الفصل الرابع
قبل الفجر بساعة كان البيت الواسع الكبير دا هادي وساكن جدا ، والهدوء تقيل كأن الحزن لسه متشبث في كل أركانه حتى في الحيطان.
رضا قاعدة على طرف الكنبة ، لابسة إسود بسيط، شعرها ملموم، وإيديها مشبوكة في حضنها .. وعينيها…مش هنا!
مازن كان بيبص لها وهو جاي من بعيد وشايفها سرحانة وسهرانة رغم انهم جايين من سفر واليوم كان طويل جدا .. قرب منها وقعد على في الركنة التانية، وفضل باصص ليها كأنه بيحاول يقرأ ملامحها .
لكن وشّها مكانش عليه تعبيرات كتير ، وصدرها بيطلع وينزل بنفَس بارد.
قال بهدوء، وصوته واطي كأنه بيحاول يلمّها
– مالك يا أميرة؟
ما ردّتش في الأول… وبعدين بصت في الأرض وقالت بصوت شبه مكسور
– مش قادرة أصدق إنها مشت…ومش هشوفها تاني.
مازن ضيّق عينيه، حس إن الكلام مش عن "أمه " بس…فيه حد تاني جوّه الكلام.
سكت لحظة، وبعدين قال بنبرة فيها لمحة من الشك
– وشكلك مش عاوزة تمشي من جنبها…ولا إيه؟
أميرة رفعت عينيها عليه فورًا، وفهمت قصده من أول حرف. سكتت لحظة، وبعدين بصتله بنظرة فيها حسم، وقالت
– أنا عاوزة أمشي النهاردة قبل بكرة!
مازن ما ردش،بس هزّ راسه ببطء… كأنه خايف من حاجة وشاكك في قلبها .. يمكن الحنين يجيبها ! محدش عارف ودايما الدنيا بتفاجئه ..
وبعد لحظة صمت، قال بصوت واطي، شبه آمر، لكن فيه رجاء
– المهم…متنسيش إنتي عشتي هنا إيه زمان.
_ عمري ما أنسى.. بس مش عيزاك تفكرني كل شوية
سكت لحظة، وبص لها تاني، بصّة فيها وجع وغيرة مش متقالين
– لا ياريت متنسيش ...
بصتله رضا وهي حاسة باستفزازه .. لكنه كان هيموت من الغيرة والزعل .. متكلمتش فقرب هو منها وقعد جنبها وقال
_ مش قصدي أضايقك.. بس مش عايزك تتأذي تاني ! ..
مردتش عليه فتنهد بضيق وحس انه ضايقها بكلامه وقال
_ ادخلي نامي علشان بكرة رايحين المقابر ... وطيارتنا بكرة باليل ..
مردتش عليه وقامت دخلت علطول أوضتها فعرف انه زعلها وضايقها جدًا ومسك شعره يشد فيه وهو قلقان .. نظرتها جلال قلبت كل موازينه .. نظرتها لجلال خلته يحس إنها هي نفسها رضا القديمة ! يمكن مفيش حد لاحظ لكن هو لاحظ ! هو إللي عاش معاها سنوات انكسارها وحزنها واشتياقها المميت لجلال....وهو الوحيد اللي اتمنى منها نفس النظرة إللي بصتها لجلال ! لكنه بيتمنى يكون بيتهيأله وانها فعلا تكون بتكرهه زي مادايما بتأكد ليه .. بيتمنى يطلع ظنه غلط عشان لو طلعت لسة بتحب جلال .. هتبقى مصيبة وكارثة وميعرفش هيكمل حياته إزاي لو اكتشف انها بتحبه .. فجأة قلبه اتقبض والأفكار تزاحمت عليه وظهرت في عقله حقيقة تانية .. هي لسة على ذمة جلال ! .. لازم يحل الموضوع دا بسرعة ! --- .
--- كان الوقت قربت على الفجر، والنوم مطرود من عنيه. جلال متمدّد على السرير، ضهره لمراته .. جسمه تقيل ومرهق جدًا لكن مع ذلك كان عمال يتقلب من جنب للتاني، يرفع الغطا، بعدين يشيله من على جسمه ! من التفكير جسمه كان بيبرد فجأة ويرجع يسخن ويحس بخنقة وان دماغه هتنفجر من الضغط ! جسمه كان مولّع من جواه.
نَفَسه متقطع،مش مرتاح .. ولا له حق يرتاح.
نسيمة كانت نايمة جمبه، أو بتحاول تبان نايمة.كل شوية تفتح عين، تبص عليه، شايفاه بيشد في الملاية، ويعض شفايفه، وعينه في الضلمة بتلمع وعمال يتقلب يمين وشمال ...
قامت شوية و لفّت وشها ناحيته، وصوتها ناعم، رخيم، متعمد يكون حنين
– مش قادر تنام يا جلال ؟ فيك إيه؟اللي حصل النهاردة شقلبك كده ليه؟هي لسه فارقة معاك بالشكل ده؟
سكت...ما ردش..الأصوات جواه كانت عالية وصاخبة لدرجة انه مش سامع إللي برا !
كل إللي كان شايفه كان رضا…نظرتها…مشيتها وهي سحبة إيد مازن واحتضانها لسه ، صوتها إللي سمعه رغم انها كانت ساكتة، وشها وهو باصصله ببرود .. لأول مرة في حياته تبصله بالبرود دا .. لكن إزاي هتبصله بود وحب بعد إللي عمله !
افتكر نفسه زمان، وهو بيطردها وهي لسه بتنزف بعد الولادة، وهي بتعيط، وهو بيتكلم بقسوة… بيتكلم بلسان شيطان مش راجل.
حاسب بقلبه بيتقطع … من الندم والكسوف على إللي هو عمله فيها !
حاسس بالعار من نفسه… من شخصيته القديمة اللي ماكانش شايفها غلط ونرجسيته وكبره .. الكبر إللي خلاه يدهس الست الوحيدة إللي حبته وكانت مستعدة تديله روحها .. ازاي عمل كدة ودمر حياته بإيده ! حاسس بحاجة تانية بتوجعه أكتر…الشوق!
أد إيه الشوق أصعب بكتير وهو مشتاق ليها وهي مش بتاعته. وهو عارف إنها مش هتسامحه ولا هتبص له تاني زي زمان، وإنه حتى مش مسموح له يشتاق.. ولا يعبر عن ندمه وشوقه !
كل ما يقفل عينه يفتحها يشوفها في حضن حد تاني.مشهد بيكسره كل لحظة،ومش قادر يطلع من نافوخه ..
نسيمة مدّت إيدها على كتفه وهي شيفاه مش معاها خالص وكأنه في عالم تاني
– إيه يا حبيبي ! أنت سامعني يا جلال ؟وشك مخطوف كدة ليه أقوم أعملك عصير ولا تيجي في حضني شويّة؟
بص ناحيتها،نظرة فاضية…مفهاش ولا ذرة حب ولا حنين .. رجع بعينه للسقف.
الفجر قرب…وهو لسه صاحي.
_ هي بدأت حياتها يا جلال ونست كل حاجة ! حتى الحجاب قلعته وبقت زي الأجانب مبيهمهاش ... أنت كمان لازم تنسى يا حبيبي ..
جلال مردش عليها وفضل ساكت .. اتنهد بتعب فقالت بقلق
_ متخوفنيش عليك أبوس إيدك!
_ متخافيش أنا كويس .. هقوم أصلي ..
قال جلال وهو بيشيل ايدها من على كتفه وقام وقف لبس جلابيته وراح يصلي في الجامع وهي فضلت مكانها عينيها شاردة .. مظلمة أكتر من ظلام الليل ! من دلوقتي رضا سرقت النوم من عينه .. لو فضلت شوية كمان هتعمل إيه ؟ ...
---
كانت الشمس لسه بتطلع ... ولكنها معرفتش تنام فبعد صلاة الفجر استنت شوية .. وخرجت من البيت ...
كان لسة الندى مرشوش فوق الأرض والتراب والحجر… الهوى بارد، وريحة الأرض المبلولة بتدخل صدرها بحنين موجوع..
أميرة – رضا – كانت واقفة قدام قبر أم مازن، عينيها محمرة من البُكا، لكن مفيهاش دموع ! … كانت هادية… هادية أوي لدرجة الخوف. عينيها ثابتة على الاسم المنقوش على الرخام، شفايفها بتتحرك بدعاء بصوت واطي قوي، كأنها بتحكي للست اللي جوة التراب عن كل حاجة حاصلة حواليهم … وكأنها بتستأذنها تمشي من البلد زي ما دخلتها… مكسورة وخرساء..
اتنهدت وهي بتنزل راسها، وملقتش رجليها بتاخدها للبوابة، رجليها خدتها بين القبور ... للماضي...
خطوة ورا خطوة… كانت ماشية وسط القبور، بتقرا أسماء، وكل اسم بيخبط جواها حكاية ناس، دمعهم، ضحكهم، موتهم… لحد ما لقت اسم كان دايمًا محفور في قلبها، حتى لو حاولت تنساه.. عمرها ما هتقدر ! الوحيدة إللي حبيتها بجد ... لكن سابتها بدري بدري !
اسم أمها على القبر خلاها ترتعد من الشوق والحنين ..
وقفت قدام قبر أمها، جسمها كله ارتعش، ركبها خبطت في بعض، حطت إيديها على الرخام البارد، وهنا بس .. بكت… بكت من غير صوت، دموع بتنزل بتنظف قلبها من وجع قديم مالوش نهاية.
– يا أمي…يا أمي…
همستها خرجت ضعيفة، متقطعة، لكنها مقدرتش تحبسها .
قعدت قدام القبر، ضمت إيديها على صدرها، والهوى بيرجفها لحد العضم.. افتكرت حنانها وحبها .. افتكرت الظلم إللي عاشته على إيد مراة أبوها وأبوها .. إللي مشافتهمش من ساعة ما جات لكنها مش مهتمة .. بل بتتمنى انهم يكونوا ماتوا وشبعوا موت ونالوا عقابهم على ظلهم وقسوتهم ليها ولأمها المرحومة ! .. أصلا مين فيهم ميت ؟ هي ولا أمها ! الإجابة كانت انها هي وأمها ميتين ! هي كمان ماتت من زمان .. لكنها لسة فوق التراب .. على عكس أمها إللي حضنتها الأرض وترابها وحنوا عليها لأنها كانت مؤمنة .. أما البشر إللي من لحم ودم ...محدش بيحضن حد .. ولا بيداوي حد .
أجبرت نفسها تقطع أفكارها ومسحت دموعها بالعافية، وقامت تكمل مشي بعد ما دعت لأمها ...
وفجأة حست انها عايزة تتأكد من حاجة .. كان عقلها بيقولها ترجع، لكن قلبها خدها لقدّام… وأول ما رجعت تمشي وسط المقابر، عينيها وقعت على اسم… اسم كان مرعب بالنسبالها… اسم "فريدة".
وقفت مكانها. الذكرى خبطت جوا دماغها خبط. فريدة… الست فريدة.
كل حاجة رجعت في ثانية... صوتها، ريحتها، نظرتها، تعبها .. وصيتها ! ..
اتحركت ناحية القبر برجليها اللي ما بقتش شايلة جسمها...
وقفت قدامه، ومدت إيدها تتحسس الرخام البارد، من لمسة واحدة وغمضة عين .. شريط حياتها مر عليها كله أدام عينيها ..
_ ليه يا ست فريدة ؟ ...
نطقت بيها بحرقة وهي بتعض شفايفها في عدم قبول للوضع .. للواقع إللي هي فيه ! .. ضغطت على عيونها وكأنها بتمنع نفسها بالقوة انها تعود لذكريات عاشت أكتر من نص عمرها بتحاربها ...
لكن في لحظة ما فتحت .. عنيها لمحت حاجة تانية… قبر صغير جنب قبر فريدة...
مالت أدامه وقرأت المكتوب ! ... توقعت ولكنها حاولت تكدب نفسها .. مكانتش قادرة تستحمل الحقيقة !
"طيور الجنة_ أولاد جلال الصواف"
في اللحظة دي… اتسحب الهوا من صدرها. كل خلية في جسمها اتلوت من الوجع. دقات قلبها بقت موجات كهربا بتلسعها لحد أطرافها ...
دول ولاده… ولادها… ولادها هي كمان.
قلب الأم اللي فيها كانت مفكرة انه مات معاهم لكنها حست بيه وهو بيصحى حالا ويصرخ ! اتذكرّت كل حاجة… كل اللي حصل. قبل الولادة لما لقته بيخونها .. نزيفها .. ولادتها الصعبة أوي ... ولادها الاي ملحقتش تفرح بيهم ... صوت عياطهم اللي ما سمعتوش. طردته ليها وهي لسه بتنزف، وهو بيرميها في الشارع زي قماشة بالية فقدت قيمتها. وشه الغاضب… صوته القاسي… والبرد… البرد اللي ماتت فيه وهي عايشة...
الدم رجع يسري في جسمها بوجع، راسها لفت، الأرض دارت حواليها، الهوا اتقطع، حست إنها بتفقد توازنها… جسمها كله بقى خفيف، خفيف لدرجة إنها قربت تطيّر بعيد.
كانت هتقع…الأرض قريبة جدًا ..وكأن القبر بيناظيها تقع وتقربله أكتر.. تحضنه .. استسلمت وسابت نفسها وهي منهارة أدام ولادها إللي قلبها اتقطع وهي شيفاهم تحت التراب ...
لكن فجأة .. إيد مسكتها. إيد كبيرة، دافية، خشنة، مسكت دراعها بقوة ومنعتها تنهار.
رفعت عينيها ببطء، غصب عنها، والدموع مغرقاها…
كان هو... جرحها .. نصيبها من القسوة في الدنيا .. مصيبها من الحزن والخذلان .. جلال !
وقف قدامها، ضله مغطيها، وشه مصدوم، عينيه متسعة، هو ماسكها بإيد… وهي ماسكة قلبها اللي انهار خلاص.. حاطة إيديها على قلبها وساكتة ... بتبص بعيون دبلانة ونفس بيخرج بصعوبة شديدة ..
_ جلا.. جلال !
الروح ردت في جسمه وهو بيسمع اسمه منها ! .. افتكر .. افتكر أول مرة شافها فيها ...
المقابر .. من ١٧ سنة .. لما كانوا بيضربوها ..وقعت بين إيديه .. وأول حاجة قالتها .. كانت اسمه ! ..
فجأة دموعه نزلت وهي كمان ... دموع محبوسة جواهم وياما حرقت قلوبهم ...
محدش فيهم قدر يوقف دموعه إللي نزلت في صمت ..
العيون إللي شافتك أول مرة وهي متلهفة وحاسة انها لقت كنز .. مش هي نفسها العيون إللي بتبصلك دلوقتي وهي ميتة ومفهاش روح .. وهي خالية من كل المشاعر إلا مشاعر الخذلان والبُغض ..
العيون مش نفس العيون يا جلال .. مش نفسهم !