ليه قلبي عمره ما هيشوف غيرك يا أميرة ؟… عشان انتي أنضف وأطيب قلب في الدنيا… قلبك مش زي حد… ولا عمرك هتكوني زي حد….
ملامح وش رضا الحزينة ظهرت بهدوء… مفيش كلام .. مفيش صوت… بس ملامح فيها قلق وخوف معرفتش تداريه وهي بتبصله وبتهمس
_ هو هيعمل إيه؟… هو جلال هيعمل إيه؟…
بصلها مازن وكان متضايق جدا لكنه تجاهل الموضوع وتجاهل انها سألت عن جلال !!! وقال وهو بيقرب منها
_ دي مش مشكلتك دلوقتي دي مشكلته هو … انتي لازم تريحي… انتي تعبانة أوي يا أميرة … تعالي.
جه يشدها على صدره لكن رضا مانعت وبصتله ورغم انها نفسها تحضنه بقوة كانت حاسة انها عايزة تتخبى جواه… تهرب من حزنها وشفقتها وتعبها… وتنسى جلال وأولاده وألمه… وتفتكر بس انها لسه حية… وان في حد بيحبها بصدق... لكنها بعدت عنه وقالت
_ أنا هقوم أعمل حاجة نشربها وأرجع نكمل كلام عن إللي هتعمله الفترة الجاية .
قامت فعلا وهو بصلها ولاحظ انها تهربت منه !! مازن ذكي وبيفهم وبدأ يحس بالخطر بيقرب !!! بدأت تبعده عنها وتفكر فيه وفي ولاده ... المرة الجاية هتيجي تقوله أنا سامحته ! لأ دا مستحيل يحصل .
______ طلع جلال السلم بهدوء تقيل…
خطواته كانت تقيلة من شدة همه وصدمته … قلبه موجوع... وقف قدام أوضة يحي، حس بقلبه بيدق في صدره بسرعة ، إيده كانت ممدودة على الباب قبل ما ياخد قرار يدخل ولا لأ... هيواجهه إزاي؟
دخل بهدوء… كانت الإضاءة ضعيفة، ويحي قاعد على السرير ورجليه على الأرض ، سايب ضهره مسنود على الهوا ومش متألم ولا زهق .. كان باين انه من ساعة ما جه الأوضة وهو قاعد على نفي الوضع .. ملامحه شاردة ومكسورة وخايفة.
جلال وقف ثواني يبص عليه… شاف ولده اللي كان بيجري في الجنينة وهو صغير، اللي كان بيضحك من قلبه، شافه دلوقتي مطفي… ضايع وبيشرب !
قرب منه بهدوء وقعد قدامه على الأرض ، خلى وشه في وشه… يحي مرفعش عينه، بس دموعه نزلت.
_ بصلي يا يحي…
قالها جلال بصوت هادي لكنه قوي، صوت أب راكز وعارف هو بيقول إيه. يحي رفع عينه ببطء، نظراته خايفة ومكسورة.
_ عارف إيه أكتر حاجة ممكن بتوجعني في الدنيا؟
سكت جلال لحظة وهو بيبص لابنه، ودموعه وقفت في عينه لكنه مسمحلهاش تنزل
_ إن ابني يطلع ضايع…
يحي شهق شهقة مكتومة وقال بصوت بيترعش
_ أنا آسف يا بابا… أنا…
جلال مد إيده بسرعة وغطى بيها وش يحي بحنان مفاجئ، وقال بصوت هادي دافي
_ اسمعني يا يحي… أنا مش عايز منك آسف… أنا عايز منك وعد… وعد إنك متسيبش نفسك تضيع…
فضل ساكت شوية وعينه غرقت دموع وهو بيقول
_ أنا مليش غيرك… فاهم يعني إيه مليش غيرك؟… لو انت ضعت أنا كمان هضيع… لو انت وقعت أنا هموت…
يحي دموعه نزلت أكتر وقال وهو بيهز راسه بسرعة
_ مش هعمل كدة تاني يا بابا… والله مش هعمل كدة…
جلال سكت شوية وبعدين نزل بوشه لوش ابنه وقال بصوت أب قوي لكنه مكسور
_ اسمعني كويس… الغلط مش إنك تقع… الغلط إنك متقومش… فاهمني؟… أنا عايزك تقع وتقوم عشان تتعلم .. بس اختار وقعاتك يا يحي .. عشان في وقعة لما تقعها .. مش هتقوم منها تاني … متسبش نفسك تقع وتنهار أوي.. وطريق المخدرات صعب يبقى فيه منه قومة يابني.
حط إيده التانية على كتف ابنه وضغط عليه وقال
_ أنا مش عايزك تبقى أنا… أنا ضيعت سنين كتير من حياتي… بس انت… انت متضيعش سنينك يا يحي… أنا كنت تقريبا أدك لما وقعت نفسي بنفسي وغلكت غلطة عمري ..
سكت لحظة، خد نفس عميق وقال بهدوء قوي
_ بكرة هنروح سوا مكان بعيد… هغيرلك جو… وهنتكلم كتير… عايزك تفتح قلبك ليا… فاهم؟…
يحي كان بيعيط بهدوء وحط راسه على رجل أبوه… جلال مد إيده بحنان رهيب وحطها على شعر ابنه، وهو ساكت… ساكت لكن قلبه بيدعي ربنا ينورله طريقه.
_ مسامحك… بس مش هسامحك لو ضيعت نفسك…
قالها جلال بصوت ثابت، ونزل يقبله في راسه قبلة طويلة وهو عينه بتلمع بحب كبير..
وكالعادة .. المتجسسة .. إللي بتظهر في أي مكان ! كانت بتتجسس عليهم وسمعت كل الكلام وجه في عقلها فورا فكرة وراحت علطول تنفذها .
دخل جلال أوضته…
كان تعبان... جسمه كله مرهق من التفكير والكلام والشد العصبي اللي حصل مع يحي النهاردة. قفل الباب ووقف قدام الكومود وهو بيفك زرار جلابيته، ونسيمة كانت واقفة عند التسريحة بتعدل طرحتها بهدوء مصطنع جدًا.
رفعت عينيها بسرعة وقالت بصوت مكسور وممثل بحرفية:
_ يا جلال… ممكن أقولك حاجة؟
بصلها جلال بنظرة تعب وإرهاق
_ في إيه يا نسيمة؟
تنهدت نسيمة، ومثلت إنها بتداري ارتعاشة إيديها من الصدمة وقالت بصوت مهزوز
_ والله يا جلال… أنا مش عارفة أقولك إزاي… بس… وأنا بنضف أوضة علي… لقيت حاجة… حاجة غريبة أوي…
اتشد جلال ووقف ثابت مكانه وقال بحدة
_ لقيتي إيه؟
نسيمة عملت نفسها بتبص حواليها خايفة حد يسمعهم، وقربت منه وخفضت صوتها وقالت
_ لقيت… لفة… لفة حشيش يا جلال!!!… لاقيتها في جيب علي واحنا بنغسل ملفوفة ! والله يا جلال أنا قلبي اتقبض… دا علي ابن كريمة المحترم .. يطلع بيشرب حشيش !!!…
جلال اتصدم وبص لها بنظرة طويلة… حس إن الكلام نزل على صدره تقيل… علي!! أخوه اللي مربيه… ابنه اللي بيعتبره سند كبير! … مستحيل… علي مش كدة…
دقت على الحديد وهو سخن وكملت وكأنها بتنوه عليه وبتحذره وتنصحه
_ خلي بالك يا جلال بالله عليك ونبه عليه الحجات دي متدخلش البيت ... عاوز يشرب.. يشرب برا انما في بيتنا لأ .. البيت فيه عيال صغيرة .. حمزة ويحي عيال افرض حد فيهم مسك في الحجات دي !!
فضلت باصة له من المراية… وعينيها بترصده… بتقيس انفعالاته. وأخيرًا قالت بصوت هادي جدًا، فيه سم ناعم.. وبعدين سألت سؤال
_ شوفتك خارج من عند يحي هو… يحي كويس؟
مردش ... فضل يفك الزرار ببطء وهو مطاطي عينيه لتحت.
قال جلال
_ أه كويس ..
_ آه فكرتك بصراحة عنده عشان ..
وفجأة سكتت وقال ايه كأنها قالت حاجة مينفعش تتقال فجلال بصلها بنظرة قوية وأصر إنها تكمل
_ عشان إيه؟؟
_ لأ مفيش يعني عشان تطمن عليه .
عملت نفسها بتحاول تتوه الموضوع ولكن جلال أصر
_ نسيمة .. انجزي ..
_ يعني عشان السباقات إللي علي بياخده فيها !!
قالت الكلام دفعة واحدة وهنا جلال ضيق عيونه وبصلها
_ هو لسة بيروح ؟
_ يلهوي ! دا كل ليلة وليلة تلاقي علي ساحبه ورايحين وميجيش غير وش الصبح !!
قالت نسيمة وهي عارفة هي بتقول إيه كويس أوي وبتدخل علي في كل جملة سلبية عشان تحسس جلال ان علي هو سبب كل المصايب ..
استدارت له وقالت، ولسانها بينقط عسل سام
_ بس أنا ليا سؤال يا جلال… يعني… لو علي طلع بيشرب وهو مع يحي في كل حاجة .. افرض يحي هو كمان لقط منه حاجة كدة ولا كدة وطلع بيشرب… ماهو يعني لما بيروح يسابق معاه في الموتسيكلات كان مين علمه ؟ ماهو علي .. !
رفع عينيه وبصلها بنظرة مطفية.. مفيهاش حياة ولا غضب ولا أي حاجة مفهومة.
قربت منه خطوة، وقالت وهي مميلة وشها شوية وبتتكلم بنعومة مقصودة
_ بقولك إيه أنا هقولك على اللي في دماغي .. علي دا أنا شاكه فيه من زمان… من زمان وأنا ملاحظة تصرفاته… طريقته… خروجاته الكتير… وقعدته عالقهاوي بالساعات والسباقات الخطيرة بتاعته … يا جلال دا حتى شكله كدة… مش مظبوط… وأنا عارفة الرجالة الشمال لما بشوفهم…
وقفت تراقب ملامحه… لا حركة… لا رد فعل… لا كلمة… كأنه حجر واقف قدامها.
تنهدت بعمق وكملت بتمثيل الخوف والحزن
_ يا جلال… أنا خايفة عليك… خايفة على بيتك… احنا عندنا ولاد وعلي لو بيعمل حاجات غلط هيفسدهم… أنا مبقتش مرتاحة له من زمان…
اقتربت أكتر، ومدت إيدها لمرفقه بتلمسه بحنان متصنع
_ اسمع كلامي يا جلال… علي دا شكله مش مظبوط … وانت لازم تاخد بالك…
سحبت إيدها بهدوء وهي بتشوفه ثابت مكانه… عينيه معلقة بنقطة في الأرض… تنفسه بطيء وتقيل… ملامحه ميتة… مش باين عليه صدق… ولا كذب… ولا غضب… ولا رضا… كأن كلامها دخل جوه عقله وسكن… بس هل صدقه؟
محدش عارف.
حتى نسيمة نفسها… وهي بتسيبه وتتحرك ناحية الدولاب عشان تغير هدومها… مكانتش عارفة جلال دلوقتي بيفكر في إيه… ولا قلبه رايح ناحية مين… بس كانت واثقة من حاجة واحدة
السم ابتدى يجري… _____ في عز الليل… الهواء بيضرب في وشه بعنف…
كان علي سايق الموتوسيكل وكأنه بيهرب من الدنيا كلها. السرعة كانت عالية جدًا، التراب بيطير حواليه، والنور بيشق الضلمة قدامه، لكنه مش شايف غير ذكرياته… مش سامع غير صوته هو طفل صغير بيصرخ وهو شايف أبوه ماسك أمه من شعرها وبيشتمها بأقذر الألفاظ قدام الناس... كان طفل لكنه فاكر كل حاجة ومش قادر ينسى .
مش قادر ينسى فضيحة أمه إللي أبوه اتهمها بالخيانة وطلعها أدام كل الناس بقميص النوم .. مش قادر ينسى لما مراة أبوه حبسته مع أهلها وكانوا بيتعاملوا معاه إزاي ويقسوا عليه إزاي .. علي مكانش قادر ينسى ولا يتخطى كل الظلم والقسوة إللي شافهم في حياته ! ..
كان بيتسابق في طرق خطيرة مفهاش أمان والغلطة عليها بفورة لكنه مكانش هامه .. المهم انه يتسابق ويطلع غله .
زود سرعة الموتوسيكل أكتر وأكتر، كأنه عايز يحرق روحه ويخلص من كل حاجة وجعته… افتكر نفسه وهو عيل صغير بيتعلق في هدوم أمه وهيا بتتبهدل، وازاي نام وهو جعان ليالي كتير عند مراة أبوه وأهلها البلطجية بيضربوه ويهينوه ، وازاي شاف امه وهي بتتضرب وبتصرخ بأعلى صوت ومحدش فكر يساعدها.
لحد ما بقى مترسخ في عقله ان العالم دا قاسي ومفهوش حد طيب .. ماعدى حسين ! علي بيحب حسين أوي ..
كانت معاه تلاتة موتوسيكلات تانية، أصحابه اللي بيتسابقوة معاه ، بيضحكوا بحماس وتحدي ويزقوه ويفكروه إنه بيعيش معاهم لحظة متعة وميوقفش سباق .. لكن هو مكانش حاسس بيهم… دماغه كلها نار وغضب.
فجأة واحد منهم زقه جامد.. الموتوسيكل هز… ضحك علي ضحكة عالية شريرة… ضحكة كلها جنون وكأنه مستغني عن الدنيا
_ هات اللي عندك يا ابن الكلب !!
زق صاحبه برجله، ولكن الأرض خانته… عجلته دخلت في حفرة صغيرة والموتوسيكل اتقلب بيه في ثانية!
صوت جسمه وهو بيخبط في الأرض كان مفزع… حس ضلوعه بتتكسر، والتراب غطا وشه وصدره...الهواء اتقطع من صدره وهو بيحاول ياخد نفسه بالعافية… شاف الدنيا بتلف حواليه… حس بدم دافي بيسيل على جنبه.
واحد من صحابه قرب منه
_ علي !! علي فوق يا مجنون !!
بصله علي بعيون زجاجية وقال بصوت مبحوح وهو بيتنفس بالعافية
_ سيبني… ابعدوا عني
حاولوا يساعدوه بس هو كالعادة رافض مساعدتهم ورافض كل حاجة منهم ومن أي حد ..
حاول يقوم، رجليه مخدرة والوجع قاطع نفسه، بس قام… قام وهو بيترنح، وركب موتوسيكل تاني كان ركنه جنب الطريق… مش عايز يرجع البيت… مش عايز يسمع صوت جلال وهو بيشخط أو بيديله درس عن الأخلاق وإزاي يعيش الحياة .
مقدرش يروح البيت… مقدرش يدخل عليهم وهو مهزوم ومتعور… نسيمة هتضحك وحياة هتشمّت فيه… لكنه ماكنش خايف منهم… هو بس مش عايز حد يشوف ضعفه.
راح على بيت البحيرة…
دخل من بوابة الجنينة وهو بيعرج… الموتوسيكل سايبه بره… جسمه كله وجع بس جواه في نار أكبر… نار عمرها ما بتطفي ... نار بتقوله إنه اتخلق عشان يتبهدل… إنه مش هيبقى بني آدم عادي أبدًا.
دخل الريسيبشن، مفيش حد… الكراسي فاضية… ريحة الورد اللي زرعاها نعمات مالية المكان... ضحك بسخرية وهو بيشوف الورد… عمره ما شم ريحة ورد حلوة وريحة الورد اللي بالنسبة حلوة . بالنسبة ليه بتخنقه ..
قعد على أول كنبة لقاها قدامه… الدم نازل من جنبه، هدومه متبهدلة، ركبته متعورة جامد…
قلع التيشيرت بتاعه بالعافية، كل حركة كانت بتطلع من صدره تأوهات مكتومة… حس جلده بيولع من الجروح والخدوش والحرق اللي حصله لما الموتوسيكل وقع عليه.
بص لجسمه… كله دم وتراب وزلط لزق فيه… حط إيده على جنبه اللي بينزل دم وعض شفايفه من الوجع.
قلع البنطلون بردو وفضل لابس شورت رياضي قصير… كان بيعرج وهو بيتحرك وفتح شنطة الاسعافات الصغيرة اللي في المطبخ ، بس ايده كانت بترتعش من الألم والتعب.
وفجأة… سمع صوت شهقة!
رفع عينه بالعافية… ولاقى آخر واحدة توقع يشوفها هنا… حياة.
كانت واقفة قدامه، لابسة فستان نص كم لونه سماوي، ضيق شوية ومفتوح من فوق بسيط، شعرها سايب ومفرود وفيه خصلة عريضة منه مربوطة ديل حصان ومرفوعة و خصل نازلة على وشها وشكلها كيوت أوي ومثير بنعومة ، وريحة البرفان بتاعها مالية المكان… ريحة مسكرة تقيلة دخلت صدره غصب عنه.
_ مالك يا علي؟! إيه اللي عمل فيك كده؟!
صوتها كان فيه خوف مصطنع وهي بتجري عليه بسرعة.
زفر علي بصوت مسموع وقال وهو بيشد ضهره من الألم ومصدوم انها هنا
_ انتي بتعملي إيه هنا يا حياة؟!
قالت وهي بتبصله بقلق كبير عليه
_ أنا هنا من بدري… جيت أبات مع تيتا إنجي وأسليها شوية… نزلت أشرب لقيتك كده!
قربت منه أكتر… عينها مسلطة على جسمه المتعور والعضلات اللي باينة رغم الدم والتراب… خدت نفس عميق من غير ما تبان انها بتتأمله
_ إيه القرف اللي انتي مهبباه في نفسك ده؟
قالها بعصبية وهو بيبعد وشه عنها، حس بتعب وقرف من كل حاجة، حتى ريحتها اللي كانت حلوة بالنسباله حسها دلوقتي خانقة صدره.
_ طيب… سيبني أساعدك…. مقدرش علي يقاوم وهي بتشده وبتسنده وبتقعده على أقرب كنبة ... كانت بتعرض عليه المساعدة بكل رقة وصوت أمها نسيمة بيتردد في ودنها " قربي منه بأي طريقة "
_ متقلقش ايدي خفيفة .. ألف سلامة عليك .
قالتها بصوت هادي جدًا وهي بتقرب أكتر، حطت الشنطة جنبها وقعدت على ركبتيها قدامه، قربت وشها لجرحه، شم ريحة شعرها…
حطت ايدها الناعمة على جنبه وقالت
_ هي وجعاك قوي؟
اتنفس بسرعة من لمستها وقال وهو مغمض عينه
_ سيبيني ف حالي يا حياة… مش ناقص…
لكنها ما استجابتش… بالعكس… طلعت قطنة وحطت عليها كحول… قربت أكتر… لدرجة إن شعرها لمس صدره…
ولما مسحت جرحه… صرخ من الألم رغمًا عنه وعض شفايفه لحد ما نزل منها دم بسيط.
_ معلش… استحمل شوية…
قالتها بصوت كله نعومة… بس إيدها مكانتش بس بتداويه… كانت بتمسح على جنبه كأنه طفل… لمست عضلات بطنه بخفة وهي بتربط الشاش…
كل حركة بتعملها كانت بتخليه يتنفس بسرعة… هو مش عارف ده من الألم ولا من ريحتها ولا من قرفه من نفسه.
فجأة حطت ايدها على ركبته المجروحة ومسحتها بالقطن… قرب وشه من وشها غصب عنه، ريحتها كانت بتدوخه… بس عقله كان مكانش هنا… عقله كان فاضي… تايه… شايف أمه بتتبهدل، شايف نفسه صغير بيستخبى تحت السرير عشان ميشوفش أمه وهي بتنضرب من أبوه …
_ علي… علي… ركز معايا…
قالتها وهمست بيها وهي بتحط بلاستر على جرحه…
رفع عينه ليها… شاف وشها قريب قوي… شاف شفايفها، شاف عينيها الواسعة اللي بتلمع…
بس شاف حاجة تانية… شاف الخبث ورا البراءة… شاف لعبة ست عايزة توقع راجل متعور.
_ شكلك كويس أوي دلوقتي…لسة بس الجرح دا
قالتها بابتسامة صغيرة وهي بتقف، لفت وشها بخفة ولمست شعرها بحركة أنثوية رقيقة…
كان باين عليها الانتصار… وهو كان باين عليه الضياع… مش عارف هو موجوع من الجروح ولا من لمسها ولا من نفسه... رجعت تاني تقعد تحت رجليه وتحضر قطن وهنا علي مكانش مرتاح .. الوضع غريب ومريب !
_ قلتلك سيبيني…
صوته خرج مكتوم، بس هو مكنش قادر يبعدها، مش قادر حتى يرفع دراعه.
حطت يدها على صدره عشان توازنه، بس ايدها اتزحلقت شوية على عضلاته، لمست جلده الدافي… حس بلمستها بس مخه كان متركز في الوجع اللي مولع جنبه.
_ هعقم الجرح بسرعة ومش هتوجعك…
قالت الكلمة الأخيرة وهي بترمشله رمشة بريئة أوي… بس ايدها كانت بتمسح على الجرح برفق مبالغ فيه… وكأنها بتدلعه مش بتعقمه.
_ اوعـــ…
طلع صوته مكتوم جدًا… مش عارف ده من الألم ولا من ريحتها اللي دخلت صدره غصب عنه..ريحتها كانت حلوة… وده قهره أكتر... لأنه عمره ما شم ريحة حلوة من ست غير أمه… أمه اللي ريحتها كانت دايمًا عرق وتعب … بس كان بيحبها.. ولكنها لما اتجوزت حسين وخلفت .. اهتمامها قل بيه جدا .
دخل الكحول جوه الجرح فقفل عينيه بقهر، أسنانه بتضغط على بعض من شدة الحرقان… وهنا حس بيها قربت منه زيادة… حس بشعرها بيلمس ايده… حس بصدرها بيقرب منه وهيا بتربط الجرح… لكنه مش قادر يركز غير على الوجع.
_ معلش يا علي…
همست بيها بنعومة وهي بتحط البلاستر… وبعدين رفعت وشها ليه… عينيها كانت واسعة أوي، فيها دموع من زعلها عليه وهي بتحاول تواسيه … بتقول
_ انا كنت بخاف منك زمان… بس دلوقتي… انت… انت شجاع أوي عشان مستحمل الجروح دي
مردش… بص لها بعنيه اللي نص مفتوحة… شافها ضباب، شافها ظل… شافها ست تانية بتحاول تستغله، بتحاول تعلقه بيها… بس قلبه مات من زمان.. هو فاهمها كويس .. قال
_ خلصتي؟
قالها ببرود وخنقة وهو بيبعد ايدها عنه.. قامت واقفة قدامه ولسه منحنية ليه بشعرها الطويل النازل وفتحة الفستان ظهرت أكتر بسبب وضع الوقفة بتاعتها
_ أنت كويس…؟
رد عليها وهو بيحاول يقوم من مكانه
_ انا عمرى ما كنت كويس…
اتكعبل شوية وهو بيقف، حس برجليه بتتهز من الوجع، بس حاول يلم كرامته… مش عايز يبان ضعيف قدامها… مش قدام حد تاني في عيلة جلال.
جرت عليه تحاول تسنده وهي بتقول
_ أنت مش قادر تقف أنا هكلم بابا ي
_ أوعي حرف من إللي شوفتيه هنا يطلع لأبوكي ! ..
عيونه خوفتها وكانت كلها تحذير ليها .. وبعدين بصلها بعنف أكتر لدرجة ان جسمها اترعش من الخوف
_ وبعدين أبوكي لما ييجي هيشوف إيه؟ هيشوف بنته مبينة كتافها ومتزوقة زي العرايس وراجل غريب عريان معاهاا !!
كلامه جرحها جدا وحست بالرخص أدامه والإهانة فقلت وهي بتدافع عن نفسها
_ أنت مش غريب !
بصلها وعينه في عينها وهو عارف كويس هي بتعمل إيه
_ لأ أنا غريب ومحدش عارفلي أصل من فصل .. أنا ابن كريمة .. فخلي بالك بقى واطلعي امسحي وشك إللي مليطاه دا ... شكلك وحش ومش لايق عليكي تبقي بنت كبيرة ولابسة فستان .. أنتي آخر واحدة ممكن تعمل كدة !! احترمي نفسك شوية عشان أنا اتكسف أقول لأبوكي بنتك لبست عريان أدامي !!
قالها كلام جارح جدا خلى دموعها تنزل وهي واقفة مكانها مصدومة وشيفاه بيطلع على السلم بيعرج وسايبها وماشي بعد ما كسرها بكلامه ودمر ثقتها في نفسها !!