الخادمة الصغيرة "الجزء الثاني"
الفصل 2516 د متبقية
الفصل 25

الفصل الخامس والعشرون

16 د قراءة

قربت رضا من الباب اللي مكانش مقفول كويس ويبدو ان جلال من غضبه ونسيمة من خوفها نست كل حاجة ..

بصت رضا وهنا اتصدمت لما شافت جلال بيكسر كل حاجة في الأوضة وبيرمي كل حاجة بعنف شديد ونسيمة واقفة بتترعش وخايفة

كان الغضب مالي عيون جلال، غضب مش طبيعي، غضب راجل وصل لآخر لحظة صبر واستنزف كل طاقته للسيطرة على غضبه وعصبيته ، وعفاريت الدنيا كلها في عقله وفي دماغه بيقولوله انه ممكن من شدة غضبه يصور جريمة !

وشه مشدود، عينيه مولعة نار، أنفاسه سريعة، صدره بيطلع وينزل وهو بيواجه نسيمة زي العاصفة اللي طالعة من سنين كتم...ولكن بفعلتها خلته يطلع غضب مهول ! ...

الحيطة من وراه كانت فيها آثار تكسير ، الفازة اللي طارت واتحطمت، الأشياء الخاصة بيهم المرمية ، الكراسي المتقلّبة… كانت الغرفة متلخبطة وكأنها مراية بتوصف وبتعكس حجم الضرر والخراب إللي جواه !

رضا قربت أكتر من باب الاوضة وكانت رجليها بتتحرك لوحدها من كتر الفضول والتفاجئ من عنف جلال … قلبها بينبض بسرعة وهي رغم ان الغضب مش متوجه ليها إلا  أنها خافت ! تأثيره كان كبير جدا مش بس على نسيمة إللي  واقفة ادامه باصة في الأرض  بتعيط وبتترعش … جلال صوته كان عالي، غاضب، مبحوح من كتر الزعيق، ورغم كل دا كانت من جواها رؤيته وهو في الحالة دي خلتها تتحول من صدمة… لانبهار.

_ انتي إزاي تقولي عنها كدة!!

صوته كان زئير، مرعب، قلبها اتقبض وهي سامعة كلماته بتنشطر من بين أسنانه.

_جرى لعقلك إيه! اتهبلتي؟ اتجننتي؟!

كان بيترنح في الغرفة ، بيقرب منها، ونسيمة كانت مرعوبة، واقفة في الركن، إيديها بترتعش، وعنيها مليانة خوف لأول مرة من جلال للدرجة دي .. جلال إللي طول عمره كان بيحرص انه يسيطر على أعصابه ويكون شخص حليم وهادي ومش متهور .. خصوصا في تعامله معاها كزوجة ليه .. لكنها الآن بتشوف وحش كاسر بيلف حوالين نفسه ودمر كل حاجة في الأوضة ومستبعدتش انه يدمرها هي كمان !!

قرب وهو بيزعق بصوت أعلى

_ قوليلي وأنا أرميكي في مستشفى! بس ما تطلعيش مرضك عليها!

رضا اللي كانت بتبص من فتحة الباب ، وشافت بعينيها… شافت جلال اللي عمرها ما شافته بالشكل ده.. مش بس غضبان… لا..

هي لحد دلوقتي مكانتش تعرف هو ليه متعصب أوي كدة .. لكنها فهمت ان هي السبب! فهمت ان جلال بيتكلم عليها .. لكن لسة بردو متأكدتش .. اللي اتأكدت منه هو ان جلال .. صاحب النظرات الحادة والعيون السودا من الغضب والقوة .. بدقنه التقيلة القصيرة .. بجسمه إللي تحول وبقى ضخم عكس وهو صغير كان جسمه زمان أقل النص من جسمه دلوقتي ! جلال كان زي الوحش ! مش سهل ان حد يقاومه أو حد يقف أدامه ... كان في كامل غضبه ..  مرعِب ، لكنها مكانتش تعرف انه بقى  مرعِب لما يتظلم .. مرعِب لما لما يتحرق قلبه،  لما حد يطول غالي عنده! والكلام طال أغلى واحدة في عمره كله ! ..

_إزاي تقولي كده؟ إزاي؟!

انتفضت رضا وهي بتشوف مراية الأوضة بتخلع من مكانها وبتترمي تتكسر عاملة صدى صوت مدوي ..

قرب من نسيمة بعنف ومسك فكها بقوة وهي بتعيط بصوت عالي وجسمها كله بيرجف ومفيش في إيدها أي حيلة

_ انتي عارفة أنا ممكن أعمل فيكي إيه… عارفة أنا مااسِك نفسي عنك أد إيه؟ عارفة !!!

صرخ في آخر كلامه وبعد وبعدين هزها من فكها بكف ايده الخشن لحد ما حست ان وشها هينطبق على بعضه وجلال بيقول بنبرة مظلمة وكأنه بالفعل ماسك نفسه بالعافية عن إللي بيدور في دماغه !

_ أنا داخل البيت وأنا بمنع شيطاني إني اقتلك!

صرخت نسيمة من الرعب وهو بيرمي كرسي التسريحة وبيخبطها ، كانت الغرفة بتتهد، وصوته بيقصف زي الرعد، وكل طلقة كلام منه كانت صفعة في وش نسيمة، وفي قلب رضا إللي اتأكدت ان الكلام .. عليها ! ولكن مش قادرة تصدق ان جلال الصواف .. عمل كل دا عشانها ! دا عمره ما خد حقها .. دلوقتي بيتجنن وقرب يفقد عقله من الغضب بسبب أذى نسيمه ليها ؟ .. عقلها رفض يصدق وفضلت تقول جواها اكيد يقصد حد تاني .. ..

هنا فجأة لقت رضا علي لابس فانلة حمالات وحمزة ويحي وكريمة وحسين .. كلهم جم .. حتى حياة كانت واقفة ببجامتها وكل واحد فيهم قام باللي عليه ييجي جري يشوفوا إيه إللي بيحصل .. لدرجة انهم حسوا ان فيه كارثة بتحصل

_ جلال !!!

نادى علي وهو بيقتحم الغرفة ورضا بتبعد وكريمة بتقولها بخوف

_ فيه إيه يا رضا !!

مجاوبتهاش .. ومشت وسابتهم وهي بتسمع نسيمة بتقول بصراخ بعد ما استمدت قوتها من العيلة اللي اتجمعت وكعادتها نسيمة بتتلاعب الكلام والحقايق عشان تبرر أفعالها و بعينين مليانين دموع وخوف، بصّت له

_من غيرتي يا جلال… من غيرتي! أنت مش شايفني من ساعة ما جات… مقربلتيش حتى! مبتسألنيش مالك ولا ازيك ولا بتبص في وشي !! أنا مراتك ! أنت إللي عملت فيا كدة ! ...

___________

رضا راحت أوضتها وقفلت الباب بعد ما سمعت كلام نسيمة .. وغصب عنها .. قلبها دق بسرعة وعيونها دمعت ووقفت تخاول تاخد أنفاسها ...

علي وحسين وحمزة مسكوا جلال  أما  يحي فراح عند نسيمة يمسكها يساندها ولكن جلال لما سمع كلامها حاول يفلت من ايد علي وفعلا فلت و مسكها من دراعها بعنف وهنا ظهر في صوته الحزن والوجع .. انه رضا بتتأذى تاني في سمعتها بسببه ! ..

_ بتظلميها  تاني ليه؟! عملتلك إيه؟!

_ خلاص يا جلال .. اهدى

قال حسين وهو بيحاول ياخد جلال ولكن علي وحمزة هما اللي قدروا على أخوهم وهما بيشدوه ..

_ خلاص يا جلال تعالى استهدى بالله

فضل باصص لنسيمة بعنف شديد وغضب... لكن حسين بصله جوا عيونه ومسك وشه بين ايديه وهو بيقوله بخوف شديد على ابنه اللي الجرح بدأ يبان تحت الرباط انه فيه دم

_ مفيش حاجة مستاهلة تضيع نفسك ولا صحتك عشانها ! ... اهدى يا حبيبي .. اهدى يا جلال

بصله جلال ولانت عيونها ولكن لين كله حزن وأسى ..

_ تعالى معايا !

شده علي من ايده وراح وراهم حمزة .. وعلي بيربت على كتف حسين بإنه ميقلقش على جلال وانه هيسيطر على الوضع ويهديه  . ..

أما  كريمة اللي كانت خايفة جدا على جلال وعلى صحته فضلت تبص لنسيمة اللي يحي لسة واقف معاها يطبطب عليها وهي بتعيط في حضنه وهنا حياة هي كمان دخلت وحضنتها وهي بتقولها

_ فيه إيه يا ماما ؟؟ إيه يا حبيبتي

كانت خايفة عليها ومرعوبة من أبوها إللي كلهم لأول مرة في حياتهم يشوفوه في الحالة دي .. كانت حاجة كارثية بالنسبة ليهم ..

_ ابوكوا بقى بيكرهني خلاص .. منها لله إللي كانت السبب

قالت وهنا ظهر على وش حياة ويحي الكره وهما عارفين كويس مين السبب .. السبب إللي كانت واقفة تتفرج عليهم وهما بيتخانقوا ومحاولتش حتى تتدخل تمنع ابوهم عن امهم !! ... والكره كله توجه ناحية رضا بجملة واحدة من نسيمة اللي كملت كلامها بشكوى وعياط وحزن وانها مظلومة ..

بينما كريمة بصتلها بصدمة من كمية الخبث اللي فيها !! ازاي فيه انسانة خبيثة بالشكل دا وأول مرة تدرك ان نسيمة مش طيبة ! نسيمة فكرتها بإنجي وخبثها وازاي كانت بتقدر تقلب الطرابيزة على أي حد وازاي بتتلاعب بالكلام زي الشيطان وتوقع الكل في بعضه وتطلع هي سليمة ...

_______

جلال كان قاعد في وسط الجنينة، على الكرسي الخشبي اللي دايمًا بيحب يقعد عليه في آخر اليوم سواء مع نفسه أو معاه اخواته وابنه وأبوه ، بس المرة دي كان قاعد بصمت ثقيل، هو مش مشهد بعيد عن جلال اللي الناس متعودة عليه ولكن صمته كان موحش جدا عكس قبل كدة بيكون ساكت بيفكر أو مشتاق .. لكن الصمت دا حتى نفسه فيه مكانش منتظم.

إيده لسه فيها رعشة خفيفة من اللي حصل جوه ، ووشه مابين عليه التعب والغضب والندم كأنهم بيتخانقوا في ملامحه ... عيناه متثبتة في الأرض، بس عقله تايه وكأنه مش شايف حتى تحت رجله ..

حمزة قعد جنبه بهدوء، ومدله كوباية مية

ـ اشرب دي، واهدي كده شوية يا حبيبي مش عاوز أشوفك متعصب كدة تاني يا جلال ...

قال حمزة وهو قلقان على أخوه وبيطبطب على كتفه .. بصله جلال وابتسمله بحب ابتسامة بسيطة جدا ولكنها امتنان لحنان أخوه الصغير عليه ..

علي كان واقف شوية وبيبص له، وبعدين قعد على الناحية التانية، قرب منه من غير ما يضغط، وقال بصوت هادي

_ هو إيه إللي حصل با جلال عشان يحصل كل دا ؟

جلال رفع عينه ليه، ببطء، وكأن حتى رفعة عينه دي كانت مجهود كبير بالنسبة ليه ..

بصله جلال وكأنه بيقوله أنت عارف ! .. فتنهد علي وإللي كان دايما بينه وبين جلال كلام غامض بالعيون عكس البقية ..

ـ كلنا عارفين نسيمة عاملة إزاي، بس المرادي أنت إللي فاجئننت و تغيرت... صحتك وشخصيتك مهمين .... هتسيب اللي بنيته يروح عشان كلمتين من واحدة ست ؟

محدش كان فاهم نسيمة قالت إيه! ... محدش كان يعرف .. ولكنهم فكروا ان أكيد الموضوع خاص برضا بس ميعرفوش هو إيه بالظبط..

حمزة قال بسرعة، كأنه بيكمل على كلام علي وكله علشان يهدي أخوه

_ وبعدين الدكتورة مش صغيرة، ومش ضعيفة... دي لسانها طويل أصلا !

اندفع حمزة بالكلام فابتسم علي بسخرية وجلال بصله بغضب ولكن يشفعله انه سنة صغير !! اتوتر حمزة وقال

_ إيه أنت هتزعق لأخوك بردو ! مش قصدي يعني ..

هز جلال راسه واتنهد وبص للسما وبعدين علي بص للنار إللي كانوا مولعينها وفوقها براد شاي .. أخد الكبيات وبدأ يصب وبص لجلال باهتمام

_ أنت خدت دواك يا جلال ؟ ...

جلال مردش وعلي عرف الجواب فصب الشاي وبعدين بصله وقام من مكانه دخل البيت وبعدها رجع وبص لجلال ورمى عليه حاجة ..

أخدها جلال وكانت دواه ..

_ خده بالله عليك ومتتعبناش ..

قال علي .. علي إللي كان بيخاف عليه جدا وهو أكتر واحد كان خايف ان إللي حصل زمان يحصل دلوقتي ! .. ولأنه هو كان كبير وواعي وقت إللي حصل ... فبقى عنده رهبة من الموضوع أكتر من أخوه حمزة وابنه يحي ! ...

جلال خد الدوا بعد ما تبادل النظرات مع علي وخد الدوا .. وبعدها خد نفس طويل، وغمض عينه، وكأن نفسه تقيل كأنه شايل جبل

ـ أنا ماسك نفسي بالعافية يا علي... بالعافية... أنا من سنين طويلة عمري ما حسيت إني أمد إيدي على ست، بس النهاردة... حسيت إني... مش أنا.. كنت عاوز أقتلها

قال حمزة

_ بس ليه كل دا يعني دي خناقة ستات يعني في الآخر

رمى جلال عليه زجاجة المياة وهو كل ما يتكلم يقول حجات تعصبه

_ أسكت.. خناقة الستات إللي بتتكلم عليها دي أكبر بكتير من إللي في دماغك الصغيرة دي

_ أنا دماغي مش صغيرة يا جلال !

قال حمزة .. فضحك علي وبعدين ادى لكل واحد فيهم الشاي بتاعه .. وقال

_ إيه إللي حصل يعني ؟ قول ومتكتمش جواك

علي أكد على جلال انه يتكلم بما إنه دايمًا بيكتم جواه ومش بيحكي .. ولكن جلال كان عاوز يحكي فعلا وقال

_ هي إللي ورا إللي حصل لرضا ومازن .

_ إيه إللي حصل لرضا ومازن ؟

سأل حمزة ببلااهه فبصله جلال وقال

_ سكت الواد إللي محسسني إنه مش عايش في الدنيا دا !!

ضحك علي وقال بسخرية

_ عايش على البلايستيشن هو وابنك ..

وبعدين عض شفايفه وظهرت على وشه ابتسامة جدية وشتم بهمس

_ بنت الكلب !

سمعه جلال ... ومدافعش عن نسيمة مراته ! ...

ولكن علي قالله بحزم، بس بلين

_ المهم يا جلال مش عاوزك تاني في منظر زي دا .. أنت مشوفتش نفسك كنت عاامل إزاي .. دا مش إنت فعلاً.. اتحكم في أعصابك حتى لو الحاجة تستاهل تتحل بشكل تاني ميطلعكش كدة زي المجنون إللي فقد السيطرة على أعصابه ! لو سبت نفسك للغضب إللي بالشكل دا تاني تبقى كارثة يا جلال !

سكت جلال وتبادل النظرات مع علي .. وبعدها قال بتسليم

_ فاهم .. بس مقدرتش لما جابت سيرتها بالكلام دا وظلمتها تاني .. بسببي ! .. مكونتش حاسس بنفسي خالص

حمزة مد إيده على كتف جلال

_ خلاص يا حبيبي حصل خير ... ربنا يخليك لينا ولولادك .. ولمراتك !

_ أنهي فيهم ؟

قال علي بمراوغة وهو بيشرب من الشاي وبيبص جلال بعند فضحك حمزة وهو بيقول

_ الدكتورة طبعا

_ طبعا !!

أكدلهم جلال وهو بيردد ورا حمزة فضحكوا بخفة وارتياح انهم عرفوا يفرفشوه ويفكوا عنه شوية .. جلال بص حواليه وكأنه استوعب أخيرًا ان إللي قاعدين جنبه حمزه أخوه وعلي كمان إللي في مقام أخوه ..وبعدين سأل

_ هو فين يحي !

رفع حمزة كوباية الشاي يشرب منها وهو بيتريق على يحي كعادته

_ تلاقيه عند أمه... الواد دا ابن أمه أوي

_ انت بتتكلم على ابني ادامي

_ منا عمه .. عادي عادي ..

هز جلال راسه وهو بيبص لاخوه الصغير إللي روحه كلها مشاغبة وضحك وخلاص ... بس ميقدرش ينكر انه حنين جدا ومن صغره وهو حنين .. وميقدرش ينكر انه سعيد بيه .. سعيد انه مبقاش جلال الصواف لواحده ! بقى فيه حمزة الصواف كمان ! ... ربت على كتفه فبصله حمزة بحب .. وعلي فضل يبصلهم وهو ساكت وشايف الاخوات مع بعض بيحبوا بعض إزاي ورغم ان حمزة أخوه بالدم وجلال أخوه بالعشرة والروح ..ولكن هو مش من عيلة الصواف ! ... دايما الموضوع دا بيترك فيه غصة داخلية .. ولكنه تجاهلها واتكلموا كلهم في مواضيع مختلفة لحد ما الشاي خلص وحسوا ان جلال عاوز يقعد مع نفسه شوية ..

سكتوا شوية... وسابوا الصمت ياخد حقه.. الهواء كان بيلف حواليهم خصوصا ان الوقت اتأخر شوية وهما بقالهم كتير قاعدين جمب جلال بيحاولوا يهدوخ .. الهوا كان بيلمسهم بنعومة بس بارد، كأنه بيطبطب على قلب جلال اللي لسه بيدق بسرعة...

جلال أخد رشفة من المية، ومسح وشه بكفه، وقال أخيرًا بصوت واطي

_ أنا لسة ليا كلام تاني معاها ..

علي هز راسه

_ ماشي .. بس عِدّي الليلة دي على خير.

وجلال، لأول مرة من وقت طويل، ساب نفسه يسند على الكرسي ويفضّي صدره بنفس طويل... ولسه، النار جواه ماطفيتش، بس على الأقل، طلع إللي جواه لاخواته وكأنه الحمل خف شوية .

_ يلا علشان تنام .

قال حمزة فبصله جلال وقال

– أنا هاقعد هنا شوية… ادخلوا انتو.

حمزة بص له، حاول يعارض، لكن علي لمحله بعينه، وهز راسه بمعنى "سيبه براحته ". وسابوه ومشيوا.

جلال فرد جسمه على الكنبة، ساكت، بيشرب في فنجان شاي من اللي علي عملهوله تاني ... الدنيا كانت هادية أوي، ومفيش أنوار كتير إلا من ضوء خافت طالع من شباك في الدور التاني.

الوقت عدى .. وجلال مكانه ، وهو ولا بيتكلم ولا بيتحرك... باصص بس للسما ونجومها وسايب نفسه لهوا الليل إللي فيه ندى بينزل على جسمه يخليه يحس برعشة خفيفة مريحة ...

بعد شوية .. انتبه لخطوات على العشب جاية .. فرفع راسه .. وظهرت رضا.

نزلت بالليل بشعرها مفرود، لابسة بجامتها القطن وفوقها وشاح ، وعنيها فيها آثار السهر ، بس كانت باين انها مركزة ونازلة لسبب ..

ما قالتش حاجة...هو شافها… وبصلها ..

فضل باصصلها، ووشه ما بيتغيرش، بس عنيه كانت متعلقة بيها كأنه بيشوفها للمرة الأولى… دايما بيتعلق بيها وبجمالها ... خصوصا دلوقتي والهوا بيطير خصلات شعرها وهي واقفة أدامه وجياله ! ... كانت خطوتها فعلا عزيزة .. خصوصا على قلب جلال .

هي كمان ما اتحركتش في الأول، لكن بعد لحظة سكت فيها الليل أكتر، قربت شوية… وقعدت جنبه، من غير ما تسأله هو قاعد ليه أو مستني إيه..

ولا كلمة....

هي كانت على شماله، وهو لسه باصصلها من طرف عينه. إيده بتتلعب في حافة الفنجان، وعنيه بتراقب خصلتين طايرين من شعرها وبيتهزوا مع نسمة خفيفة.. اتعدل جلال وقعد وبقوا هما الاتنين قاعدين بينهم مسافة ولكنها مش كبيرة وساكتين ..

هو اللي كسر الصمت

– منمتيش ليه ؟

ردت بهدوء

– عادي ..

سكت... هو ماكانش محتاج يرخم عليها ولا يضايقها ... هو ما صدق انها قعدت جنبه أصلا! ..

اتنهد ببطء ، وبص قدّامه...

قال بعد سكوت

– أنا بقيت بخاف من الليل..

بصّت له، مستنياه يكمل...

قال بصوت واطي قوي، كأنه بيحكي لنفسه

– كل ما الشمس تغيب والدنيا تليل والجو يهدى ، أحس كل اللي جوّه بيطلع ! الدوشة إللي جوايا مبيبقاش فيه مهرب منها .. و الوجع اللي مفروض أكون نسيته وقبلته، بيرجع يوجعني أكتر من اليوم إللي قبله..

سكت جلال ...واتكلمت رضا بعد لحظة

– وأنا كمان بخاف من السكوت…

هو لف ناحيتها لأول مرة… وشه كان فيه حاجة مختلفة، كأن الليل عراه من طبقات ووشوش كتير بيلبسها الصبح عشان يعرف يمشي شغله وحياته إللي فيها ولاده وأبوه واخواته ، وبقاله وش واحد… حقيقي... وش كان طبيعته الألم والحزن

بصت لغطى الجرح في رقبته وطلعت من تحت الوشاح شنطة كدة صغيرة مسطحة فيها مطهر ولازقة طبية .. بصلها واستغرب .. وبعدين قال

– انتي غريبة يا رضا.

ابتسمت ابتسامة هادية وقالت

– وانت مش طبيعي..

ضحك ضحكة صغيرة، بسيطة…

السكوت رجع، بس المرة دي ماكانش مخيف… كان شبه راحة، كأن الاتنين كانوا محتاجين يقعدوا سوا من غير أي مبرر… إلا إنهم عايزين يقعدوا.

قربت منه رضا وبدأت تغيرله على الجرح بهدوء وهو ساكت ...وفجأة اتألم جلال وهو بتضغط جامد ! ظهر على وشه التألم وعلى وشها ملامح غريبة .. ملامح انتقام ..

_ كنت هايج زي التور ليه ؟

سألت... اتوتر جلال... مكانش عاوز يقولها السبب الحقيقي، معرفش يقول "نسيمة شتمتك" ولا "كانت عاوزة تهد الدنيا عليكي"، فاختار الهروب العادي ...

_ خناقة عادية...

ردت عليه وهي بتحط اللزقة على الجرح، بس في صوتها ضحكة صغيرة كلها سخرية

_ صحيح خناقة عادية  بين راجل ومراته.

بصلها جلال واتنهد وميل راسه وهو عارف انها هتسمعه كلام ينغص عليه عيشته كلها وهو دا إللي بتعمله من ساعة ما جات .. تقرب ولما يحس ببصيص أمل.. تقلب وتقلبله النور ضلمة .. فضلت بصالها وهو عينيه مكانتش ثابتة كأنه بيحاول يهرب من عينيها، من كلامها، من كل حاجة بتفكره بالماضي اللي عايز ينساه.. بس هي دايمًا بترجّعه، ترميه في وش الحقيقة اللي بيهرب منها من ساعة ما رجعت..

كانت بتقرب، ولما يحس ببصيص أمل، تقلب... تقلبله النور ضلمة.

_ مشوفتكش يعني قلعت الحزام وضربتها بيه؟

سكت، غمض عينه، وهو عارف هي بتتكلم عن إيه... الكلام اللي بترميه وبتقصد بيه حجات تانية .. بتختار ما بين السطور، الضرب، القسوة، الذل.. صور كتيرة مرت عليها وعليه وهما الاتنين بيبصوا لبعض بعد جملتها .. وكلها صور من الماضي اللي كان جلال فيه ... مجرد حيوان !

رجعت قالت كأنها افتكرت حاجة وجاية تصححها

_ آه، لأ... يمكن إللي منعك إنك مش لابسه... ما هو أنت بقيت بتلبس جلاليب...

سكتت ورفعت حاجبها بسخرية وهي بتقيم مظهره

_ زمن.

كأنها بترمي الكلام على وشه، عايزة تشوف هيخجل ولا لأ، هيتهز ولا هيكمّل صمته زي العادة

قربت أكتر، عن قصد، عن خبث، قالت وهي بتبصله

_ مضربتهاش بالقلم على وشها ليه ؟ دا احنا  حتى مسمعتكش بتشتمها ؟ مشتمتهاش بأوحش الشتايم اللي ممكن أي  ست تسمعها ليه ؟

سكت جلال ييتحمل استفزازها ليه وهي بتكمل

_ ياراجل ولا حتى قلعت الجزمة واديتها بيها فوق دماغها؟

صوتها كان بيزيد استفزازه ، بمرارة ولوم وسخرية كلها مجتمعة في كلمة واحدة: فاكر؟ .. كأنها بتقوله فاكر غضبك وشتيمتك وضربك على أقل حاجة بعملها زمان ! ..

جلال كان بيسمع وهو ساكت لكن ضهره مشدود، نفسه تقيل و هي مش بس بتستفزه، هي بتجيب أدامه كل حاجة حاول يدفنها ويتخطاها ..

_ هي مسيطرة؟ ولا تكون هي اللي راكبة؟ ما هي أكبر منك... يعني الأولوية ليها...

قالتها وهي بتبتسم، ابتسامة سخيفة، فيها سخرية جارحة، كأنها بتقوله "انت مالكش شخصية... وسهل تنقاد"... وكأنها بتقوله أنتوا ستات أنتوا الاتنين فمش فارقة مين يسوق .. بس لو حد هيسوق هتكون نسيمة .. لأنها الأكبر في السن !

سكت جلال، معرفش يرد وميعرفش حتى ينفي...كان بيبص لها بعين فيها وجع أكتر من غضب، بس هي كملت وهي بتبص في عيونه أكتر وبتغمز

_ ولا أنت بقيت كيوت؟

وعينيها على وشه، مستنية تشوف رد فعله... كلمة، نظرة، حتى نفس يتغير... بس هو فضل ساكت، ورجليه بتضغط جامد على الأرض، وعنيه هربانة منها... لأنه في الحقيقة، جوا نفسه،عارف انه عمل كل دا ...ولكن مش مع نسيمة .. مع رضا ! ..

جلال شد نفس طويل وهو حاسس إن الكلام بيخترق صدره زي السكاكين الباردة   ...

ضحكت ضحكة خفيفة، فيها سخرية مش بريئة، ضحكة ست فاكرة إنها كشفاه وكأنها بتقوله مش هتقدر تخبي بشاعتك عني ..  وإنها لسه ماسكة مفاتيح جروحه القديمة وعارفه ماضيه وهتفضل تفكره بيه حتى لو فصل يمثل انه خلاص .. الماضي بقى ماضي !

بص لها جلال، وبهدوء غريب،  قال

ـ خلصتي؟

ابتسمت رضا، بس المرة دي ابتسامة شوية أضعف… في حزن في عنيها

قال، وهو بيعدل جلسته وبيبصلها من غير أي اهتزاز

ـ كنتِ مستنية أشتم؟ كنتِ مستنية أضرب ؟ أمد إيدي عليها وأعاقبها بالضرب ؟ لا يا رضا… الزمن دا خلص..  انتي بتتكلمي عن  جلال بتاع زمان… بس أنا بقيت حد تاني.

سكت، وبعدين كمل

ـ أنا مابقيتش أمد إيدي… مش خوف ومش ضعف، بس عشان بقيت فاهم ان اللي يمد ايده على واحدة ست .. ميبقاش راجل …

سقفت رضا بتريقة وجلال بصلها بضيق من استفزازها وقالت

_ برافو ! مش راجل .. روح غير كلمة ذكر إللي في البطاقة لأنك ياما مديت إيدك !

بصلها جلال ووشه مقلوب ومتضايق جدا ... فاستمرت في استفزازه

_ مالك وشك قلب ؟ روح حط بدل ذكر .. كيوت ! متخافش مش هقولك أنثى!

_ أنا  مش كيوت .

قال جلال .. فردت وهي بتقرب من وشه

_ مفتكرش !

_ جربي !!

قرب هو أكتر لحد ما بدأت تحس بنفسه قريب منها جدًا ... ردت بثبات

_ الجواب باين من عنوانه ..

ذاد قربه وهو بيبص لشفايفها وبعدين يرجع يبص لعيونها وكأنه محتار يبص فين من شدة افتتانه بيها وهو بيتكلم ببطئ ويقطع الكلام وظاهر على صوته التأثر بيها ..

_ فيه حجات بقيت فيها كيوت .. وفيه حجات .. لسة فيها جلال بتاع زمان .. ويمكن أكتر ..

شاركنا شعورك:

التعليقات على الفصل

سجل دخول للتعليق
كن أول من يعلق