الخادمة الصغيرة "الجزء الثاني"
الفصل 2112 د متبقية
الفصل 21

الفصل الواحد والعشرون

12 د قراءة

كان صباح اليوم مختلفًا…

الشمس طالعة ولونها جميل والجو منعش وبرودة خفيفة بتملى الهوا حوالين المزارع والأراضي الخضراء الواسعة الممتدة قدام عيون جلال... جلال إللي قام خلاص وبطل دلع وتمثيل على رضا انه تعبان أوي ومش قادر حتى يقوم خصوصا انه حس انه اتكشف لما باتت برا الأوضة وسابتها ليه لواحده .. فقام بقى يشوف شغله تاني بعد ما كان مستغل الوضع ..

كان واقف هناك من الفجر… لابس جلابيته الغامقة النظيفة وكوفية خفيفة حوالين رقبته عليها آثار اللاصقة الطبية اللي حطها بنفسه الصبح…

جرحه بدأ يلم خصوصا بعد الدوا اللي  جابتهوله رضا من يومين من عند مازن … لكن احتياطًا لزق عليه لزقة طبية عشان يحافظ عليه من التلوث وهو بيتنقل بين عماله ويشرف عليهم بنفسه.

صوته كان هادي لكنه حازم، خطواته تقيلة وواقفة على الأرض بكل ثقة وكبرياء.

بيشاور هنا، وبيدي أوامر هناك، وبيراجع حسابات المزرعة ومخططات المشاريع الجديدة في الاستثمار العقاري اللي بدأ يدخل فيها بقوة.

كل الناس كانت بتهابه وبتسمع كلامه من غير نقاش.

هو مش بس فلاح أو صاحب أراضي…

لأ…

جلال الصواف كان بقى اسم كبير جدًا… ورجل أعمال كبير في مجاله…

طول الساعات اللي فاتوا كان شغال ووشه مرفوع ومركز تمامًا…

لكنه رغم كل الانشغال دا…

عينه كانت بتدور حواليه بهدوء… بيدور عليها…

على رضا.

رجع البيت على الساعة عشرة الصبح تقريبًا…

فتح باب الصالون الكبير بخطواته التقيلة…

وهنا…سكن كل شيء قدامه للحظة.

كانت قاعدة هناك…رضا.

قاعدة في المجلس ، لابسة بلوزة وجيبة وحواليهم حزام ملموم على وسطها بشكل انسيابي وجميل، شعرها واقع بنعومة على ضهرها، ووشها هادي ورايق وهي شابكة صوابعها حوالين كوب مج حراري فيه قهوتها.

ريحة البن كانت مالية المكان…

لكن ريحتها هي اللي شقّت ودخلت قلبه بنعومة وأمان وسكينة…

قلبه اللي مهما شاف قسوة وقسى .. عمره ما قدر ينساها ولو لحظة .. قلبه إللي بيتقطع ندم عليها ! ..

نسيمة كانت قاعدة قصادها…بتبص لها بنظرات كلها سم وتحدي وحاطة رجل على رجل …

لكن رضا مكانتش شايفاها أصلًا.كانت ملامحها كلها هدوء وثقة وعنفوان…

وشها مرفوع ومهتمية بيه وباين عليه مترطب وبيلمع كدة  وكأنه فوقه نور وهي مش مهتمة غير بقعدتها، وكأن نسيمة دي مجرد هوا في المكان.

وهنا…دخل جلال وتقدم بخطواته .

صوت خطواته التقيلة على السيراميك خلّى رضا ترفع عينيها ليه…

أما نسيمة فاتجمدت مكانها.

كان داخل بشموخه المعروف، جسمه عريض، طوله ظاهر أكتر وهو لابس جلابيته، وريحة عطره الرجالي الدافي كانت طالعة من جلده نفسه.

وقف قدامهم…بس عينيه ما شافوش حد غيرها هي... وجلال عموما مبقاش شايف أي حد غير رضا وبس حتى ولاده تقريبا نساهم رغم انه طول عمره بيهتم بيهم اهتمام شديد جدااا !! ويمكن دا إللي خلاهم بيبحثوا عن الحرية لأنه مضيق عليهم الخناق !

ابتسم ابتسامة واسعة دافيةوهو بيتصبح بوشها … ابتسامة راجل بيحب واحدة حب ملوش وصف…

وقرب منها بخطوتين هاديين قوي…

وقال بصوته الرجولي الهادي اللي خلى قلبها يدق بالعافية

– إيه النور دا كله؟…منوّرة…منوّرة البيت… والبلد … ومصر كلها والله..

رضا بصت له…

عينها اتأثرت شوية من كلامه… بس بسرعة أخدت نفسها وابتسمت ابتسامة خفيفة… ابتسامة ست عارفة قيمتها كويس قوي ومش مستغربة الغزل ولا متفاجئة من الكلام الحلو دا …

توسعت ابتسامة جلال أكتر وهو بيبصلها وهي بتبتسم وشكلها مبسوطة منه .. لكنه ميعرفش انها مبسوطة علشان الرخيصة إللي أدامها كل يوم بتعرف انها ملهاش قيمة ادامها ..

ولكن أيًا كان السبب وراء ابتسامة رضا… فهي كانت بتهز قلبه وترجّه وهو واقف قدامها...

جلال مد إيده بهدوء، وبص لنسيمة ثانية صغيرة بنظرة باردة جدًا ومقالش حاجة وهنا نسيمة عينيها توسعت من الصدمة وقلبها دق بسرعة .. جلال من غير ما يعمل حاجة خلاها تتمنى لو الأرض تنشق وتبلعها من الخيبة والصدمة !

رجع يبص لرضا، ولما شافها هتمد إيدها عشان تحط كوب القهوة على الطاولة وهتوطي … مد إيده بسرعة وخد الكوب منها بهدوء عشان يريحها وميخليها تبذل أي مجهود

هي بصت له باستغراب خفيف…لكنه قرب من إيديها وبص في عيونها وهو مايل بجزعه عليها …

ومسك صوابعها الرقيقة الكبيرة بين صوابعه القوية…

ورفع إيدها بكل هدوء وباسها من ضهرها قبلة طويلة جدًا…

قبلة دافية…

اتفاجىت من فعلته لكنها بصتله بابتسامة ثقة وهدوء وهو قالها بهمس وصل لنسيمة

_بحبك… وبعشقك… ومقدرش أعيش من غير رضاكِ عليّ...

كانت نسيمة قاعدة تتفرج والشرار طالع من عينيها…

لكن جلال ما بصّش ليها أصلاً…

كل تركيزه كان على رضا اللي بصت له بنظرة فيها شوية خجل، وشوية تشفي، وشوية حب وكبرياء أنثوي… كلهم مع بعض في نظرة واحدة بس...

جلال قال بنبرة كلها حنية

– صباحك فل يا ست الستات… يا أغلى وأجمل خلق الله.

هي ابتسمت ابتسامة دافية جدًا…

ابتسامة حقيقية من كلامه مقدرتش تمنعها ومهما كان كرهها لجلال .. إلا إن كلامه غصب عنه تسرب لقلبها وانه مقدرش غيرها ولا ميز غيرها .. خلاها تحس بفرحة في قلبها .. حتى لو فرحة صغيرة ودفينة .

وهو…وقف قدامها لدقايق وهو لسه ماسك إيديها، حاسس إن نفسه يعيش كدة باصصها ولامسها بس ..

_ خدي عمري كله بس افضلي اضحكي وابتسميلي كدة ! ...

قال جلال بعيونه الشقية وهو بيبصلها وهي ضيقت عيونها ! جلال الصايع إللي جاي يلعب بكلامه الحلو وياكل دماغها بكلمتين ..

_ دول مش كلمتين من بتوع جلال .. دا أنا عمري كله بيتلخص في اللحظة دي !

نسيمة حسّت قلبها بيتحرق في مكانه…بس محدش اهتم…

لأن رضا وجلال كانوا لوحدهم في عالمهم…

عالم مفيهوش غيرهم....

لكن رضا ابتسمت بسخرية وشاورلته بعيونه انه يقعد وكأنه بتقوله" مش هتضحك عليا بكلمتي" ..

_ طب تعالى اقعد اقعد .. عملت إيه في الأرض؟

جلال اتنهد وحس بغصة في قلبه انها مش قادرة تصدق حبه أو كلامه الحلو ..ولكنه قعد جنبها ورضا مخافتش ولا اتهزت ورفعت حاجبها تسمعه وهو بيتكلم عن مشروع الوصية ..

وهنا نسيمة إللي كان قلبها بينزف وهي بتفتكر كل كلمة جلال قالها لرضا ادامها .. تعبيره عن حبه .. انه ينحني ويبوس ايديها .. اتمنت انها تولع في رضا وهي عايشة وتعذبها لحد الموت  !! ... فكن لما جلال قعد وجات عيونها في عيونه حاولت تسحب منه أي كلام بدل ما رضا تاخده ليها لواحدها ولسة بتقرب وبتقول

_ صباح الخير يا حاج !

_ عايز قهوة !

دا كان رد جلال إللي خلى رضا تضم شفايفها على بعض في تفشي وتوسع عيونها مزهولة بتمثيل مبالغ فيه عشان تقهر نسيمة وتأكد على احراجها والإهانة إللي اتعرضت ليها !!

_ حاضر ياحاج ..

ما كان من نسيمة إلا انها تقول كدة وتقوم تمشي جري على المطبخ وهي أصلا كان نفسها تهرب بأي شكل !!! ..

نسيمة اول ما دخلت المطبخ جرت على الخرامة توقع كل حاجة من عليها بعنف شديد وهي بتنهج من الغيظ والحقد وشدت حجابها قلعته وفضلت تتنفس بصعوبة شديدة وعينيها كلها بقى لونها أحمر من الحقد وهي بتنوي جواها لنوايا .. ابليس كان شريكها فيها !! ...

________

جلال شرب قهوته إللي جابتها نسيمة ومشت وكان بيتكلم مع رضا وبيشرحلها كل حاجة هتتعمل وبعدين أنهى كلامه وهو بيقول بنبرة هادية لكن وراها حسم رجالة الأعمال

– ومازن هييجي النهاردة ينزل معايا… معادنا كمان ربع ساعة.

رضا كانت قاعدة قدامه، رجل على رجل، بتلعب بطرف شعرها بخفة وهي بتقول بحدة فيها استنكار

– ومحدش قالي ليه؟

رفع جلال عينه عليها وقال بنبرة فيها لمحة سخرية حادة

– ليه؟ هتنزلي وسط الرجالة؟

ردت بسرعة ونبرتها عالية شوية

– آه أنزل! دي كانت أمي!!

رد عليها من غير ما يرمش

– لأ… مش أمك.

اتنهدت رضا بعمق وقالت بصوت هادي لكن جواه وجع دفين

– ولا فريدة كانت أمي!… بس الظاهر إني جدعة بزيادة طول عمري ومبنساش المعروف.

سكت جلال لحظة وهو بيبصلها بنظرة تقيلة… فيها حاجات كتير… إعجاب، انكسار، غيرة، حزن…

وبعدين قال بنبرة أهدى .. غيرة لأنها عاوزة تنزل عسان مازن وحزن لما فكرته باللي فات ختى لو بجملة واحدة ! ... حاول يهدى ويتكلم بهدوء وبالعقل ويقنعها تقعد

– وانتي لما تنزلي معانا في عز الحر والتراب والقرف كده هتبقي جدعة؟… دي بهدلة على الفاضي… اقعدي هنا و ارتاحي خالص وكل الأخبار هتجيلك

رفعت رضا راسها ببطء وقالت بعنادها الهادي

– أنا عايزة أشوف مازن.

اتعصب جلال وكان هيطق من الغيرة

– رضا…

– أميرة!

صححتله بنفس أسلوبه فهز دماغه وهو بيقول بصوت مبحوح فيه اعتراض

– لأ… هي رضا!!… أميرة دي اسم سخيف جدًا.

بصلته بنظرة طويلة وقالت ببرود قاتل

– مطلبتش رأيك!!

ابتسم ابتسامة صغيرة جدًا… ابتسامة راجل عارف إنها لو قالت كلمة خلاص، فأنهى الحوار بهدوء

– خلاص… تعالي.

ردت عليه بسرعة وهي بتقوم بكبرياء

– كده كده كنت هاجي… أنا كنت ببلغك مش بطلب الإذن.

وقفت رضا وراحت أوضتها بسرعة…

جابت تليفونها من على الكومود ووقفت شوية قدام المرايا…

بصت لنفسها وهي بتظبط شعرها حوالين رقبتها…

خرجت تاني وهي ماسكة شنطتها الصغيرة…

وقفت قدامه… عينيها بتلمع بالعند والقوة اللي عمره ما هيقدر يكسرهم فيها…وقتها رفع عينه عليها وبص لها ببطء…

نظرة عيننه كانت عنيفة جدًا…نظرة راجل مش راضي… غضبان…لكن بيكتم غضبه جواه…

قرب منها بخطوة كانت خطوة تقيلة، مليانة رجولة وثقة ونبرة امتلاك...

قبل ما تنطق، قال بصوته الخشن الهادي:

– ورجليكي…

عينه نزلت ببطء على الجيبة وقال بنبرة منخفضة لكن تقيلة:

– رجليكي اللي باينة من الجيبة دي؟

اتشدت رضا شوية، وقالت بنبرة عادية بس فيها لمحة من التحدي

– الجيبة مش قصيرة… دي عادية.

جلال خبط لسانه بسقف بقه بهدوء وهو بيبص بعيد للحظة، كأنه بيحاول يكتم غضبه…وبعدين رجع بص على عينيها تاني…قرب منها بخطوة…

كانت الخطوة دي لوحدها كفيلة تخلي قلبها يدق بسرعة…وشه كان قريب…

عينه غامقة جدًا وهو بيقول بنبرة خالية من اللطف …

حدة نابعة من غيرة راجل مبيعرفش يخبّي غيرته

– اطلعي… غيريها.

كان بيضغط على كلامه فرضا رفعت حاجبا وقالت بسرعة

– أنت بتأمرني يعني ؟

قرب منها أكتر… لحد ما بقت عينيه قدام عينيها مباشرة…

صوته خرج هادي… دافي… لكن فيه غيرة قاتلة مخلوطة بحنان راجل عمره ما حب ست زيها

– لأ… مش بأمرك…بس لو غيرتيها هيكون أحسن…

وتعرفي تمشي براحتك وتتنقلي وانتي مرتاحة من غير مساعدة حد …وأنا كمان هكون مرتاح.

عينيه كانت بتلمع بغيرة وخوف وشوق… كلها في لحظة واحدة... لكنه حاول يجيبها باللين وسيطر على وحشه الغاضب جواه ..

رضا بصتله شوية…سكتت وكأنها بتفكر في كلامه لكن مكانش فيه أي ملامح على وشها

وبعدين اتنهدت بهدوء، لفت ومشيت من غير ولا كلمة…

طلعت أوضتها، غيرت لبسها… لبست بنطلون واسع مريح وشميز خفيف بسيط…ربطت شعرها بسرعة وجابت نضارة شمس كبيرة وكاب عشان الشمس …

وبعد خمس دقايق، نزلت تاني.

لما نزلت، لقت جلال واقف مكانه…بصلها… ابتسم ابتسامة صغيرة…ابتسامة مرتاحة وهو شايف ان حتى شعرها اتلم وبقى تحت الكاب من غير ما يطلب وحس براحة كبيرة وقلبه اللي كان بيتحرق من الغيرة وهي كاشفة شعرها هدئ جدا .. …

قرب منها وقال بهمس رجولي عميق

– كده أحلى…أحلى بكتير…

_ مالكش دعوة أحلى ولا أوحش

قالت تمنعه من التغزل فيها فالتزم باللي قالته وشاورلها باحترام

_ اتفضلي ياست الكل .

مشيت رضا أدامه بثقة وبعدين جلال فضل ماشي وراها فحست بحاجة غلط .. بصت لقت جلال بيتعدل وكأنه كان مايل بيبص على حاجة !!… غمضت عينيها بغضب لما فهمت ورجعتله ضربته في كتفه وقالتله

_ امشي أنت أدامي

رد جلال ببراءة

_ وأنا عملت إيه !!

_ استعبط استعبط ... أنا هخزألك عينيك الاتنين

قربلها جلال وقال

_ طب مفيش شميز أطول من دا ؟؟؟

ضربته في جنبه جامد بالبوكس فاتألم وضحك وصوته في بجه وطلعت هي سبقته جري على العربية

أما جلال فضحك غصب عنه من كسوفها ومن غضبها كمان وانها كشفته وعرفت انه كان بيبص على جسمها ..

ركب جلال جنبها في العربية وهي كانت لابسة النضارة والكاب ومربعا ايديها على صدرها ووشها مكلدم كدة فقالها وهو بيدور العربية

_ مكونتش ببص على جاجة أنا كنت ببص عشان أشوف بس لو فيه حاجة غلط في اللبس مش أكتر

_ أخرس وسوق وأنت ساكت

قالت رضا بغضب فقال جلال ببراءة مزيفة

_ دا جزاتي يعني!! ... ماشي يا دكتورة .

مكانتش طيقاه وهو دور العربية وراح بيها للأرض وكان حاسس بغضبها ناحيته واضح وصريح طال الطريق لحد ما وصلوا وشاف مازن واقف جنب عربيته ادام الأرض والمعدات والعمال وكل حاجة جاهزة وبدأوا كمان يعملوا الأساس بعد ما عملوا تخطيط للمشروع بتاعهم تحت اشراف المهندسين طبعا ....

وأول ما رضا شافت مازن والعربية وقفت جرت بسرعة من العربية تروح عند مازن واول ما وصلت سلمت عليه وضحكتله أحسن ضحكة في الحياة !

_ يابن الكلب يامازن الضحكة دي كلها ليك أنت! .. دا أنت لازم تسافر النهاردة قبل بكرة !!!

قال جلال وهو بيبصلهم وقلبه واقع في رجليه من الغيرة والغضب في نفس الوقت وحس ان روحه هتروح منه لو اللي اسمه مازن فضل حواليهم كتير !!! ...

--___-

.حرفيا ضحكته له مختفتش من على وشها وهي واقفة جنبه وهو كمان كان مبسوط أوي انه معاها ونسى المهندسين إللي جنبه ونسى كل حاجة وركز معاها هي .. مازن اللي كان واقف جنب عربيته، لابس تشيرت أسود وبنطلون جينز غامق، شعره منكوش شوية من الهوا لكنه كان واقف واثق زي العادة....

جلال كان واقف جنب العربية، ايده متعلقة على الباب وقلبه بيدق بسرعة رهيبة من الغيرة… حس إن روحه بتتسحب من قلبه وهو شايف الضحكة دي مش ليه… ضحكتها دي بالنسباله حياة… وكونها بتديها لحد غيره… كان بيقتله.

دخل معاهم للأرض، كان فيه كرافانات صفوها على الجنب للمهندسين والعمال، مجهزة بمكاتب وتكييفات وأماكن راحة عشان يعرفوا يشتغلوا على نظافة... العمال كانوا لابسين يونيفورم موحد لونه بيچ فاتح وعليه لوجو الشركة بتاعته… مهندسين شغالين بتخطيط، ناس بتراجع، ناس بتنفذ… كل حاجة ماشية بنظام يشرح القلب.

جلال ومازن وقفوا مع المهندسين يراجعوا التفاصيل، جلال واقف بعنفوانه وهدوءه المهيب، صوته ثابت وكلامه مختصر وواضح… مازن كان بيرد على أسئلة المهندسين بسرعة وبديهة، والمهندسين متمكنين وعارفين كل نقطة وبيشرحوها رغم انهم تناقشوا كتير قبل كدة ولكنه بردو بيشاركوهم كل خطوة .. . رضا كانت واقفة وراهم شوية بتسمع وبتتفرج… بس بعد شوية زهقت.

لفت وشها وبصت حوالين الأرض… الشمس كانت طالعة وبتلمع في التربة اللي لسه مروية في الأراضي المجاورة للأرض اللي بيبنوا عليها ، الريحة بتاعة الطين المبلول بالمياه كانت مريحة للأعصاب بشكل غريب… مشت بشويش، رجليها بتغرز شوية في الطين الخفيف وهي ماشية لكنها تصالحت مع الموضوع وبالعكس .. حست بسلام .. السلام إللي كان جوا رضا الصغيرة رغم كل حاجة صعبة مرت بيها .. لكنها كانت عاية في سلام وراحة وحرية … فضلت ماشية لحد ما وصلت ناحية مزرعة صغيرة على الجنب...

العمال لما شافوها سابوها تدخل وهما عارفين هويتها انها مراة الحاج جلال الصواف ، دخلت من الباب الحديد المفتوح وشافت الخضرة.… صوب كبيرة متغطية بالبلاستيك الشفاف، جواها صفوف طويلة من الزرع… ريحة النعناع والريحان كانت مالية المكان ودي أكتر حاجة عرفت تميز روايحها … في مكان تاني فيه ري شغال بتنقيط، منظر مريح للعين بشكل غريب… والعمال شغالين بهدوء، كل واحد عارف شغلته، لابسين نظيف وعندهم قفازات وأدوات حديثة بيستعملوها علشان تخفف جهدهم وتذود الانتاجية وتحميهم كمان وكل حاجة متنظمة وماشية براحة وبهدوء عكس زمان كل حاجة كانت شبه عشوائية والفلاح كان بيتعب جدا عشان يعمل أي حاجة في الأرض... ولما شافت العمال والفلاحين الغلابة بيشتغلوا وهما مرتاحين وشكلهم نضيف ... هنا بس عرفت ان البلد فعلا اتحسنت مش مجرد شكل وطُرق وخلاص !

كانت واقفة منبهرة…ومحسّتش بالحركة وراها…

– عجبك؟

لفت بسرعة، اتخضت شوية لما شافت جلال واقف… كان واقف وراها على مسافة قريبة، ايده في جيبه وبص لها بنظرة هادية، عينه سايبة الشمس تدخل فيها وتلمع خطوطها العسلية اللي جوا لون عيونه... جلال اللي شافها وانتبه على غيابها رغم انشغاله مع الرجالة والعمال والمهندسين وساب كل حاجة وراح وراها ...

اتهزت شوية لكنها حاولت تخبي ده وقالت بصوت واطي وهي بتبص للمكان تاني والمكان مديها شعور بالسلام 

– انت اللي عملت كل ده ؟

ابتسم ابتسامة صغيرة جدًا… ابتسامة راجل عارف قد إيه ربنا كرمه وأد إيه هو اجتهد وطور وعمل فرق ، لكن في نفس الوقت متواضع جدًا…

– كلنا أسباب يا رضا… مجرد أسباب… والفلاحين رزقهم من عند ربنا.

فضلت تبص حواليها، كانت بتحس بدقة قلبها بتعلى من إحساسها بالفخر… وفجأة لقت جلال بينادي على عامل بيقوله يجيبله حاجة معينة… العامل جاب أداة زراعية شبه الشوكة العريضة الصغيرة، بتستخدم للتقليب حواليين الزرع وتنضيف التربة.

مسكها جلال وقرب منها وقال بابتسامة دافية

– جربي… امسكيها كده… شوفي هتحسي بإيه

ابتسمت رصا بسخرية ونبرة حنين خرجت غصب عنها

_ أنت هتعرفني عليها ! ياما مسكتها واللي أقدم منها كمان ..

ابتسم جلال وقال

_ يمكن عشان كدة ربنا طرح البركة في أراضي البلد كلها ..

اتكسفت رضا ! حست بخجل وهو بيمدحها بالشكل الجميل دا وهو كمان كان صادق جدا وبيبصلها بحب كبير وكأنها بتمثل ليه كل معامي الجمال والصدق والطهارة .. ومجرد انها تلمس أي حاجة بتحليها وبتخليها جميلة ..

اخدتها منه، ايدها لمست سخونة ايده، مسكتها بهدوءوهو قادها لصوبة ودخل معاها وبدأت تقلّب بيها التربة حوالين شتلات الخس الصغيرة … كانت بتحس بكل حاجة وهي بتعمل كده … الأرض الطرية… ريحة النبات… صوت المية وهي بتنقط… إحساس غريب بالأمان والراحة غمرها فجأة... وافتقدت الشعور دا من سنين طويلة ...

شاركنا شعورك:

التعليقات على الفصل

سجل دخول للتعليق
كن أول من يعلق