الخادمة الصغيرة "الجزء الثاني"
الفصل 436 د متبقية
الفصل 43

الفصل الثالث والأربعون

6 د قراءة

نسيمة وهي مرمية على الأرض، شعرها مبعثر ودموعها سائلة، رفعت وشها ناحية مازن بصوت متقطع من القهر

– إنت فاكر نفسك راجل عشان ضربتني ! لو كنت راجل كنت خليتها تحبك طول السنين دي !! كنت اتجوزتها غصب عنها !!!

مازن انحنى عليها، شدها من شعرها بعنف لحد ما وِشها بقى قريب من وِشه، وصوته نازل زي السُم

– إسمعي يا كلبة .. رضا دي… جزمتها الوسخة أشرف وأنضف من شرفك اللي مرمي في الزبالة...

الدموع في عينها غلت من الغيظ ومن شدة الإهانة وهنا شدها أكتر من شعرها بعنف وهو بيهددها بكل وضوح

_ ولو فكرتي تلمسي شعرة من راسها… أقسم بالله أدفنك حية بإيدي… من غير ما يرفلي جفن!

كلامه وقع عليها زي السياط، عينيها ولعت من الغل، مسحت دموعها بكفها المرتعش، وردّت بضحكة قصيرة مجنونة

– وافتكر أنت بردو يا مازن…لو رضا عرفت الحقيقة اللي إنت مخبيها عنها…الحقيقة اللي حرمتها منها طول السنين دي…هي مش هتسيبك لأ .. دي هتقتلك بإيدها… من غير ما يرفلها جفن !!

مازن اتجمد لحظة، عينيه ضاقت، قلبه اتقبض… لكن هو حاول يخفي ارتباكه

– إنتِ بتهدديّني لتاني مرة؟

نسيمة بصوتها المبحوح المليان حقد

– جلال يرجعلي… وإلا عليا وعلى أعدائي كلهم. والله يا مازن… هاحرق الدنيا فوق دماغكم كلكوا !!! .. جلال بتاعي يا مازن .. فاهم !!

صرخت في آخر كلامها وبعدها قامت تتسند على الكنبة من قوة ضربة مازن لها ..

_ فكر بقى هتجمعنا مع بعض تاني امتى ! ... سبق وعملتها قبل كدة ..

قالت لمازن إللي وقف يمسح وشه وهو حاسس ان الأمور بتفلت من بين إيديه .. بينهم أمور قذرة جدا محدش يعرفها غيرهم .. لأ فيه ! انجي .. ولكن لإعاقتها ... فمفيش حد غيرهم يعرف إللي حصل بجد وإللي وصل جلال للمرحلة دي من الجنون انه يكره رضا ويطردها من البيت بالشكل القاسي دا ..

هز راسه وكأنه لقى فكرة وقال

_ ماشي .. هتصرف .. بس اهتمي بخلقتك شوية بدل مانتي تشدي نفس أي راجل ..

ابتسمت غير مبالية بيه ومسحت دموعها وهدت وكأنها مدمنة خدت جرعتها ... حطت طرحتها على شعرها وقالت بهدوء وابتسامة

_ هستنى ..

وتوجهت بخطوات بطيئة للخارج .. فتحت الباب وخرجت .. ومازن اتجنن !! كسر تمثال زينة كبير بمنتهى الغضب وهو بيفتكر كلام نسيمة !

_ يعني إيه؟ رجعوا خلاص !! بالسرعة دي ؟؟

مسك تليفونه الجديد وحاول يتصل عليها .. لكن موبايلها مغلق !!! بدأ يبعتلها رسايل كتير على الوتساب زي المجنون ..

مسك وشه وحاول يهدى علشان يكسبها تاني ويصالحها بعد آخر كلام قاله ليها .. ولكن قلبه بيكون مولع نار ومش عارف يعمل إيه!!!

جلال دخل بيها الغرفة، حاططها ما بين دراعيه، خطواته تقيلة بس كلها حسم.

رضا قلبها كان بيدق بسرعة… عينيها مليانة توتر وهي بتفكر

“أكيد عاوزني دلوقتي… عاوز جسمي… كل حاجة في حياته عبارة عن كدة بس ! عمره ما فكر في حاجة غير إنه يقربلي بالشكل دا .. طول عمره مادي وعبد لشهواته "

جلال حطها على طرف السرير برفق غير متوقع، قعد جنبها، وبصّ لها بصة طويلة… مش نظرة شهوة زي ما توقعت، لأ… نظرة مشبعة بالحنين.

مد إيده، شدها عليه فجأة… وحضنها.

حضن قوي، دافي، كأنه بيحاول يدخلها جواه… مش حضن رجل لامرأة، لأ… حضن واحد غرقان في الشوق، خايف يسيبها...

رضا اتفاجئت وعينيها اتسعت، ثم غمضتها وهي بتحس بدقات قلبه على صدرها…

هو ما كانش بيدوّر على جسدها، كان بيدوّر على الطمأنينة اللي راحت منه سنين.

صوته نزل واطي وهو بيشدها أكتر

– كنت مفتقد الحضن ده… أكتر من أي حاجة تانية في الدنيا.

رضا دمعت من غير ما تقصد، قلبها كان بيتخبط جوه صدرها، ومع ذلك حاولت تضحك ضحكة صغيرة وهي بتهمس

– أنا اللي كنت متأكدة منه إنك عاوز حاجة تانية.

ابتسم جلال ابتسامة مريرة، وبص في عينيها

– أنا عشت سنين من غيرك، إزاي يجي في بالي أي حاجة غير إني أضمّك؟

سكتت، اتنهدت جوه حضنه… وفضلت ساكتة لحد ما حسّت نفسها بتسترخي أكتر وأكتر لحد ما نامت وهي بين دراعيه...

جلال فضل صاحي… عينه على ملامحها وهي نايمة، إيده بتمسح شعرها بهدوء كأنه بيطبطب على وجع قلبه قبل وجعها.

لكن فجأة، وهي في حضنه، سألته بصوت ناعم خافت

– جلال… هو إيه حكاية الغيبوبة؟

هو هنا اتجمد...فتح عينه على وسعها، وبص لها بدهشة

– مين قالك ؟

ردت بهدوء، عينها في عينه مباشرة

– حياة قالتلي.

تنهد جلال، قلبه وقع… مكانش عاوز يحكي ويصعب عليها ..

سكت ثواني كأنه بيلمّ نفسه، شدّها أكتر لحضنه وهو بيحاول يبدأ الكلام

جلال كان لسه حاضنها… صدره تقيل في نفسه، وإيده بتتمسّك بيها كأنه خايف تسيبه لحظة.

سكت شوية… بعدين صوته خرج خافت، مبحوح، لكنه مليان وجع

_ هحكيلك .. بس مش عايز شفقة . أنا دلوقتي كويس .. أنا دلوقتي أسعد إنسان في الدنيا

رفعت راسها سنة، بصّت له بعينيها الواسعة، مستنية تكمل.

تنهد بعمق، ودمع خفيف لمع في عينه وهو بيبص للسقف، صوته كأنه طالع من حتة موجوعة قوي جواه

_ بعد إللي أنا عملته فيكي .. بتد الظلم إللي ظلمتهولك .. مكونتش عارف أعيش ولا أنام وأنا عارف اني رميتك لواحدك بإيدي !!

قلبها اتقبض وهي بتفتكر التفاصيل ولكن بسرعة هربت من عقلها وهو بيقول

– خمس سنين… خمس سنين وأنا بدوّر عليكي... من غير نوم، من غير راحة… أنام كام ساعة بالعافية بعد أيام من السهر… آكل بالصدفة... حتى شغلي كان كله عشان أقدر ألاقيكي.

وقف عن الكلام لحظة، بصّ لها بعينين مرهقتين، أصابعه مرّت على شعرها بحنان كأنه بيتأكد إنها حقيقة مش حلم

– كنت فاكر إني هلاقيكي في أي لحظة… كل مرة أسمع صوت شبهك، أو شوف ضلك وسط الناس… قلبي كان بيطير… وبعدين أكتشف إن مش إنتي... وانها واحدة شبهك..

اتنفس وهو بيقول

_ قلبت البلد كلها عليكي ومسبتش مكان مدورتش عليكي فيه .. وكل ما أكبر أكتر وعلاقاتي تكبر أكتر ... أدور أكتر واستفيد من سلطتي بس عشان ألاقيكي !

ضغط على أسنانه، وصوته اتكسر

– لحد ما فقدت الأمل..

أسند راسه على جبينها، عينه مغمضة

– ساعتها… حسيت بحسرة ما حسّتهاش في حياتي كلها... أبويا ليه حياته وقبلته وقبلت حياته ... واللي جابتني الدنيا… دمرت حياتي.... بس كل دا ما فرقش معايا قد ما فرق إني فقدتك إنتي.

دمعة نزلت من عينه غصب عنه، مسحها بسرعة بإيده كأنه مش عاوز يبان ضعيف، لكن صوته فضح كل حاجة

– إنت الإنسانة الوحيدة اللي حبتني بجد... الوحيدة اللي عاشت عشاني بجد... لما حسّيت إنك خلاص… انتهيتي من حياتي… كنت مستعد أنتهي أنا كمان..

تنهد، شدّها أقرب لصدره، إيده بتضغط على ضهرها كأنه بيتشبث بيها

– من شدة الزعل مكونتش قادر اتحرك أو أقف على رجلي .. من شدة قلقي وخوفي عليكي مكونتش قادر أعيش ! دا أنا رميتك للمجهول ! إزاي اتطمن ؟؟

عيط وهو بيتخيل اد ايه كان شيطان .. بعدها كمل

_ ودخلت في غيبوبة سكر.. ماكنتش عارف حتى إني مريض. بس الحقيقة… أنا اللي رميت نفسي فيها... ماكنتش عاوز أصحى .. كنت بتمنى… أموت... أغمض عيني ومفتحهاش تاني.

رفع راسه، بص في عينيها مباشرة، صوته اتحشرج وهو بيكمل

–و أفتح عيني إزاي على دنيا إنتي مش فيها؟

إيده ارتعشت وهو بيحضن وشها بين كفيه، لمس خدّها بحنان غريب وسط كل الوجع اللي بيحكيه، وبس بعد سكون قصير همس

– أنا عشت ميت على الأرض … بس رجوعك… رجعني حي تاني...

رضا اتأثرت وهو بيحكي... وعيونها دمعت ..

حطّت كفّها على خدّه، بصّة مكسوفة وفيها اعتذار من غير كلام

– كل حاجة عدت خلاص..

قال جلال.. – وأنا اللي قصرت ومكونتش راجل ..

الراجل أمان... وأنا كنت شيطان وبس ...بس اتعلمت واتغيرت .. والله أنا عمري ما اجرحك تاني أبدا ... أنا عايز أبقى أمانك… وأمان ولادي.

حركت إيدها لتمسّ شعره من فوق الأذن، نفس النعومة القديمة.

– تبقى أمانّا لما تِقوَى لنفسك الأول... تاخد دواك، وتاكل، وتسمع الكلام.

ضحك بخفة مبحوحة

– حاضر يا دكتورة.

قربت منه أكتر، حطّت جبينها على جبينه

– وخايف من إيه دلوقتي؟

– من إني أصحى وملاقيكيش.

– أنا هنا.

– ومش هتمشي؟

– مش همشي… بس إنت كمان متضيّعناش من تاني.

تنفّس بعمق، وكأنه أول مرة من زمان ياخد نفس كامل. شدّها لحضنه تاني، ووشّه غرق في شعرها، صوته اتكسَر بحنية

– المكافأة اللي طلبتها… هي دي.

– حضني؟

– أماني .

بيتهامسوا وشفايفهم قريبة من بعض لكن مفيش قبلة . .. همس حاني وكله شغف وشجن ... همس وعود وعشق ...

قعدوا كده شوية كتير ... أصابعها بتعدّل ياقة التيشيرت على رقبته، وإيده ترسّم على ضهرها خطوط مطمّئنة.

الدنيا برا همومها تقيلة ، بس جوّا الأوضة في خفّة غريبة..

هي اتكلمن تاني كأنهل بتحطط عهد

– من بكرة دواك ما يفوتش، وأكلك ما يتأخرش، وعقلك تحكمه قبل الغضب الزعل ..

– أنا معاكي .. من إيدك دي ... لإيدك دي

ابتسمت واتسندت على صدره بضهرها وهو اتعدل ورا على المخدة، وهي فضلت في حضنه... جفنه اتقل، ونَفَسه اتنظّم.

قبل ما يغمض تمامًا، همس

– ما تسيبينيش جتى لو روحت في النوم .

– مش هسيبك... نام.

نام وهو مبتسم، وإيدها فوق قلبه كأنها بتحرس النبض. وفي وشّها هي، دمعة صغيرة نزلت في صمت ...

شاركنا شعورك:

التعليقات على الفصل

سجل دخول للتعليق
كن أول من يعلق