الخادمة الصغيرة "الجزء الثاني"
الفصل 228 د متبقية
الفصل 22

الفصل الثاني والعشرون

8 د قراءة

جلال وقف جنبها، ايده الكبيرة اتسندت على خشبة زراعية جنبه، وكان بيبصلها… عنيه مليانة حنان… مليانة فخر بيها وسعادة وأمان .. حاسس بأمان وهو معاها وهي موجودة معاه ورضا كانت زي إللي لقى موطنه ووطنه واندمجت مع الأرض والزرع ..… ومن بعيد كان مازن لسه منشغل مع المهندسين، مشغول أوي عنهم هما الاتنين..

كانت لحظة هادية…لكن جواها كانت مليانة حياة…وحب…

فضلت رضا جنب جلال في الصوبة الزراعية وقت طويل… كان هو قام يشتغل شوية ولكن من بعيد عشان ميطلعهاش من حالة السلام إللي هي كانت فيها وهي بتنضف حوالين المحصول من الزرع إللي حواليه وبيضرب مايته و بيفسده ..

وبعدين قعد على مقعد كبير موجود عشان لو العمال حابوا يستريحوا … هي قاعدة ماسكة الأداة الصغيرة بتقلّب بيها التربة حوالين الشتلات، وهو قاعد على المقعد بيتأملها وهي متناغمة مع الطبيعة وحس بالراحة وهو شايفها كدة .. ولو يعرف انها هتفرح وهتهدى بالشكل دا كانت جابها هنا من أول يوم جات فيه البلد ... جلال فاضل حاطط ايده على رجله وبينظر لها بهدوء..

الشمس بدأت تميل شوية… الهوا بقى ألطف… والريحة حوالين الصوبة كانت عاملة مزيج بين ريحة الطين المبلول والخضرة والمية… مزيج يدي راحة للقلب.

– عارفة يا رضا… الدنيا دي متستهلش أي حاجة من غيرك .

قال جلال فجأة بصوت متأثر جدا وحزين ... مبصتلوش وكملت وهو بيكمل بحزن

_ أنا مكونتش أعرف إني بغبائي وشيطنتي .. هضيع أحسن انسانة في الدنيا.. هضيع حياتي .. هضيع روحي ..

جلال نزلت دموعه وهي مبصتلوش ومكملة في إللي بتعمله

_ لو رجع بيا الزمن كنت قتلت نفسي قبل ما ألمس شعره منك بأذى ! ...

بصتله بهدوء، كانت مغمضة عنيها نص غمضة وكأنها بتحاول تحفظ كل كلمة بيقولها في قلبها قبل عقلها…

قالت له بصوت واطي جدًا

– ووصلت لدا امتى يا جلال ؟

بص لها وهو بيحاول يخفي تأثره ودموعه … عنيه لامعة، بس صوته فضل ثابت

– من أول يوم مشيتي فيه ! .. لما روحت البيت وملقتكيش ! مرجعتيش ... مشيتي بجد وخلاص مش هشوفك تاني..

سكتت وبعدها قالت بهدوء

_ المهم انك قضيت عمرك وكملت ..

_ كملت إزاي وأنا ضيعته لما ضيعتك !

قال جلال بحسرة وبعدين الدموع كتمت صوته وهو بيبصلها وبيقول بمنتهى الصدق والتأثر

_ انتي عمري نفسه !

اتصدمت للحظة من الجملة… حس بيها… قرب منها أكتر وحط ايده على ايدها اللي مسكة الأداة… فضل ماسك ايدها شوية لكنها بصتله وقربت وقالت بهمس

– يلا بينا نرجع… مازن بقاله كتير مستنينا.

اتصدم جلال لما لقاها بتذكر اسم مازن ! .. وهي قامت ولا كأن جلال قال أي حاجة ولم تقم لكلامه أي وزن !

تدارك جلال حسرته وصدمته وقام معاها بهدوء، ايدهم لامست بعض شوية وهما بيقوموا، لكنها بعدت بسرعة وخبت وشها بالنضارة مش عشان عشان متظهرش ضعفها ولا ارتباكها أدامه لأ علشان مش عيزاه يلمسها! .. ودا إللي قهر جلال ..

… مشيوا سوا في الطريق الترابي وهما راجعين للأرض الرئيسية، الهوا كان بيطير خصلات شعرها الخفيفة اللي كانت نازلة زي القصة من تحت الكاب اللي حطاه على راسها عشان يحميها من الشمس… شعرها كان بيظهر من تحته شوية، ولونه الأسود اللامع في ضوء الشمس غصب عنه خلاه يبصله… قلبه اتقبض من كتر ما هي ست جميلة...

لما وصلوا أخيرًا للموقع، مازن كان واقف بيتكلم مع المهندس الكبير وبيشرحله حاجة على اللابتوب… أول ما شافهم جايين، رفع عينه ليهم… لمح رضا ماشية جمب جلال وخطوتها هادية، هادية أوي… مبتبتسمش… لكنها باين عليها رايقة جدًا… عنيها هادية، مفيش فيها العناد المعتاد، مفيهاش غيظ ولا قلق… كان فيها رضا… اسمها طالع من قلبها.

لما مازن لمحهم جايين من بعيد… حس بضيق كبير في صدره... كان واقف جنب العربية، سايب المهندس يشرح للعمال حاجة بس ودنه مش معاهم… عينيه كانت مثبتة عليهم وهما ماشيين جمب بعض في طريق الصوبة.

شمس المغرب نازلة عليهم من وراهم، مديّة هالة دافية حوالين شكلهم… رضا ماشية بخطوة هادية جنب جلال، ...الاتنين ملامحهم هادية… ساكنة… مفيش توتر، مفيش غصب، مفيش شد وجذب زي كل مرة.

مازن حس بقلبه بينقبض…

“هو إيه اللي بيحصل؟!.. من إمتى هي بتبصله كدة؟… من إمتى بيطلعوا سوا لوحدهم؟… من إمتى؟”

فضل يبص عليهم وهو بيحاول يهدى نبض قلبه اللي علي فجأة، حس بشعور مُر… خوف… خوف حقيقي إنه يفقدها، وإن كل اللي بيخططله يضيع لو جلال سيطر عليها تاني.

ضغط على صوابعه جامد لحد ما حس بالعروق بتظهر في إيده… خد نفس عميق وهو بيعدل هدومه بسرعة عشان يخبي توتره… يحبي احساسه بالضيق اللي كان خانقه… ومخلي قلبه بيدق ببطئ كأنه بيتخنق.

جلال عينه كانت عليها وهو بيكلمها بحاجة صغيرة كدة بصوت واطي… وهي بتسمعه من غير ما ترد… بس ملامحها هادية… فيها حاجة مكسورة، بس فيها راحة… راحة خلته يحس إنه هيتهز من مكانه.

شد نفس عميق وهو بيحاول يرجع صوته لطبيعته قبل ما يتكلم… كان لازم يخبي كل حاجة جواه دلوقتي.

ولما قربوا منه، بص لهم وقال بنبرة جادة وهو بيخفي ضيقه

– كنتوا فين ؟

جلال بصله نظرة سريعة، من غير ابتسامة ومن غير ما يرد عليه، كأنه بيقوله “ملكش دعوة.”

أما رضا، فرفعت عينيها ليه للحظة، عينيها كانت عادية… عادية قوي لدرجة وجعته.

كانت زمان بتبصله بنظرات كلها تحدي أو نفور أو حتى شوق مكبوت… دلوقتي بقت عادية… هادية… خالية من أي مشاعر تخصه هو.

ابتلع ريقه وقال بنبرة أقرب للغلظة وهو بيعدل ياقة قميصه

– كنتوا فين طول الوقت دا؟

جلال رد بهدوء وعينيه على مازن بس، صوته كان ساكن، واثق، وقاسي في نفس الوقت

– بنشوف شغلنا..

وبس… كلمتين… قطعوا قلب مازن زي السكينة وخصوصا ان جلال تجرأ ورد عنها وعنه ! هو إيه إللي بيحصل بينهم بالظبط!!

بص لرضا بسرعة وهو بيلمس كفه بعصبية

– وانتي؟ كنتي بتشوفي شغلك برضو؟

ردت عليه بصوت واطي وهي بتزفر من التعب

– آه… كنت بتمشى شوية.

سكتت ومشيت قدامهم، وهو فضل واقف مكانه يتابعهم وهما بيتجهوا ناحية العمال.

حس بدوخة خفيفة من الغيرة… من الخوف… من الحقيقة اللي بدأت تضربه في وِشه كل شوية

“هي عمرها ما كانت ليا… وهي مش هتبقى ليا… مش طول ما الراجل دا واقف على رجليه.”! ... مازن كان بيفكر في كدة وهو واقف وبعدين نهر نفسه على تفكيره ومنع نفسه عنه وهو بيقول إزاي يفكر في حاجة خطيرة زي دي !!! حتى لو عاوز رضا لكنه عمره ما يقتل انسان ولا عمره يفكر.

وفضلوا مع بعض لحد ما انتهى اليوم وروحوا للبيت وهنا اتفاجئ جلال بالعيلة متجمعة وبيتكلموا وبيترفجوا على حاجة في التلفزيون ... دخل جلال وانضم ليهم ورضا راحت لأوضتها من غير ما تسلم على أي حد ..

--___-

.حسين قاعد قدام التلفزيون، وكريمة قاعدة جنبه ومتكئة بكسل ، كريمة بتتكلم مع حمزة اللي قاعد على الأرض قدامهم بيضحك وكمان يحي اللي قاعد ياكل من المكسرات وهو مندمج مع الفيلم ، وحياة قاعدة في جنب الكنبة ماسكة موبايلها وبتلعب بيه ومشغولة ...

جلال دخل بخطواته الواثقة، حسوا بيه كلهم فرفعوا عيونهم له.

حسين قال بابتسامة واسعة

– نورت يا جلال… يومك كان عامل إيه؟

– الحمد لله يا بابا… كله تمام.

قرب منهم وهو بيقلع الجزمة عند الباب، وبعدين دخل وقعد جنب حمزة اللي ابتسم وقال

– الجرح عامل إيه دلوقتي يا جلال؟

– أحسن… لزقته الصبح وخلاص، الحمد لله كله عدى.

– طب مخليتش الدكتورة تبص عليه؟ هي فاهمة في الكلام دا و…

قبل ما يكمل، جلال قطع كلامه وهو بيضحك وبيضربه على ضهره عشان هو فاهمه

– الدكتورة عملت اللي عليها خلاص… أنا كويس يا حمزة.

قال حمزة

_ يعني .. أصلك خدت كام يوم كدة مختفي ونايم ومحدش شافك .. الجرح كان خطير أوي كدة

ضربت كريمة حمزة

_ بس يا حمزة متضايقش أخوك

ابتسم جلال وحياة كان باين عليها الضيق ويحي مكانش مندمج معاهم ولحد دلوقتي هو وأخته مش متقبلين وجودها أصلا في البيت ومش فاهمين هي مين دي وجات منين ..

كريمة قالت بنبرة أمومة وهي بتبص لجلال

– شكلك اتعبت أوي النهاردة… خد حمام وارتاح.

– حاضر يا كريمة … لسة هشرب حاجة الأول.

وبعدين بص ليحي وربت على كتفه

– وانت عامل إيه يا بطل؟ امتحاناتك قربت

يحي اتوتر شوية وقال

– بالله عليك يا بابا متفكرنيش أنا متوتر لواحدي …

– وتتوتر ليه … لو مذاكر ميهمكش حاجة .. وبعدين اتعلم من أختك الحلوة الشطورة دي ..

وبعدين بص لحياة اللي كانت قاعدة مسنودة بعيد شوية ومش بتشاركهم الكلام… ابتسم لها وقال بحنية

– تعالي يا حبيبة بابا… تعالي هنا..

حياة رفعت عينيها وبصت له… قلبها تقطع لما شافت عينيه الحنينة دي… عينيه اللي نفسها يوم تبقى كلها ليها هي وبس.. بصت للزقة في رقبته وصعب عليها ..

بس رغم كدة، وقفت من مكانها بسرعة من غير ما تقول كلمة، وبكل هدوء خرجت وتوجهت لغرفتها دخلت أوضتها وقفلت الباب وراها.

جلال فضل بصص مكانها بخيبة أمل صامتة…كأنه طفل حد خيب ظنه. ..

كريمة قالت وهي بتعدل جلستها

– سيبها يا جلال… هي بس متضايقة شوية وبتتدلع.. يعني عشان الامتحانات وكدة

_ آه والله حبيبة جدها تعبت طول السنة في المذاكرة مش زيك يا اللي مقضيها بلايستيشن وخروج !!

قال حسين وهو بيرمي كلامه على يحي .. فقام يحي ناغز حمزة وهو بيقوله

_ ماهو ابنك كمان مقضيها كدة وأهو أصغر مني وامتحناته قربت كمان

قام حمزة ضاربه على مؤخرة راسه وهو بيقوله

_أنا عمك يالا ولما تتكلم معايا أتكلم بأدب ياولد

همس يحي وهو بيقربله وناويله على نية شر

_ ماشي أنا هوريك ..

_ هشش اسكت يالا حط لسانك جوا بقك

حمزة مثل انه مش هامه

_ خليك أد كلامك ورريني نفسككك

يحي توعدله وهنا قالت كريمة من الاتنين إللي مش بيبطلوا مجاكرة في بعض وقالت

_ اسكت أنت وهو بدل ما تهدوا وتخلوا الجو هادي لجلال !!

_ الحاج جلال كان مع المزة طول النهار .. أكيد كويس

قال يحي الجملة إللي خلت الكل يسكت وبصله جلال بندرة متتفسرش لكن يحي مكانش خايف وكان بيقول وهو متردد آه ولكنه كان قاصد يقول الجملة ..

لكن جلال فاجئه ومردش… عينه رجعت تبص في الأرض قدامه بشرود، بينما قلبه كان بيقول

"ليه يا حياة… ليه مردتيش على أبوكي …؟"

حمزة قرب منه وخبطه بهزار في كتفه عشان يغير جو التوتر

– طب وبعد السكوت دي هتسهر معانا ولا ناوي تنام بدري؟

ابتسم جلال وقال

– هسهر شوية… بس بعد كدة هدخل أنام عندي شغل بدري بكرة.

وهو بيتكلم، دماغه كانت مع رضا اللي اختفت جوه أوضتها…

حاسس إنه عاوزها جنبه دلوقتي… بس مش عارف إزاي... وكمان حياة ! ..

بص جلال ليحي وقاله فجأة

_ يحي !

_ نعم ..

_ تعالى معايا عايزك في موضوع ..

قام جلال من بينهم وسبق يحي للمكتب ويحي راح وراه وحمزة بيقول بصوت عالي على جلال أخوه

_ طب مش قولت هتسهر !! ..

وبعدين ضحك بشر وهو عارف ان يحي شكله ابوه هيظبطه جوا وقال

_ اديله مترحموش ..

وضحك وامه ضربته بخفة وكمان حسين إللي بيضحك على تصرفات حمزة إللي كلها مشاغبة وبس .. لكنه روحه حلوة ومحبوب وبيحب الكل ..

شاركنا شعورك:

التعليقات على الفصل

سجل دخول للتعليق
كن أول من يعلق