الفصل الرابع والخمسون
وصلوا البيت ونزلوا جري من العربية جلال حاسس انه عاوز يعرف فعلا ايه اللي حصل ورضا خطواتها سريعة وحاسّة بقلبها بيخبط في صدرها... مش عاوزة تعرف حاجة تصدمها .. خصوصا في مازن !!!
راحوا بشكل مباشر على الصالون، كل واحد فيهم بيدوّر بعينيه على الكوبايات كأنها دليل جريمة..
الكوبايات كانت على الترابيزة زي ماهي بالظبط ..
ــ هي هى… الكوبايات لسه على الترابيزة.
مدّت إيديها بسرعة، رفعت الكوبايتين واحدة ورا التانية وكأنها شايلة كنز، وجلال واقف جمبها بيراقب.
جلال بصّ حواليه وقال بصوت مبحوح
ــ بسرعة… قبل ما حد يشوفنا من الولاد ..
_ هنغلفهم الأول !!
ثالت وراحت جابت حاجة كويسة تعرف تحفظ فيهم الكوبايات ولفتها بأكياس نايلون في النهاية ..
خرجوا من البيت في صمت، العربية بتجري على طريق القرية والتراب بيتطاير حواليهم، والهوى بيدخل من الشبابيك... رضا ماسكة الكوبايات في حجرها كويس جدا عشان ميتهزوش والنقط اللي فيهم متقعش ...
ملفوفين بقوة وواقفين معدولين وكأنها بتحميهم من الدنيا كلها، وجلال ماسك الموبايل بيتصل بالمعمل اللي يعرفه..
وصلوا على معمل موثوق فى القرية، على قد ما المكان بسيط لكن صاحبُه دكتور قديم بيحترموه والمعمل مجهز بأحسن الأجهزة وهنا ظهر اهتمام جلال بالقطاع الطبي في قريته وتجهيزها الجيد جدا والمميز ..دخلوا وهما لابسين وشوش فيها ارتباك وخوف، سلّموا الكوبايات، وجلال بنفسه مدّ ذراعه عشان ياخدوا منه عينة دم...
ــ حلّلولي كل حاجة ممكن تتخيّلوها… منشطات، مهدئات .. فيتامينات، سموم… كل حاجة.
صوته كان فيه أمر مش طلب، والدكتور هزّ راسه وقال
ــ هتاخدوا أربع ساعات عشان النتيجة..
قعدوا فى صالة الانتظار الخشبية... أربع ساعات بقت كأنها أربع أيام. ..رضا قاعدة ساكتة تبص قدامها، وجلال كل شوية يقف ويرجع يقعد... التوتر مالي المكان، وأصوات الأجهزة في المعمل زى دقات قلبهم... .الناس حتى مكانتش موجودة لأن المعمل أكيد مش ليفتح الساعة ٦ الصبح يعني .. ولكن جلال ورضا فضلوا مستنيين أربع ساعات !! لحد ما الساعة بقت ١٠ ونص تقريبا ...
وأخيراً، بعد ساعات الانتظار، خرج الدكتور ومعاه ورق التحاليل..ملامحه جدّية، ما فيهاش أى تعبير. .سلّم الورق لجلال... فخطتفه منه رضا
رضا مسكت الورق، فتحته، عينيها بتجرى على السطور، وكل ثانية بتتغير ملامحها .. دا كان ورق الكوبايات وتحليلها ..
رفعت عينها لجلال إللي مكانش فلهم حاجة ومستنيها هي أو الدكتور يتكلموا ... وهي طبعا فهمت .. واتصدمت ! وهنا قال الدكتور بوضوح
_ تحليل الكبايات أثبت وجود مادة منشطة جنسية قوية فى إحدى العينات... وتحليل حضرتك يا حاج جلال بيقول ان إنت أخدت مادة منشطة !يعني العينة كانت عينتك .
الصدمة غطّت وشهم هما الاتنين... جلال حسّ كأنه حد ضربه على صدره، ورضا دمها انسحب من وشها...
ما فيش كلام..ما فيش ردّ.
سلّموا على الدكتور تحت توصيات جلال ان الموضوع دا سري جدا ، خرجوا... العربية اتحركت تانى على الطريق متجهة لبيت البحيرة.
مافيش صوت غير صوت الموتور وأنفاسهم... كل واحد غرقان فى دماغه، بيتذكّر تفاصيل اليوم واللى حصل...
الهوى بيدخل من الشبابيك بارد بس مش قادر يبرد اللى جواهم.
وصلوا بيت البحيرة فى صمت تام... العربية وقفت، هما الاتنين فضلوا قاعدين جوا العربية ومنزلوش .....
_ هو إللي حطها ..
قال جلال فسألت رضا وكأنها مش عارفة
_ مازن !
رد فبصتله بعنف
_ مش يمكن أنت اللي حطيتها لنفسك وعامل القصة دي عشان تلبسهاله في الآخر!!!!
_____ كان متوقع كلمة «مازن» تطلع من بوقها .. ولكنه اتثدم من اللي قالته ووجهته ليه !دي كأنها بترفض كل الدلائل وبتتهمه بقوة بدون ولا ذرة دليل رغم ان كل الادلة تجاه مازن وواضحة وصريحة تجاهه …و لكن اللى خرج كان طعنة منها في قلبه !!
طلال بصلها وقالت
ــ وليه مازن ميكونش هو اللى حطه ا؟
_مازن عمره ما يعمل كدة .
ردت بحزم فجلال لفّ رأسه عليها بسرعة، صوته فيه غُصة
ــ وليه مازن لأ؟ هو كان موجود لوحده واحنا مش موجودين … ويعدين هو عنده دافع..
رضا رفعت حاجبها، نظرتها اتحولت احتقار وتأكيد على ظنها
ــ لأ هو انت يا جلال . !!
سكتت لحظة كأنها بتلمّ الكلمات اللى هتحرقه بيها، وبعدين كملت بقسوة
ــ ماهو مين هيتفق مع مراتك غيرك!! هى تبعتلك تقولك تعالى… فتقوم تاخد منشط عشان مبقتش نافع خلاص وبعدها تبقى تستخدم دا لصالحك ! ولما أجي أنا، الغبية، أتجر وراك ويحصل اللى يحصل، وتطلع إنت برىء وكنت متخدر صح؟!!
جلال فضل باصصلها وساكت ومش مصدق إللي بيتقال وهي كملت كأنها فكرت في حاجات كمان
_ وبعدين أنت كدة كدة مبتعرفش تسيطر على نفسك اصلا .. مش محتاج مازن يعمل حاجة عشان يوقعك ...ويوقعك ليه ؟ منا كدة كدة بحب مازن وبكرهك أنت .. ومازن عارف كدة كويس ومش محتاج يبذل مجهود من الأساس .
الكلمات خرجت منها بسرعة وبصوت مهزوز لكنه قاسى، كأنها مش بس بتتهمه لكن كمان بتهرب من وجع احتمال تانى... بتهرب من اتهمام مازن ! مش هتقدر تتهم مازن أو تتصدم فيه ...
جلال بصّ لها بتعب وخذلان، عينيه فيها وجع حقيقى، كتفه نزل لتحت، نفسه اتقطع وما قدرش يرد... مكانش عاوز يدافع أو يبرر .. استسلم خلاص بجد وتعب لحد كدة .. دي حتى في عز ما كل حاجة ظاهرة والحقيقة واضحة .. بتتهمه هو !
فى لحظة الصمت اللى بعدها، هى نفسها حسّت إن اللى قالته غير مقنع، بس عنادها خلاها تكمّل… أفضل تتهم جلال أحسن ما تتهم مازن وتتصدم فيه.
جلال شدّ على الدركسيون بأصابعه، صوته خرج آخر الأمر واطى وغريب
ــ انزلى… أنا هروح الشغل.
كان صوته بلا لون، بلا غضب، بس فى مرارة وحزن تقيل.
رضا بصّت له لحظة، بعدين فتحت الباب ونزلت، قفلت الباب بقوة كأنها بتحاول تطرد بيها كل وجعها.
جلال فضّل ساكت، عينيه قدام، نفسه طالع نازل بعدم انتظام وجواه نار مهدتش لسة ..
هو دوّر العربية ومشى باتجاه موقع البناء الخاص بالمشروع الخيري ، حاسس بحزن ومرارة ومكسور الخاطر… إيده على الدركسيون بقت تقيلة وحس بخنقة شديدة ولكنه مكانش عارف يرتاح .. غمض عيونه وحاول يهدى .. بس الغضب كان أكبر منه بكتير وفعلا جلال اتظلم واتهان واتعاير ... ورضا مسابتش حاجة واحدة معملتهاس فيه لدرجة انه حتى مدافعش عن نفسه .
---__________ وصل إلى الموقع.... أصوات العمال وأزيز الآلات اصطدم بصمته الداخلي... موقع البناء كان زي خلية النحل وفعلا البناء تقدم كتير جدا في وقت قياسي ... خشب وحديد وأكياس أسمنت، أصوات وصيحات... وبين كل دا، كان مازن واقف في وسط الدائرة ، بيوزّع الكلام بابتسامة مسترخية، نظرة خبث صغيرة اتسللت من عينيه لما لمح جلال بيقترب..
قرب جلال بخطوات بطيئة، وكتفه مثقل بالخذلان والغضب.... في عينيه مزيج من الهدوء المتحفز والعاصفة التي لا تهدأ.... مازن لمح وجهه من بعيد، فابتسم ابتسامة عريضة كأنه يرى صيده وقع في المصيدة.
قال وهو بيقرب منه، صوته فيه مزيج من العتاب الساخر والشماتة
_ إيه يا جلال، متأخّر كده ليه؟ دا انت دايمًا بتبقى هنا من النجمة!
كان يتكلم وهو بيدرس ملامح جلال بتمعن، بيلقط كل نظرة وكل ارتعاشة... في راسه تأكيد بأن خطته سارت كما أراد..؛ جلال وجهه أسود ومغموم، يعني أنه وقع في الفخ...
لكن جلال رفع رأسه بهدوء مصطنع، ابتسامة صغيرة مريرة شقت شفتيه
_آه… كنت سهران مع مراتي واتأخرت في النوم.
جملة بسيطة، لكن وقعها على مازن كان عظيم !!! ابتسم مازن بدوره ابتسامة أوسع وهو اتأكد ان خطته تمت .. نسيمة مكلمتوش !! جلال جاي متأخر وشكله مهموم يعني حصل بينهم حاجة ورضا شافتها كمان !! ...
غمز بعينه وهو يحاول يستفزه
_ بس نسيمة حلوة وتستاهل…
جلال هز رأسه ببطء، نفس طويل خرج منه وهو يحاول أن يكتم ما في صدره... عينيه تلمعان بنظرة تحذير..مكانش عاوز يرتكب جناية هنا أدام العمال، فسابه يكمل خبثه ومرضاش يضربه ادام كل الناس .. ولكنه بعدها فرد كتافه و صدمه بجملة حادة صحح بها كلامه بهدوء قاتل وابتسامة راضية
_الدكتورة… الدكتورة تستاهل.
تجمد مازن مكانه... كل ملامحه اتغيّرت في لحظة، ابتسامته اختفت، وعينيه اتسعت بذهول... لأول مرة منذ بداية اللقاء بدى عليه الارتباك الحقيقي.. بلع ريقه وسأل وصوته فيه ارتجافة قوية
_ إنت كنت مع أميرة…؟
جلال رفع رأسه أكثر، نظراته قوية ثابتة، لا ترمش، كأنه يقرأ انهيار مازن أدامه كلمة كلمة. ..صحح له بنفس النبرة الثقيلة، الكاشفة والقوية
_كنت مع رضا...
بهتت ملامح مازن وقلبه كان هيقف من شدة الصدمة !!!! فقرب منه جلال وبص جوا عينيه بقوة وهو بيسأله بنبرة ذات مغزى
_ مالك متفاجئ كده ليه ؟ … ولا كنت عاوز حاجة تانية تحصل؟
الكلمات خرجت باردة لكن كالسياط... حولهما توقف الزمن للحظة، حتى أصوات العمال بدت بعيدة...
مازن بصله له وهو مش عارف يقول إيه ... خطته إللي كان مفكرها محكمة انقلبت عليه في ثانية، وها هو جلال واقف أمامه، ملامحه مشدودة لكن عينيه صارت تحمل شيئًا آخر… شيء يشبه النصر الهادئ على عدو انكشف...
_ مش عاوز حاجة .
تفوه مازن بالكلام دا ومشي بسرعة لعربيته وجلال بيتابعه بعيونه وهنا فعلا اتأكد ١٠٠% ان مازن ورا كل حاجة .. وللأسف معنى الكلام دا .. ان نسيمة مراته متفقه معاه !!!!....... كل حاجة انكشفت ادام جلال ومش هيسيبهم ...
أما مازن قفل على نفسه العربية بتاعته المتفيمة وضرب الدريسكيون عدة مرات بغضب شديد جدااااا لحد ما تسريحة شعؤه باظت .. يعني ايه ؟؟؟ يعني ايههه !!! يعني خكته باظت ! ولا يمكن جلال بيكدب عشان ميبانش مهزوم !! كان هيتجنن ويفقد عقله
وهنا تليفونه رن .. لقى نسيمة !!فتح التليفون بسرعة ونسيمة قالت بنواح
_ بنت الكلب.. بنت الكلب شدتني من شعري وطردتني برا اوضة نومي ودخلت هي !!! هي إللي نامت معاه مش أنا !! هيي !!!
وكانت بتعيط بانهيار وهي في الأوضة بتبص على قطع هدوم رضا إللي نستها هنا من العجلة وهدوم جلال إللي واقعة في الأرض والأوضة إللي مقلوبة كلها على بعضها وهي بتكمل بانيهار وصراخ
_ معرفتش أكلمك .. لسة عارفة ادخل الأوضة وهي سيبالي علي ابن كريمة عليها كلب حراسة !!!! ... هي إللي نامت مع جوزي في سريري طول الليل .. هي !!!!!!
وعادت تاني للإنهيار والصراخ وكانت بتبود وبتدمر باقي الأوضة !!! ..
أما مازن فساب الموبايل ببطئ وحط ايده على وشه من شدة صدمته ومش مصدق إللي حصل !!!..
كل حاجة حرفيا .. كل حاجة .. حصلت عكس ماهو خطط ..وبدل ما بعدهم .. دا قربهم.. دا قرب بينهم المسافات! دا خلاهم يرجعوا لبعض رسمي !!!!!! .. حط ايده على قلبه وهو مش قادر يستوعب !! وبعدها ساق عربيته وطلع بيها بسرعة وهو عارف وجهته هتكون فين وعيونه كلها شرر !!