الخادمة الصغيرة "الجزء الثاني"
الفصل 469 د متبقية
الفصل 46

الفصل السادس والأربعون

9 د قراءة

الوقت في الطرقة كان بيعدي ببطئ جدًا  … جلال ماكنش قادر يقف ولكن رضا ساعدته وخلته يقف على اساس  يقعد على المقاعد ولكنه فضل واقف بيلف حوالين نفسه، عينه معلقة في اللمبة الحمرا فوق باب العمليات ... إيده كانت متشنجة، والعرق نازل من جبينه رغم إن الجو مكيف وكويس ...

رضا كانت قاعدة على الكرسي، بس قلبها بيتسابق بداقته مع قلبه… بتحاول تبين هدوء عشان تخفف من توتره، لكن كل حركة صغيرة منه كانت بتفضح خوفها العميق....

وأخيرًا… الطرقة اتبدلت وكأن باب من السما اتفتح ، اللمبة الحمرا فوق باب العمليات طفت.. الباب اتفتح وخرج الدكتور لابس لسه الكمامة نازلة تحت دقنه ومع كذا فرد آخرين مساعدين وأطباء وممرضين ..

جلال اندفع عليه بسرعة ووراه وقفت رضا تسمع من الدكتور هي كمان وتكون مع جلال ، صوته ارتفع من الخوف واللهفة

– ابني يا دكتور، يحي… عامل إيه ؟

الدكتور رفع إيده يهدّيه، وصوته كان هادي وطبعا هو عارف جلال بما ان المستشفى جلال أصلا إللي بانيها وهو أصلا أهم شخصية في البلد

– اطمن يا حاج جلال ... الولد حالته مستقرة الحمد لله.

جلال عينه لمعت أمل، لكنه مسك دراع الدكتور برجفة

– يعني مفيش عليه خطير ؟!

الدكتور هز راسه بإيجاب

– أيوة... يحي كان عنده كسور مضاعفة في رجله الشمال، ركبنالُه شريحة ومسامير ... كمان عنده كسر بسيط في دراعه اليمين ، اتحطله شريحة صغيرة.. أما الجروح اللي في وشه وجسمه سطحية، محتاجة وقت بس تلتئم..

جلال ابتلع ريقه بالعافية… حس إن حجر ثقيل غليظ  اتزحزح من فوق صدره...

الدكتور كمل

– هو كان فاقد وعيه من الصدمة وفقد شوية دم ، نقلنالُه اللازم ، لكن دلوقتي ضغطه مستقر.. هيفضل تحت الملاحظة في العناية 24 ساعة... لو عدّى اليومين الجايين من غير مضاعفات، هيبقى في أمان.

الدكتور كان واخد من وقته إنه يقف يطمن جلال ويتكلم معاه وهو لسة في الطرقة المؤدية لغرفة العمليات  ..

جلال حط إيده على راسه، صوته اتهدج

– الحمد لله… يا رب لك الحمد.

دموعه نزلت من غير ما يحس.. رضا جنبُه مدت إيدها وحطتها بخفة على دراعه، بصوت هادي ومواسي

– قولتلك  هيقوم زي الأسد … ربنا ستر.

بصلها جلال وحس بامتنان ليها وجلال قعد على الكرسي مستني خروج يحي .. مسح وشه بإيده، وشكله كان منهار لكن عينيه مليانة شكر..

بص لرضا وقال بصوت مخنوق

– أنا كنت حاسس إن قلبي هيقف…  الحمدلله .

رضا هزت راسها بهدوء، بعنيها طيبة واطمئنان وقالت

_ هيقوم وكلنا هنكون جنبه ..، وإن شاء الله يقوم بالسلامة....

وبعدها فعلا خرج يحي من غرفة العمليات على السرير المتنقل وجلال قلبه كان طاير على ابنه واتصدم لما شاف كل الجروح دي حتى لو سطحية لكنها كتير من احتكاكه بالأسفلت ...

عدى يوم على جلال زي سنة ! .. جه أبوه وكريمة وحتى نسيمة لما عرفوا إللي حصل ليحي يتطمنوا عليه

وطلب منهم جلال بعد وقت انهم يمشوا وهو هيقعد مع يحي هو والدكتورة وهنا طبعا نسيمة مكانتش قابلة خالص وكانت متعصبة ولكنها سكتت وندبت حظها إللي ضيعلها خطتها مع مازن .. ولكن يمكن مع زحمة تعب يحي تقدر تعمل حاجة .. فمحبتش تضيع فرصتها مع جلال وتعصبه منها أكثر وقامت مشت مع كريمة وحسين إللي مكانوش حابينها لأنهم حسوا ان فيه حاجة غلط وكريمة مش طايقة تشوفها بعد شماتتها في ابنها !! ....

________

بعد ما يحي اتنقل لغرفة كويسة وفاق عدة مرتين ولكن كان دايخ بسبب خبطته في دماغه وارهاقه ورغم انها مش خلطة خطيرة ولكن بردو مأثرة فيه ، ريحة الأوضة معقمة لدرجة تخنق ... صوت الأجهزة بيدقّ جنب سرير يحي، ضربات قلبه متسجلة على شاشة صغيرة ...

جلال كان قاعد على الكرسي جنبه، سايب إيده متشابكة في بعض، عينه متسمّرة في وش ابنه... نظرته تقيلة… مليانة غضب ووعيد، كأنها سهام مطلعة من عينه نازلة على جسد ابنه الهش ...

ورضا كانت برا الغرفة في الوقت دا وبعد شوية دخلت ومعاها كوبين قهوة ..

قربت من جلال إللي قاعد على كرسي جنب يحي .. ادتله القهوة وقالتله بمزاح على نظرته المسلطة على ابنه

_ بس بقى عينك هتحرق الولد

_ دا لو مكانش متكسر كنت ربيته

قال بوعيد وهو بياخد منها القهوة وعينه رجعت على يحي .. فسخرت

_ كنت ربيه من بدري ياخويا

جلال استفز ودافع عن ابنه ك أب

_ أنا ابني متربي أحسن تربية

_ اشرب اشرب

ضحكت بسخرية وقالت وهي بترفع الكوب لشفايفها

بعد دقائق… يحي بدأ يفتح عينه ببطء... رمش كذا مرة قبل ما يركز نظره... أول صورة وقعت عليها عينه… كانت صورة أبوه.

جلال مال بجسمه قدام، صوته خشن ومتقطع

–ياترى هترجع تنام تاني ولا خلاص دي آخر محاولة وهتصحصح ؟

يحي استوعب المرة دي هو فين فعلا ... فتح بقه عشان يتكلم، لكن الصوت طلع ضعيف... عينه لقت عيون أبوه… فيها النار والقلق في نفس اللحظة.. اتوتر وادرك كل حاجة من بداية الحادثة لما كان معاه علي لحد اللحظة دي ونسى كل آلامه وركز فقط في ردة فعل أبوه ..

وقفت رضا وخدت من جلال القهوة لما شافت يحي فاق .. وجلال  شد نَفَسه، كأنه بيحاول يسيطر على غضبه… بس ملامحه كانت متجهمة

– عملت فيا كده ليه؟ كنت عايز تموتني ؟

يحي بص بعيد عنه، ملامحه باهتة ومتهربة.. لكن جلال فجأة سكت، وملامحه اتبدلت… النار جوا عينه بردت، وحل محلها وجع عميق وحب متدفق... مد إيده وحطها على راس ابنه برفق ، وبعدها اندفع بحركة غريزية… حضنه على أد ما يقدر من غير ما يأذيه ..

ضمّه لصدره بحنية ... صوته وهو بيقرب من ودنه

– حمدلله على السلامة يا حبيبي … متعرفش أنا كنت حاسس بإيه وأنا واقف برا وهما جوا وأنا  معرفش أي حاجة عن حالتك ولا إيه إللي جابك هنا … قلبي كان هيقف!

يحي ارتبك جسده كان متخشب لكنه في الآخر ساب نفسه للحضن ولحنان أبوه ولولا ايده المكسورة والايد التانية المتعلق فيها محاليل وجهاز رسم القلب كان حضنه بقوة لأنه مشتاقله أوي وحاسس إنه نايم بقاله سنين  ..

جلال كان حاطط راسه على صدر إبنه بخفة  ببشمه وبيستشعر حرارته

_ أنت معنى  حياتي يا يحي .. مكونتش هعرف أعيش ولا أسامح نفسي لو جرالك أي حاجة ..

يحي غصب عنه ابتسم رغم ألمه وحس بحب أبوه الكبير جدا ورضا بصتله وعينيها فيها لمعة ..  جلال بيحب ولاده أوي وروحه متعلقة فيهم .. لو كانوا ولادهم عايشين ياترى كان هيحبهم كدة ؟ ايه السؤال دا !! قالت جوا نفسها وهي مستغربة عقلها إللي بياخدها لتفكير غريب ...

اتعدل جلال ورجع يبصله، صوته رجع فيه حدة لكن مخلوطة بابتسامة باهتة..

– بس حسابنا لسه بعدين...

رضا اللي كانت واقفة على جنب، اتقدمت بسرعة، شدت جلال من دراعه وقالت بنبرة صارمة

– مش وقته يا جلال! الولد لسه خارج من عملية… سيبه يرتاح..

بصلها بحدة الأول ، لكن شاف في عينيها رجاء صادق… فتنهد وساب نفسه للهدوء.

رضا مالت ناحية يحي بابتسامة هادية

– حمدلله على السلامة يا يحي.

هو حرك عينه عليها، وبرود واضح في نبرته قال

– الله يسلمك..

الكلمة خرجت بلا روح، بس رضا استحملت بروده بابتسامة صغيرة.

في اللحظة دي دخلت الممرضة، وقفت عند الباب وقالت

– يا حاج جلال، الدكتور محتاجك في مكتبه .

جلال قلبه اتقبض… بص لابنه، صوته فيه قلق

– وهسيبه إزاي دلوقتي ؟

قبل ما يرد يحي، رضا لمست دراع جلال بحنان وقالت

– روح أنت أكيد  الدكتور عاوزك في حاجة مهمة … أنا هقعد جنبه، ما تقلقش.

جلال بص جوا عيونها لحظة، ابتسم ابتسامة امتنان صغيرة، وحرك راسه

– ماشي…

طلع من الغرفة بخطوات سريعة، ولسه القلق جوا قلبه… لكن جواه كان فيه شكر لرضا إنها موجودة تاخد بالها من ابنه.

________

جلال دخل عند الدكتور اللي استقبله باحترام .. دخل وقعد ادامه على الكرسي وهنا الدكتور بدأ كلامه

_ الحمدلله فاق واتكلم معاك ؟

تنهد جلال بارتياح وقال

_ أيوة الحمدلله

الدكتور هز راسه

_ أنا أقدر اطمنك على حالته الجسدية .. بس أنت تقدر تضمن ان ابنك ميعملش في نفسه كدة تاني ؟

استغرب جلال من كلام الدكتور .. وقال

_ يعني إيه؟

_ الحادثة إللي جه فيها يحي !

رد الدكتور فقاله جلال

_ أنا كنت هعرف كل حاجة لسة ولكن كان أهم حاجة عندي يحي يكون بخير ..

هنا الدكتور هز راسه كأنه هيقول حاجة صعبة التصديق

_ بصراحة لما علي جابه وقالي إللي حصل .. بيني وبينك أنا اتحيرت .. أبلغ وأقول ان الولاد دول بيعملوا كدة .. ولا أتصرف إزاي  .. وعشانك يا حاج جلال أنا حبيت أكلمك الأول. 

كل دا نزل على دماغ جلال بعدم فهم تام ولكن كمان ببعض الغضب والغرابة انه سمع اسم علي في الموضوع !

اتعدل وصوته بقى أكثر حدة وهو بيقول

_ علي ! ..

وبعدها حس بحدة صوته وطبعا الدكتور ميعرفش غير ان علي تقريبا دراع جلال اليمين ومعاه في كل حاجة .. فقال تاني بنبرة اهدى

_ عمومًا يا دكتور .. لأ.. خلي الموضوع كله عندي ومتشغلش بالك ومش هتحتاج تبلغ لأنه هينتهي ..

جلال أصلا مكانش عارف إيه هو الموضوع بالظبط بس هو حب يقفله وميعرفش الدكتور انه مش عارف ابنه بيعمل إيه  ... هنا الدكتور ابتسم وقال

_ وعشان كدة أنا قولتلك يا حاج جلال عشان عارف انك هتلم الموضوع  .. حمدلله على السلامة على يحي وربنا يحفظه  ..

ابتسم جلال بصعوبة وقال

_ الله يسلمك ويحفظلك أولادك .. شكرا يا دكتور

_ دا واجبي يا حاج وأنت أفضالك كتير ..

رد الدكتور باحترام وحب وهنا جلال وقف وسلم عليه وهو بيقول بابتسامة

_ الفضل لله ..

وخرج من عنده وهو في دماغه ألف سؤال وكلهم .. كلهم حرفيا فيهم غضب وحيرة شديدة.. صراع جوا عقله ...

طلع موبايله وطلب رقم وبعد كام دقيق جاله الرد

_ عايزك ..

واداله مكان يتقابلوا فيه ..  وراح جلال لبيت البحيرة الأول غير لبسه .. وطبعا كان كله لبسه الجديد حجات تعجب رضا وتصغرله شكله أو على الأقل تديله سنه ... ولكنه لبس العباية بتاعته لأنه رايح يقابل علي وعاوز حاجة تتلبس بسرعة وسهلة .. هو مش رايح يتصور يعني وبقى يتخنق من الجينز والقمصان ..

_________

بعد ما جلال مشي ..  الغرفة كانت صامتة إلا من صوت الأجهزة حوالين سرير يحي...

استغربت رضا غياب  جلال دا بقاله نص ساعة فقلقت ورفعت تليفونها  تتصل بيه ..

_ إيه يا جلال فيه حاجة ولا إيه 

سألته بقلق وصوت واطي .. فجالها رده من الناحية التانية

_ لأ .. أنا رايح مشوار وراجع

_  خير ؟

رد جلال

_ متقلقيش مفيش حاجة .. بس ممكن اتأخر فمعلش خليكي مع يحي الشوية دول

هزت راسها بتفهم ومحبتش تضغط عليه وتعرف ماله وقالت

_ تمام ..

وقفلت .. ويادوب بتقفل ..جاتلها رسالة نصية من علي بيقول فيها

" جلال كلمني وقال عايزني .. لو اتأخر أبقي رني عليه كتير "

حست بصدمة ! ليه جلال يسيب  ابنه ويروح لعلي .. وعقلها هنا أدرك ان أكيد علي ليه علاقة بالموضوع وعلشان كدة خايف وبيقولها كمان تحاول تكلم جلال لو اتأخر عشان تمنع أي تصادم بينهم ... عضت شفايفها وقربت من سرير يحي بعد ما كانت بعيد في ركن في آخر الغرفة ... وبعدها رجعت قعدت على الكرسي أدامه وهي بتبصله بتركيز تام وعينها متزحزحتش من عليه .

كان هو مستلقي ، جسده مرهق ، وعيونه بتتهرب يمين وشمال... كل مرة يحاول يبعد نظره عن رضا… يلاقيها لسة ثابتة، قاعدة على الكرسي جنبه، عينيها مسلطة عليه كأنها بتقرأ أفكاره..

رفع حاجبه باستغراب، وصوته طلع متقطع من التعب

– هو فيه إيه؟

رضا مالت لقدّامه شوية، نبرتها هادية لكنها حادة زي السكين

– عايزاك تحكيلي… كل حاجة حصلت من الأول للآخر.

يحي كشر وقال بحدة ونبرة قوية خرجت منه

– وانتي مالك ؟

بس رضا ما اهتزتش، بالعكس زادت في قوتها.

– هتتمنى يكون مالي… لما أبوك يعرف من برا وساعتها مش هتلاقي حد يهديه عنك..

سكتت لحظة، قربت أكتر، كلامها خرج زي طلقة

– فقول… أحسن ما هو يعرف كل حاجة... 

ورجعت أكدت بخبث

_وهيعرف كل حاجة … وألحق أنا ألّم الموضوع قبل ما يولع.

الصدمة ارتسمت في عين يحي... رمش كذا مرة، قلبه دق بسرعة… فكرة إن أبوه يعرف كل التفاصيل كانت بالنسبة له كابوس حي..

رضا ما فوتتش اللحظة، غرزت نظرها في عينه، صوتها نازل بالثقة كلها

– آه يا يحي… أنا ليا تأثير على أبوك.

اتكأت على الكرسي براحة، وكملت وهي بترفع حاجبها بنظرة تحدي

– فالحق نفسك… واستغل الفرصة.

يحي بلع ريقه بصعوبة، القلق متحكم في كل حركة على وشه.

عينيه اتحركت من على وش رضا للسقف… وبعدين رجعت لها تاني.. النظرة اللي بينهم فضلت مشدودة… هو مليان خوف، وهي كلها سيطرة وثبات.

وهنا حصل صراع جوا يحي ولكنه فعلا حس بالخوف والقلق وهو عارف إن كفة الدكتورة دلوقتي أرجح من كفته …..

شاركنا شعورك:

التعليقات على الفصل

سجل دخول للتعليق
كن أول من يعلق