الفصل العشرين
كانت قاعدة في أوضتها، النور مطفي إلا من الأباجورة الصغيرة جنب السرير... ضيها البرتقالي كان نازل على شعرها اللي سيباه مفكوك بإهمال ، ورغم كدة كان الضي البرتقالي مدي للون خصلاتها دفء غريب، لكنه في الحقيقة ماكنش دافي... كان باين عليه البرد... كان مخلي مشهدها وهي قاعدة لوحدها وبتعيط .. وحدة ! كانت وحيدة ومكسورة خصوصا من علي إللي محاولش يكلمها تاني .. ولا كلمة حتى !
عنياها منفخة شوية من كتر العياط... شفايفها مشققة رغم إنها دايمًا بتحط مرطب وبتهتم بنفسها ولكن خلاص .. ثقتها في نفسها راحت ومبقتش بتحب نفسها ولا بتحب تهتم بنفسها ...
خدت نفس طويل، وبصت على وشها في موبايلها وهي فاتحة الكاميرا الأمامية... بصت لنفسها كتير أوي... شافت عيونها الحمرا... شافت الرموش الملتصقة من الدموع... شافت شفايفها المرتعشة..
وافتكرت وهو بيقول انها عيلة ومش حلوة .. انها مينفعش تبقى ست ... انها رخيصة ! .. افتكرت كل كلامه إللي دمر كرامتها وثقتها بنفسها .. وحست بجرحها بينزف تاني ... اتنهدت تنهيدة طويلة خرجت من ضلوعها وكأنها بتموت جزء منها... فجأة شدت موبايلها وفتحت الكاميرا وقربت الكاميرا منها... بدأت تتفقد شكلها وضغطت على الريموت وفتحت النور والإضاءة .. خدت خصلتين من شعرها وخلتهم نازلين على وشها ، ظهرت رقبتها الناعمة الطويلة، عضم ترقوتها الناعم البارز شوية تحت الجلد الرقيق... قربت الكاميرا تاني... قربت لدرجة إنها شافت دموعها اللمّاعة في عيونها ...
سابت بلوزة البيت اللي لابساها تتحرك سنة لتظهر طرف لبس النوم الداخلي اللي تحتها ... وشها كان بيرتعش... قلبها بيدق بسرعة... إيدها وهي ماسكة التليفون كانت بتترعش خفيف كإنها خايفة من نفسها... "أنا حلوة... أنا حلوة !" ... قالت وهي بتفتح الكاميرا تاني ..
ضغطت زرار التصوير... الصورة اتاخدت... شافتها... شافت عينيها الحزينة اللي ورا كل محاولات اظهار الجمال دي... شافت الطفلة المكسورة اللي جواها، والست التايهة اللي عايزة أي حد يقولها إنها مرغوبة... إنها لسة مرغوبة.نزلت الصورة ستوري على الإنستجرام إللي كان عبارة عن حساب مزيف بتتابع منه علي .. وأول مرة تستعمله بجد ... قلبها كان بيدق وكأنها عملت جريمة... قعدت دقايق، نفسيتها معلقة بين الرعب والإثارة والفضول... ولكنها هزت راسها لما جات تبص على الصورة وحستها جريئة شوية وضغطت على ذر الحذف ولكن فجأة دخل عليها حد من الباب فاتنفضت على السرير وهي بتبص
_ مش هتقومي تشوفي أبوكي؟ أبوكي متعور والله أعلم مين عورته !! كان صوت نسيمة وهي بتعرفها إللي حصل فبصتلها حياة واتخضت وقامت من مكانها _ إزاي؟؟ بابا ماله !!
_ متعور من رقبته .. معرفش كانت عايزة تدبحه ولا إيه قالت نسيمة فنطقت حياة بخوف وقلق على أبوها _ يا حبيبي يابابا !! معقول تعمل فيه كدة ؟؟؟!ردت _ تعمل وتعمل أكتر من كدة كمان .. دي تربية شوارع .. بس أبوكي عمره ما هيقول حاجة .. خليه كدة دلدول الست !!
لكن حياة مستنتش تسمع باقي الكلام وجرت على اوضة أبوها عشان تقول نسيمة بصوت عالي وهي واقفة وراها
_ أبوكي في أوضتها يا قلب أبوكي .
اتصدمت حياة ولكنها راحت لأوضة رضا ودخلت علطول .. توقعت انها تلاقيها ولكنها ملقتهاش .. دخلت لقت بباها نايم في السرير وغرقان في النوم .. قربت منه وبصت لملامحه المرهقة وللجرح اللي في رقبته المتغطي .. حست بألم عشانه أوي وحطت ايدها على شعره .. أد إيه حياة بتحب جلال .. بتحبه وبتموت فيه .. هو كل العالم بتاعها .. ولكنه للأسف بدا يتغير عليها من ساعة ما الدكتورة ظهرت ! .. محبتش تصحيه وحبت تسيبه مرتاح لأنها عارفه انه مش بينام كتير وطول الوقت مشغول .. كانت حابة انه نايم ومرتاح .. ولكنها فجأة لقت حاجة متعلقة بإيده .. بتبص لقيتها بلوزة ! .. قربت تفرد البلوزة شوية من غير ما تسحبها من إيده ... وهنا لقتها انها بلوزة نسائية وواضح انها كانت ملبوسة ومش مغسولة !
حست بغضب شديد بيزيد جواها .. معقوله ابوها بقى طفل للدرجة إللي يسمك فيها بلوزة واحدة ست عشان يتكمن ويغرق في النوم بالشكل دا !قامت حياة وفي عيونها دموع .. دموع نزلت منها وهي خارجة ومش قادرة توقف نزيف قلبها ! يعني إيه أبوها بيحب واحدة تانية أكتر منها وبينام على ريحتها ؟ ألف شعور كان جواها وكلهم كانوا قاسيين ووحشين جدا وهي بتجري لأوضتها سمعت صوت نسيمة اللي اتفاجئت بيها وهي خارجة بتعيط _ حياة !!
لكن حياة مستاجباش دخلت أوضتها وقفلت على نفسها وانهارت في العياط .. وبعد دقايق .. اتعدلت وراحت لسريرها ولسة بتفتح تليفونها
بدأت الريأكتات تيجي والظاهر انها محذفتش الصورة ... قلب أحمر... نار... عنين بقلوب... "قمر"، "إيه الجمال دا"، "هتجننا والله"، "يا بخت اللي هيبقى معاكي".ابتسمت فجأة ... ابتسامة مكسورة جدًا... ودموعها كانت لسة في عينيها... بس عنيها فضلت نازلة لتحت، بتقرأ... بتدور على حاجة معينة... حاجة مش بس كلمة حلوة أو معاكسة ... افتكرت كلام نسيمة .. ولد غني ومعاه فلوس وحلو وأحسن من علي !!!
وبعدين شافته...
صورة بروفايل كلها ثقة... شاب دقنه مرسومة، شعره غامق وكثيف، عينه سودا واسعة ونظرتها تقيلة... تيشرت أسود لازق على جسمه العريض، وعربيته باينة وراه... عربية فارهة جدًا لونها أسود مطفي... باين إنه أكبر منها... أكبر منها بكتير.
رسالة بسيطة جدًا
_ إيه القمر دا؟... هو فيه حد بالخطارة دي ..
فضلت عينيها معلقة على الرسالة... قلبها كان بيدق بسرعة، بس ضلوعها باردة ... فيه رعشة صغيرة عدت في جسمها كله... رعشة غريبة... مش بس إثارة... كان فيها وجع...
ترددت حياة .. وبعدين افتكرت فجأة كل حاجة حصلت آخر فترة !!
فتحت شات الرسالة... إيدها تقيلة... عنيها بتدمع وهي بتكتب
"وأنت أخطر."
بعتت الرسالة، وقبل ما تقفل، سابت التليفون على صدرها... عينيها ثبتت في السقف... شافت حياتها كلها... شافت حلمها القديم بالحب... شافت كلام علي وهو بيهينها... شافت الخوف اللي كان في عينيها وهي واقفة قدامه عريانة... شافت نفسها دلوقتي وهي بتدور على رضا عابر... أي رضا... حتى لو من غريب..
شافت أبوها إللي نساها وبقى ملهوف على واحدة تانية ...
غمضت عنيها... ودموعها نزلت ببطء على خدها ....
___________________________________________
كانت قاعدة قدام مازن في أوضة المكتب قاعدة على الكنبة العريضة المريحة ، ريحة البرفان التقيلة بتاعة مازن مالية المكان والأنوار الدافية مخلية الجو مريح ..
عينيها كانت باصة ناحية مازن وهو بيتكلم ، بس عقلها بعيد... بعيد أوي... هناك.
عند جلال.
افتكرته... افتكرت صوته وهو قريب منها، صوته المبحوح الخشن اللي بيهز قلبها من غير ما تحب تعترف بده...
افتكرته وهو ماسكها من ضهرها بقوة... شاددها ليه، وصدره بيتحرك بسرعة من شدة نفسه، وقال بنبرة تقيلة وعيونه مغمضة على رقبتها
_ أنا مش مصدق إني بقول اسمك .. رضا !
قال اسمها ببطئ كبير وهو بيستمتع بنطقه ... مسحور وولهان وطاير في السما وهي بين ايديه !
اتخدرت وهي بتفتكر شفايفه وهي بتلمس رقبتها... قبلات خفيفة... هادية... متقطعة... بين كل كلمة وكلمة... بوسة سريعة وعيونه شبه مقفولة وصوته مبحوح.
_ معجزة من ربنا إني فضلت عايش من غيرك للحظة دي ! ..
قال جلال بهمس ..
جسمها كان ثابت... ولا نفس بيتحرك منها... كأنها اتحولت لحجر في حضنه... حجر دافي بيطلع نار من جواه... نسيت نفسها... نسيت كل حاجة... كل وجع، كل خطط، كل كره... مافضلش غير لحظة واحدة... لحظة ست مع راجل بيعرف يملكها بكلمة..
لكن رضا... عمرها ما بتنسى... ضغطت على جرحه بإيدها، حسيت بإيده وهي بتتراخي عنها، حسيت بتنهيدته الموجوعة، بصوته وهو بيتحشرج، وشه بيتشد بألم.... لحظتها بس رجعت لوعيها... فلتت منه بسرعة... وقامت تبعد.
– رضا!
صوت مازن قطع شرودها، رفعت عينيها ليه... شافته قاعد قدامها بيبصلها بهدوء تقيل، عيونه بتراقب كل تفاصيلها.
– نعم؟
– سرحانة في إيه؟
سكتت شوية... وبعدين رمشت ببطء وقالت بصوت هادي جدًا
– مفيش يا مازن... بس... كنت بفكر.
ميل بجسمه لقدام شوية وقال
– بفكري في إيه؟
اتنهدت... وبصتله بهدوء، ملامحها ساكنة، بس جوا عينيها لمعة انطفت من زمان ..
– بفكر... هو إزاي... عارف يلعب بيا كده.
مازن بص ليها وهو ساكت وما قالش كلمة...
_ ليه عمل إيه ؟
سأل مازن وهنا رضا استوعبت انها قالت جملة مكانش ينفع تقولها ولكنها تهربت من مازن وهي بتقول ..
_ إزاي عرف يجرح نفسه في لحظة دا كان ممكن يدبح نفسه !
بصلها مازن وبعدين دقق في عيونها وكأنه عارف ان مش دا إللي هي كانت عاوزة تقوله وخاف ! خاف تكون مخبية حاجة خطيرة لو عرفها تجرحه وتكسر قلبه ..
_ أنا هعمل قهوة ..
دا إللي قاله مازن وبعدها قام
وهي سكتت... وطولت في سكوتها... دماغها رجعت تاني لريحة جلال ... للحرارة... لصوته المبحوح... ولمساته اللي بتحرق كل ذرة في قلبها مهما حاولت تطفيها.
وفي اللحظة دي... كانت عارفة إن مهما حصل... جلال عمره ما هيبقى راجل عادي في حياتها...
رجع مازن وادالها القهوة ووقف بيشرب قهوته، وهي قاعدة على الكنبة، ساكتة، قطع الصمت بينهما صوته الهادئ القوي
– الجرح... عامل إيه؟
رفعت عينيها ليه بهدوء، وقالت بنبرة محايدة جدًا
– عادي... بس لسه ملمش.
مازن فضل ساكت شوية، وبعدين تنهد وراح ناحية المكتب الصغير اللي في الركن، فتح الدرج وطلع منه علبة دوا لونها أبيض وأخضر.
– دا... طلبته مخصوص... جابه المحامي وهو جاي من القاهرة.
مد إيده بيها ليها، بصت للعلبة وبعدين رفعت عينيها لوشه، خدتها من غير كلام، لمستها بإيدها كأنها بتجس حرارتها وبعدين حطتها جنبها من غير ما تبص عليه تاني.
قال بنبرة هادية، وهو بيرجع يقعد قدامها
– هيعالج الجرح بسرعة... وهيمنع أي التهابات.
سكتت لحظة، وبعدين قالت وهي بتبصله
– المحامي قالك إيه؟
مازن حرك راسه بإيماءة صغيرة وقال
– خلص كل الإجراءات... وهنبدأ التنفيذ الأسبوع الجاي.
فضلت ساكتة... عينيها بتلمع بس مفيش دموع نازلة... وبصتله أخيرًا، وعينيها فيها لمعة باردة وهي بتقول
_ يعني قربنا نخلص من الكابوس دا
هز راسه بالموافقة وبعدين قال
– وحضر ورق طلاقك .
مازن بص ناحيتها بهدوء، وقال جملته ومستني يشوف ردة فعلها ...
اتسعت ابتسامتها شوية... ابتسامة مفيهاش ولا ذرة فرحة... ابتسامة ساكنة، وقالت بنبرة هادية جدًا
– كويس... بس... أنا مش هسيبه كده.
اتكأ مازن بظهره على الكنبة، وبص ليها بنظرة طويلة، وسألها بنبرة مفيهاش ولا أي انفعال
– بتفكري في إيه؟
بصتله رضا... عينيها لمعت بخبث هادي وهي بتقول
– مش مهم... هتعرف بعدين.
وبعدها وقفت، لمّت طرحها على شعرها، وخدت علبة الدوا بإيدها، وبصتله من غير ابتسامة وقالت:
– أنا همشي عشان متأخرش ..
مازن ما قالش ولا كلمة... بس عيونه فضلت متابعاها وهي بتخرج... ماشية بخطوات هادية، ثابتة، وورا كل خطوة كانت فيه خطة... وخلف كل خطة... كان فيه انتقام أكبر من أي طلاق... طلاق ! بعد كل إللي حصل ؟ وتسيب نسيمة كدة ؟ .. لأ.. لازم تحرق قلوبهم زي ماحرقوا قلبها ..