الفصل الثالث
حضنته قدام الكل، قدام جلال، قدام رامز، قدام كل الناس .. جلال وقف في مكانه...اتصدم. الأرض بطلت تدور من حواليه ، وعينيه فتحت ببطء وهو شايف اللي ما كانش يتخيله حتى في أسوأ كوابيسه. رمشة واحدة، وقلبه ولع...
ملامحه اتبدلت، الصدمة اتحولت لغضب… غضب ناشف، غِليل مكبوت من سنين .. ازاي تبلى بين ايدين غيره !
اتقدم بخطوات سريعة فيها غضب وشد مازن من دراعه بعنف غير ظاهر عشان الشوشرة في البلد ، ونبرته طلعت جامدة، فيها نبرة راجل حاد وقوي ميقبلش بالمهزلة دي .. بصلها لأول مرة من أول ما شافها وقال بغضب
– أنتي بتعملي إيه؟
مازن بعد خطوة عن رضا و وقف قدام جلال مباشرة، وصوته كان حاسم
– مالكش دعوة هي بتعمل إيه…اتكلم معايا أنا..
جلال كان هيتجنن من بجاحتهم وجرأتهم وهاجمه
– أنت نسيت إنت فين وهي تبقى مين ؟
مازن رفع حاجبه شوية، وقال بهدوء فيه نار
– إنت أكتر واحد عارف هي كانت إيه…
وبعدين صوته اتغلظ وكأنه بيقول لجلال رضا خلاص اختارت وضغط على حروف كلامه
_ وقررت تبقى إيه من غيرك...
رامز مد إيده بسرعة وهو شايف عيون جلال هتطلع من مكانها من الغضب والبلد كلها هتتفرج ومش هيقدر يسيطر على أعصابه ، مسك دراع جلال، وقرب منه وهمس له
– اهدا… الناس حوالينا، مش وقته...
_ طب وانت مسيت مين إللي علطول كان بيعلم عليك ..
قال جلال لمازن ومقدرش يمنع نفسه انه يهينه فرد مازن بنبرة احتقار
_ هتفضل طول عمرك كدة ! متخلف ..
_ ادخلوا اتكلموا جوا أحسن هتفضحونا !!
قال رامز وهو واقف بينهم وبيحاول يلم الدنيا قبل ما تكبر .. هو حرفيا شايف في عيون جلال انه بيرتكب جناية دلوقتي .. جلال اتجنن ومش قادر يقول إللي في قلبه .. لو طلع إللي في قلبه أو طلع جلال القديم .. هيهد الدنيا على دماغ الكل ..
أول ما رامز اقترح ان جلال يدخل جوا هنا رضا بصت لمازن ومسكت ايده.. حركة مغابتش عن عين رامز ولا عيون جلال اللي تمنى انه يموت قبل ما يعيش لليوم دا .. هنا بص مازن ليهم وقال وهو رافع راسه ..
_ جلال مش هينفع يدخل بيتنا ..
بيتنا !! الكلمة اترددت على ودن جلال كأنها نار .. لهيب ! .. مازن بيسمع كلام رضا اللي بحركة واحدة بس .. فهمته وفهمها وعرف انها مش عاوزة جلال .. رضا مش عاوزة جلال !! ... عقله مقدرش يستوعب
جلال شد نفسه بصعوبة، لكن عنيه كانت اتعلقت على رضا
هي ما قالتش ولا كلمة ولا ظهر على وشها أي تعبير .. بس رفعت عينيها، وبصتله…في نص عينه.
النظرة دي خبطته في روحه، شالته من مكانه وثبّتته في نفس اللحظة.
نظرة مفيهاش لا خوف ولا ضعف، نظرة خالية كأنه شبح أدامها وكأنها مش شيفاه ...
جلال اتجمّد، وصوته اختفى، وحتى غضبه اختفى وبقى واقف مكانه مش قادر يتحرك... يوم كله صدمات فقد فيه القدرة على التعبير من شدى الصدمات كتير جدا ..
هي سحبت إيد مازن بهدوء، وبدأت تدخل معاه البيت ومازن وراها وبعدين رفع ايده وحطها على ضهرها وأول ما وصلت عند نسيمة إللي كانت واقفة الحسرة في قلبها ... خلت مازن هو إللي ناحيتها والحركة دي حسست نسيمة إنها ولا حاجة وانها مجرد قمامة الدكتورة رضا لا يليق بيها انها تعدي من جنبها !!
جلال ما اتحركش.. منطقش .. ولولا سحب رامز ليه .. كان زمانه فضل واقف ساعات بقه مفتوح من الصدمة ...
________
دخلوا المكتب، الباب اتقفل وراهم، وسكون تقيل كان في المكان كأنه حمل تقيل على صدر جلال... مشي بخطوات مضطربة، عينيه تايهة، وإيده بتشد شعره كل شوية، وكأنه بيحاول ينفض أفكاره اللي مولعة جواه.
بدأ يلف حوالين نفسه زي اللي مش لاقي مدخل للهوى وبيحاول يتنفس بصعوبة ، زي اللي بيصارع فكرة مش قادر يصدقها... مش قادر يستوعب إللي شافه !
– أنا… أنا مش فاهم حاجة…إزاي؟! إزاي قاعدين مع بعض بالشكل ده؟ إزاي مازن… يقعد معاها كده و أنا لأ ؟! وهي ازاي قبلت على نفسها تحضنه وتلمسه ؟!
سكت كأنه استوعب حاجة أخطر وقال بعيون مصدومة
_ معقولة بتعمل كدة دايما ! معقوله بتلمسوا علطول ؟؟ كانت كل السنين دي معاه ازاي ؟؟ دي لسه على ذمتي يا رامز!مراتي!لسه مراتي!
وقف فجأة، واتسند على المكتب بإيده، صدره بيطلع وينزل بسرعة، ووشّه بيحمر، وملامحه بين الغليان والذهول.
لفّ بسرعة على رامز، عينيه بتلمع بالغضب والخذلان، وصوته نزل واطي، لكن مكسور
– أنا هتجنن…والله يا رامز هتجنن. أنا مش قادر أستوعب إنهم كانوا كده… قدامي... دي منطقتش بكلمة ! مبانش على وشها شعور بالذنب ولا بالخوف ولا حتى كسوف من إللي هي عملته .. وقلعت الحجاب إزاي؟ إزاي كل دا حصل !!؟
جلال قالها وهو حاسس إن قلبه بيتقطع، صوته مهزوز لأول مرة، مش عارف يصرخ ولا يعيط، كأنه بيغرق في محيط .. لكن الأخطر انه بيغرق جوا نفسه ! والغرق جوا نفسه كان مؤلم وأصعب بكتير ..
رامز فضّل ساكت لحظة بيتابع حركاته اللي بان عليها عدم الاتزان والجنان والاضطراب ، باصص له بنظرة تقيلة، وهدوء صعب، كأن الكلام بيوزنه قبل ما يطلعه… وبعدين قرب، وقال بنبرة صادقة ومليانة وجع
– ولا تلومها…ولا تلومه...لوم نفسك بس.
الكلمات نزلت على جلال زي الضربة اللي مفيهاش رحمة، جسده ةتشد، وعينيه وسعت، كأنه اتعرّى أدام نفسه ...
رامز كمل، وصوته بدأ يطلع أكتر، لكن مش بالصريخ… بوجع راجل شاف اللي ما يتشافش:
– متعملش نفسك ضحية ومظلوم .. أنت اللي طردتها وهي لسه ما قامتش من النفاس...رميتها… رميت عرضك ومراتك يا جلال... رميت الست إللي بتقول انها لسة على ذمتك ...
جلال حاول يفتح بقه، لكنه ما لحقش… الصدمة في كلام رامز كانت أسبق من أي رد، لسانه اتحبس، وعينه نزلت للأرض، كأنها مش قادرة تواجه الحقيقة.. مش قادر يفتكر إللي عمله كل ما يفتكره يكره نفسه ويكره سنينه ويتمنى انه يموت أو يختفي ...
رامز قرب أكتر، صوته ناعم لكنه حاد
– ما تجيش دلوقتي وتلومها وتعيب فيها وتسألها ليه ما بصّتش في وشك ولا عملتلك حساب .. أنت ياما ظلمت وأذيت .. أنت مخلتش حاجة معملتهاش فيها زمان .. وبعد كل السنين دي جاي تغير وتزعل !
جلال عيونه احمرت وملقاش كلام يقوله وساب نفسه يسمع كلام رامز إللي هيفوقه
_ مستني منها إيه؟تسامح؟تبتسم؟ترجع ليك؟ بعد مل اللي حصل؟
سكت لحظة، وعينيه لمعت بمرارة، وبصله وقال
– أنا نفسي..أنا اللي ما كنتش في مكانك، أنا مش مسامح نفسي لحد النهاردة،عشان كنت طرف في الموضوع ده.
في اللحظة دي، جلال اتجمد. ما بقتش فيه طاقة حتى للغضب. كأن الكلام خبطه على روحه مش على ودنه. وقف ساكت… صدره بيتحرك ببطء، عينه دمعت، بس ما نزلتش… بس كانت باينة.
أول مرة يتهز كده… أول مرة يحس إنه خسر حاجة كانت جوّه إيده… وسابها تروح.
_ متنساش تاخد الدوا وتهدى وتفكر شوية .. أنا هنزل القاهرة هخلص شغلنا وهاجي بعد بكرة .. أتمنى متعملش أي مشاكل لحد ما أجي ..
_ متسيبنيش لواحدي هنا ..
قال جلال بنبرة فيها استنجاد .. لكن رامز قاله
_ مش هسنفع نأجل الشغل أكتر من كدة ..
وبعدين مسك جلال من كتافه وبصله في عينيه وقال
_ أنت اتغيرت .. مبقتش جلال بتاع زمان .. أنت راجل دلوقتي قوي وعندك انجازات وعملت تغييرات كتير أوي.. أنت أهدى من كدة .. عايزك تهدى يا جلال وتدي لنفسك فرصة انك تتنفس .. خلي بالك من نفسك وأنا مش هتأخر وهحاول أخلص بسرعة وأرجع ..
جلال سكت وراح قعد ورا كرسيه ورامز بصله بأسف .. اليوم دا مكانش متوقع انه ييجي .. كانوا فقدوا الأمل انها ترجع وفكروها ماتت ...لكن جلال كان دايما حاسس انها عايشة وموجودة في نفس الدنيا وبتتنفس نفس الهوا اللي بيتنفسه ...
دخلت نسيمة بعد ما خبطت ومعاها كباية فوق صينية ومعاها شريط حبوب وأدوية تانية ..
_ السلام عليكم... معاد الدوا يا جلال ..
مبصلهاش رامز لأنه أصلا مش بيطيقها ولكنه مش بيتعرضلها بأي شكل من الأشكال وخرج ونسيمة بصت في أثره بحقد لأنها هي كمان بتكرهه وبتتمنى يختفي من حياة جلال ...
دخلت نسيمة بعد ما قفلت الباب وادت لجلال الدوا وهو ساكت
_ مش عاوز ..
_ ليه مش عاوز لازم تاخد الدوا .. سكرك مش مظبوط الأيام دي خالص ...
قالت نسيمة بنبرة حادة فبصلها جلال مستغرب لكنها رققت صوتها تاني وقالت
_ امسك يا حبيبي الدوا .. ربنا يشفيك ويجعل تعبك في ميزان حسناتك ..
أخد منها جلال الدوا .. وبعد ما أخده حس انه عاوز يعيط .. عايز ينهار ..
_ تعالى في حضني يا جلال ..
مراحش لكنها هي قربت وأخدت راسه في حضنها .. فضل جلال ساكت .. مقدرش يعيط .. لكنه بادلها الحضن .. قالت نسيمة
_ مش مهم .. أنا عارفة إيه مزعلك .. متزعلش على رخيص .. هي ظهرت على حقيقتها وبانت .. خانتك مع أقرب صاحب ليك وخدته وسافرت ورجعت من غير حجاب ولا حياء تحضنه ادام الناس ..
جلال كان في عالم تاني كأنه مش سامعها فقربت منه نسيمة تمسك خده وتقرب منه كأنها خلاص عايزة تبوسه لكنه بعد وقال
_ أنا عندي مشوار ...
وقام جلال وسابها بعد ما أخد موبايله ومفاتيحه .. وفضلت نسيمة تبص في أثره في نظرات مش متفسرة ... ولكن نسيمة هي أكبر بكتير ..وأخبث بكتير .. مما هي عليه ...
_ أبويا لو شافنا هيعمل إيه؟
_ مش هيشوف حاجة .. أمشي يلا !
دا كان حوار بين الاتنين إللي بيشتركوا دايما في المصايب ..في الكوارث .. إللي هيحيبوا لجلال مرض ثلاثي الأبعاد في يوم !
_ عمر ..
_ أنا عمك يالا
قال عمر ليحيّٰ ... يحيّٰ عض شفايفه بضيق وبعدين بصله بابتسامة صفرا
_ أبويا لو شافني مروح كدة هي !! ..
_ إللي يشوفك كدة يقول متكسر دا يادوب حتة خدش ..
قال عمر باستهزاء وهو بيشرب سجارته فبصله يحيّٰ بخوف ورعب من أبوه وهو بيقول
_ أبويا بيشوف كل حتة فيا ..
_ ياختي حلوة ..
_ متسخفش بقى ..
_ أنا هبقى أكلم جلال .. متخافش مش هيجي جنبك
قال عمر بثقة .. لسة يحيّٰ رايح يتكلم سمعوا صوت خطوات على السلم !! وهنا اتنفضوا هما الاتنين وعمر رمى السجارة من الشباك واترعب هو نفسه فبصله يحيّٰ باستهزاء .. مفيش حد مش بيخاف من أبوه .. مع ان عمر يبان شاب خطر .. بس أدام جلال بيقف احترام ليه ولا يخلو الأمر من الخوف ...
_ هنعمل إيه!! أكيد دا أبويا
قال يحي بخوف فقال عمر
_ لا ان شاء الله لأ
_ طب وستي هتقوله انها شافتنا !
_ دي ستك بترمش بالعافية ..
قال عمر وبعدين راح يبص من الباب وفعلا اتفاجئ بجلال أدامه داخل أوضة جدة يحيّٰ ... أول ما جلال دخل عمر شاور ليحي وقاله
_ هتيجي ورايا تتسحب ورب العزة لو عملت صوت ولا حركة غبية من بتوعك لأرميك في البحيرة !
هز يحي راسه وهو بيقول
_ دا انت ترميني في البحيرة أهون من ان أبويا يشوفني
..
وخرج عمر ووراه يحيّٰ بيتسحبوا وهما حريصين ان ميخرجش منهم أي صوت ولكن أول ما وصلوا للمخرج هنا طلعلهم آخر صوت كانوا يتمنوه ..
_ أنت بتعمل إيه يا بشمهندس عمر !!
_ نعمات لمي لسانك بقى هتفضحينا
قال يحي وعمر غمض عينه وحس ان جسمه كله ارتعد من خضتها ليهم فقربت منهم وهمست عشان محدش يسمع
_ ابوك لو عرف يا يحي مش هيآمني على البيت تاني
_ انتي لسة مروحتيش ليه !
سأل عمر وهو بيضغط على سنانه فقالت
_ الست انجي كانت تعبانة شوية ضربتلي تليفون ..
فيه جهاز جلال جايبه لإنجي .. الجهاز دا بيعمل بطريقة معينة لو انجي رمشت عدة مرات ناحيته بيلقط اشارتها كأنها عاوزة مساعدة .. عليه بيرسل إشارة للشخص ان هي عيزاه .. ودا لأن انجي .. اتشلت بالكامل ! ...
هنا عمر اتخض بشكل غريب وقال
_ ازاي هو الجهاز بتاعها اتصلح ؟ .. حصل ازاي وامتى ؟
قالت نعمات
_ الحاج جلال صلحه ..
هنا عمر اتوتر وعض شفايفه بغموض وسكت وبعدين قالها بنبرة قوية
_ انتي مشوفتيش حاجة يا نعمة هاه
نعمات طبعا اكبر منهم بكتير الفرق مثلا ١٧ سنة ... وبينها وبين عمر ١٢ سنة ... ولكنها كانت زي أختهم الكبيرة .. هي نفسها نعمات القديمة ! ولكنها دلوقتي حكيمة وطيبة ومحترمة ... على عكس الماضي ..
بصتلهم وقالت بابتسامة لطيفة
_ ماشي .. بس براحة وأنتوا طالعيين ولو حصل حاجة هغطي عليكوا
غمزلها عمر وهو خارج
_ عسل من يومك
اتفاجئت وبعد ما مشوا ضربت كف على كف
_ ربنا يهديك يابن كريمة ...
______
_ عايشة ... عايشة ورجعت ...
قال وهو قاعد في الأوضة اللي اضاءتها ضلمة .. إضاءة مايلة للهدوء .. لأ للكآبة .. ولكنها تشبه صاحبتها في روحها وجوها وقتامتها ..
عيونها كانت بتسأله .. بيتكلم عن مين !
_ رضا ... رضا يا مراة أبويا...
قالها جلال وهو بيبصلها بخذلان شديد ...
_ إللي خليتيني أدمرها وأدمر نفسي وحياتي كلها ... رجعت تاني .. طلعت عايشة بعد كل دا .. زي ما كان قلبي دايما حاسس
انجي رغم شللها التام إلا إن الصدمة ظهرت ظهور الشمس على وشها !..
_ هو أنا عملتلك إيه عشان تعملي فيا كدة ! .. هونت عليكي ؟
قال جملته وبصلها .. لكنه كالعادة مقدرش يرفع عينه في عينها.. مش قادر ! مش قادر يبصلها سنين طوال بيبص وعلى عينه غشاوة خوف وخذلان وكره .د مش قادر يرفع عينه فيها ! ..
كلامه زي ماهو .. ليه عملتي فيا كدة ! ..
_ رجعت وعايشة مع مازن .. معاه !
انجي رمشت مرات عديدة وكأنها عاوزة تقول حاجة .. لكنها مبتنطقش .. من بعد السجن وكل اللي حصلها .. فقدت كل حاجة .. وأولهم صحتها ...
_ مصعبتش عليكي لحظة وقولتي دا ابني اللي بضحك عليه وبدمرله حياته ! محبتنيش ولو لحظة في عمرك كله !!
وعيط! .. عيط من قلبه ولكن من غير صوت ... انكسر ادامها للمرة المليون ..
_ مبقتش بتاعتي خلاص وماليش حق أقولها ترجعلي .. ترجعلي ليه وأنا شيطان ! أنا أوسخ من الشيطان كمان ..
قال من وسط بكاه وشكلها وهي بين ايدين مازن مش قادر يفارق دماغه ..
_ يارب تكوني مبسوطة ..
قالها ومسح دموعه وخرج وانجي على كرسيها المخصص لنوع الشلل بتاعها بتبص في أثره وعينيها مفتوحين على الآخر في صدمة ... !
بعد ما خسرت كل حاجة .. خسرت جتى جسدها وصحتها ... لسة بتولع من الحقد والكره في كل مرة يتذكر فيها اسم رضا .. ولكن المرة دي غير ! المرة دي ..رضا رجعت مش بس ذكرياتها ! هي كلها على بعضها رجعت !! عشان تتأكد انجي في اللحظة دي انها الخسرانة الوحيدة في النهاية ! كلهم عاشوا سعداء إلا هي !! ... حست انها هتفقد الوعي فبدأت ترمش كتير بعد ما وجهت نظرها للجهاز وهنا صوت دور في البيت والانوار بدأت تشتعل وتنطفئ وجلال مكانش لسة خرج .. شاف وسمع كل حاجة وعرف انها بتتعرض لأزمة صحية دلوقتي .. لكنه بص بحسرة وخرج من البيت وهو بيقول نعمات
_ هاتيلها الدكتور ..
وخرج وسابها .. قلبه قسي عليها .. كرهها .. بس مفيش ابن بيكره أمه ! خصوصا قلب زي قلب جلال إللي طول عمره كان بيتمنى حبها وانها تهتم بيه ...ولكنه قلبه قسي عليها .. اتكسر .. أكتر صدمة وأصعب صدمة اتعرض ليها كانت صدمته في أمه! ... _ يا ألف حمدلله على السلامة .. افتكرتوا ان ليكوا بيت ؟
اتخض يحيّٰ على الصوت هو وعمر إللي كانوا واقفين في الجراح بيحاولوا يدخلوا من بابه عشان محدش يشوفهم ولكنهم تفاجئوا باللي واقفة مربعة إيديها تبصلهم وهي رافعة حاجبها وكأنها ست ناصحة عجوزة مش بنوتة صغيرة عنها ١٧ سنة !
_ إيه يا يحيّٰ بقيت صايع وبتبات برا البيت ! مين شيطنك كدة ؟
_ اطلعي أوضتك يابت انتي
قال عمر وهو بيبصلها بعيونه الحادة فبصتله باستهزاء وقالت
_ أنا مكلمتكش أنا بكلم أخويا .. لما أبقى أوجهلك كلام أبقى رد
تأفف يحي من أسلوبها أما عمر فقرب منها وقال وهو بيستحلف ليها ..
_ اطلعي يا حياة فوق بدل ما والله هتاخدي علقة تعرفك أصلك
هنا حياة حست باستفزاز واد ايه هو دايما بيقلل منها وبيعاملها بعنف فقالت بقسوة واندفاع
_ أصلي ! أصلي بنت جلال الصواف يا حبيبي الدور والباقي على إللي مش عارفينله أصل !
عمر بصلها وفضل واقف مكانه مردش وبعدين مشي من غير ما يرد ويحي اتصدم من أخته ووقاحتها ...
_ عمر ...
نادى على عمره لكنه مستجابش فقرب من أخته يأنبها
_ إيه اللي انتي قولتيه دا ..
اتوترت وحست بغلطها لكنها كابرت
_ ماهو اللي استفزني ! هو علطول كدة بيتعامل معايا بقسوة وبيطول لسانه عليا .. وبعدين هيعمل نفسه مقموص هو دا بيزعل ولا بيتقمص !
_ بيطول لسانه عليكي !! دا هو إللي مربيكي
قال يحيّٰ وهو بيفكرها ان عمر كان هو سندهم وإللي بيساعدهم ومرافقهم دايما في حياتهم ... لكنها اتهزت وهي بتفتكر حجات مضيقاها منه بغيظ وقالت
_ يربي نفسه الأول بتاع البنات والموتسكلات ..
_ اطلعي اعتذريله ..
_ لأ ..
_ اطلعي بقولك ...
حاولت تعاند ولكنها في النهاية حاسة بغلطها وقسوة إللي هي قالته .. وجات تطلع لقت يحي طالع معاها
_ استني أنا جاي معاكي ..
_ لأ لو جيت مش رايحة .. وبعدين ماما كانت عيزاك أطلع لها ! ...
قالت حياة بعيون حمرا ويحيّٰ بصلها بتعب من أفعالها المتهورة وراح فعلا لنسيمة وهي بصت أدامها بخوف وبعدين طلعت لأوضة عمر ..
دقت على الباب ولكن ملقتش رد .. كانت متوترة ومترددة
_ ما يزعل يعني ولا يتفلق حتى .. يستاهل ..
قالت بينها وبين نفسها لكنها مقدرتش .. وزقت الباب في النهاية ودخلت .. لقت صوت مياة متدفق جاي من الحمام .. وهنا عرفت انه دخل الحمام ..
بلعت ريقها وذاد توترها .. راحت بسرعة ناحية الباب عشان تخرج ولكنها فجأة وقفت وكتافها اتشنجت ..
رمشت كتير .. وبلعت ريقها .. وفجأة لقت نفسها واقفة أدام باب الحمام إللي دان متوارب.. كانت بتبص عليه !
فجأة أدركت اللي هي عملته وخرجت بسرعة من الأوضة وفضلت تجري لحد ما وصلت اوضتها قللت الباب وسندت بضهرها عليه وصدرها بيعلى وينزل في خوف وتوتر ورعب ... ازاي اتجرأت وبصت عليه ... عضت شفايفها وهي بتفتكره .. كانت خايفة و .. حاسة بإعجابها ليه بيذيد .. لكنها افتكرت النصايح اللي خدتها .. انها لو عاوزة حاجة .. لازم تكون جريئة أوي عشان تاخدها .. خصوصا لو الحاجة دي .. كانت عمر !
____
_ أنا مش قولت عمر دا مالكش دعوة بيه خالص !!
صوتها ارتفع بزعيق وجه يحي يتكلم
_ عمر دا عمي
_ عمك منين ؟؟ مسموش عمر الصواف ! مش على اسم جدك حسين ! دا عمر ابن كريمة !
زعقت بصوت عالي وبعدين حاولت تهدي نفسها وقالت بوعيد ليحي اللي واقف ادامها ساكت ..
_ آخر مرة يا يحي .. آخر مرة أشوفك حواليه وإلا والله العظيم هيبقى منك لأبوك وأنت عارف أبوك بيعمل إيه كويس
_ يعني اقاطعه !
قال يحي بصدمة فتنهدت وهدت العيار شوية وقالت وهي بتقرب منه بحنان
_ مقولتش كدة ... بس متآمنلوش .. متقضيش معاه معظم وقتك .. اتفقنا ؟
يحي معرفش يرد وبصلها وهو ساكت فقربت منه أكتر وقالت وهي بتحط ايديها على خده
_ يا حبيبي أنا عايزة مصلحتك! بخاف عليك وبقلق عليك .. أنت وأختك حياتي كلها .. معلش ريح قلب أمك.. عمر دا .. متآمنلوش .. دا مش عمك ولا من عيلتك ولا من دمك .. اتفقنا ؟!
سكت يحي ولكن اصرارها ونظرةتها وطريقتها الغريبة في الاقناع خلته يهز دماغه فابتسمت في وشه باتساع وحضنته وهي بتطبطب على ضهره ..
وقالت
_ المرادي مش هقول لأبوك حاجة .. بس تسمع الكلام .
هز يحي راسه وهو في حضنه فابتسمت أكتر ولكن عيونها زي ماهي .. فيها أسرار محدش يعرفها غيرها .