الفصل السادس
مازن قاعد على الكرسي، جسمه متشنج، صباعه بيخبط في دراع الكرسي بسرعة ،وعينه مش ثابتة في مكان...كان بيبص على الباب…كل ثانية بتعدي، صدره يضيق أكتر.
رضا كانت قاعدة قصاده، لبسها بسيط سادة، شعرها ملموم،و عينيها مكسورة وقلقانة…بل مرعوبة ! مجرد ذكر اسم الوصية .. خلاها تفتكر ذكريات مكانتش حابة تخطر على بالها تاني ... كل شوية بتضم إيديها على بعض، وبتقول دعاء بصوت واطي جوا نفسها من غير ما تحرك شفايفها...
الدنيا ليلت ولكنهم لسة قاعدين مستنيين ومحدش فيهم قادر ينام أو يتحرك من مكانه حتى ..متصلبين مكانهم مستنيين المحامي ..
وأخيرًا…رن الجرس....
راح بسرعة مازن يفتح ورضا قلبها دق بسرعة ...
دخل المحامي. راجل خمسيني، شيك جدًا، لابس بدلة رمادي غامق وكرافتة كحلي، عربيته مركونة قدام البيت، ولسه راجع من ألمانيا مخصوص عشان الوصية...
سلم عليهم بهدوء، وقعد، وفتح شنطته الجلد، طلع ظرف أبيض مكتوب عليه بخط ست كبيرة وراقي...
"وصيتي."
فتح الظرف بهدوء، وعينيه بتتحرك بسرعة على الكلام قبل ما ينطقه، وبعدين رفع عينه لهم، وصوته طلع ثابت، جهوري، بالفصحى
– "ابني الحبيب مازن… ابنتي الحبيبة رضا…
إنني أكتب إليكما هذه الوصية وقلبى مملوء بالحب والخوف عليكما معًا… لقد وهبنى الله الكثير، وعلّمنى أن السعادة لا تكون أبدًا فى المال ولا فى المناصب،
ولكنها فى العطاء… العطاء فقط.
أوصيكما إذا فارقت الحياة، أن تخلّدا اسمي وخير عائلتي بين أهل هذه القرية الطيبة، وأن تعملا سويًا على إنشاء مدرسة كبيرة شاملة لجميع المراحل حتى الثانوي، تعليمها مجاني، وتربيتها راقية على الدين والخلق والعلم معًا… وأوصيكما كذلك بمستشفى مجاني شامل لكل التخصصات، فأهل هذه القرية تعبوا كثيرًا، ولا بد أن نرد لهم بعضًا من جميلهم.
اجعلا كل هذا في أرض القرية… بين أهلها… لأني لا أريد شهرة، بل أريد رضا الله، وأن أُدفن وأنا مطمئنة أنكم تواصلون رسالة الخير.
سامحاني إن قصّرت في حقكما يومًا… واذكراني بدعوة صادقة على قبرى. أمكما الحبيبة .
سكت المحامي لحظة، عينيه اتحركت ما بين مازن ورضا...
رضا كانت دموعها بتنزل في هدوء… مش بس دموع حزن، دي دموع وجع وحنين… عينيها كانت شايفاها ادامها هي إللي بتقول الكلام دا بحنانها وطيبتها ....
أما مازن… وشّه كان مصدوم، ملامحه متخشبة، عينيه مش بترمش ...
فجأة صوته طلع عالي، مكسور بالعصبية
– إزاي…إزاي أنفذ الكلام ده؟!! مدرسة وثانوي ومستشفى مجاني كمان؟! مين هيبيعلي أرض أصلاً ؟! كل اراضينا اتباعت من سنين .. مين هيساعدني هنا؟!
كان صوته بيرتجف، مش بس من الغضب… من الخوف. خوف العاجز اللي عارف إن أمه ماتت وهو مش قادر يحقق حلمها...
المحامي شال نظارته بهدوء، مسح عدستها، وبص له بنبرة عقلانية باردة
– شوف حد من أهل البلد …اشتري منهم أرض… أو حتى اطلب منهم التبرع..
مازن ضحك ضحكة قصيرة مكسورة بالعصبية
– تبرع؟!تبرع إيه؟!دول شوية جهلة متخلفين!! ولا حد فيهم بيفهم أي حاجة.
كان صوته عالي، ووشه محمر، وباين عليه التيه والقلق .. خوف إنه مايبقاش قدها. قد وصية أمه…وقد رضا اللي كانت قاعدة قصاده، ساكتة…بس عينيها فيها كلام كتير…كتير أوي.
اتنهد المحامي وقال
_ حلها يا دكتور مازن .
_ احلها ! طب وشغلي وحياتي .. أنا المفروض كنت أبقى في الطيارة دلوقتي ..
مازن بيكون منفعل ومش مصدق التدبيسة إللي هو بقى فيها ...
بيرد محامي العيلة
_ وقفها شوية وأجل كل حاجة .. وبعد ما تخلص المطلوب أو حتى تمشي فيه سلم الإدارة والإشراف لحد غيرك بتثق فيه !
بتحس رضا بكلام المحامي فعلاً حقيقي وسليم ..ولكنها بتكون بتفكر في حاجة أعمق .. وهنا مازن اتنرفز أكتر
_ اوقف حياتي ازاي أنا دكتور !! وبعدين افترض اني لاقيت الأراضي الكبيرة الواسعة إللي هبني عليها .. ومين دا إللي أثق فيه ! أنا معرفش حد هنا .
بيبصله المحامي بشك وهو بيقول
_ مش جلال الصواف صاحبك ! ... مش هتلاقي أحسن منه يساعدك في الموضوع دا
_ جلال دا آخر بني آدم في الدنيا يؤتمن على أي حاجة..
ثار مازن ورد بسرعة وبعنف على المحامي وسكتت رضا وحست بقلبها اتقبض لما جات سيرته والمحامي ذهلهم بكلامه وهو بيقول بثقة راجل مخضرم وكبير وبيفهم في الناس ..
_ غريبة ... وأنا بشرف على بيع اراضيكم هو إللي سهلي كل حاجة وكان راجل جدع وذكي جدا أنا نفسي انبهرت بيه ... والناس بتحبه وبتقدره وهيعرف يقنعهم ويجيبلكم الأرض كمان ... أعتقد دا الخيار الأنسب !
_ متجبش سيرته تاني دا انسان فاشل وتافه ولو هو آخر واحد على وش الأرض مش هخليه يساعدني !
<لشراء الرواية والحصول على جرعة استمتاع وحماس أكبر من دون انتظار تقدروا تشتروا الرواية من خلال التواصل على رقم وتساب 01098656097 أو تلجرام أو فيسبوك وسعر الرواية ٥٠ جنية داخل مصر و٦ دولار خارج مصر >
قال مازن وهو بينهي الحوار .. أما رضا فكانت مركزة في كلام المحامي .. بتسمع كلام غريب عن جلال جدا ! .. معقول جلال فيه كل الصفات دي ؟ غريب انك تعشقي راجل وتتجوزيه وتخلفي منه .. وتطلعي متعرفيش عنه حاجة في النهاية .. أو إللي عرفتيه عنه .. يخليكي تكرهيه وبس وتتأكدي انه مجرد شيطان ....
اتنهد المحامي وهو شايف مازن عمال يروح وييجي ادامه ومش مقتنع بالفكرة إللي طرحها عليه
_ إللي أنت شايفه يا دكتور مازن .. لو احتاجت مشورتي في أي حاجة فنا موجود في مصر لمدة أسبوع.. مع السلامة ..
_ مينفعش تمشي من غير ما تتعشى معانا ... وكمان هتنام هنا مش هينفع تروح القاهرة باليل ..
قالت رضا وهي بتستقبله في البيت بذوق فبيحتار المحامي وبيبصله مازن وبيقول بعد ما بيكون استعاد بعض هدوءه
_ فعلا مينفعش تمشي .. حضرتك هتقضي الليلة معانا النهاردة ..
بيهز المحامي راسه وبيسكت وبعدين مازن بياخده يوريه أوضته إللي هيرتاح فيها ...
ورضا بتفضل قاعدة مكانها .. مش مصدقة إللي حصل !
يعني مش هتعرف تمشي ..هتفضل ! هتفضل في البلد ومش هتعرف تتحرك ولا تروح أي مكان !...
حست بالخنقة والضيقة .. ليه دايما بتشيل هم غيرها ! ليه إللي بتحبهم دايمًا بيكونوا سبب في تدمير حياتها !
وصية أم مازن ..وصية جدة جلال .. وجلال نفسه !
حست بالخنقة وحطت ايدها على بقها من الصدمة .. كانت عايزة تمشي وتختفي ! كانت نفسها تسيب البلد وقرفها وترجع تاني ألمانيا ...حياتها هناك وعيشتها كلها .. مينفعش كل دا يتدمر .. عشان وصية تانية !
_________
في اليوم التاني مازن استدعى رامز بعد ما عقله تعب من التفكير ومكانش عارف ياخد أي حاجة بمرونة أبدًا ...
رامز استغرب في البداية لما لقى الراجل إللي جلال كلفه انه يشوف طلبات مازن عايزه ! ... ولأنه كان مسافر لسة ادى رقمه لمازن واتصلوا ببعض وهنا قال مازن في التليفون
_ أنا مش عارف أعمل إيه بعد إللي حكيته دا كله ..
جاله رد رامز
_ الله يرحمها .. الست دي كانت عظيمة أوي حتى في موتها بتفكر تساعد الناس ..
اترحم عليها مازن هو كمان وحس فعلا بعظمة أمه وطيبتها .. رجع قال
_ وبعدين يا رامز .. إيه إللي لازم يحصل دلوقتي ؟
رد رامز بهدوء _ عادي الموضوع سهل .. جلال هيحله بسرعة
سكت مازن من الصدمة انه لتاني مرة حد يقوله جلال ! جلال جلال جلال جلال ! زهق خلاص وقرف .. دا مكملش أربع أيام في البلد وكل يوم يسمع اسمه ..
_ ولو مش عارف تكلمه أنا هكلمه ..
عرض رامز فرد مازن بانفعال
_ ومش هعرف أكلمه ليه يعني !؟؟
قال رامز بنبرة موحية
_ أنت عارف ليه .. إللي بينكوا مش سهل خالص وجلال لسة مخدش رد فعل فيه ..
_ خلاص يبقى متقوليش جلال تاني .. وياخد زي ما ياخد ولا يغور .. ولا يقدر يعمل أي حاجة
رد رامز وهو بيعدل نضارته وبيتعدل على كرسيه وعدل التليفون على ودنه وقال بنبرة جادة
_ بص يا مازن عشان أنت الحزن واخدك والصدمة كمان وبردو السنين الطويلة البعيد عننا خلتك مش عارف أوي احنا بقينا عاملين إزاي .. خصوصًا جلال ..
سكت مازن وهنا دخلت رضا الأوضة على مازن وطلبت منه يفتح الاسبيكر وفتحه مازن بضيق ورامز بيكمل
_ جلال الصواف هو إللي ماسك كل حاجة في البلد .. كل واحد في البلد دي قبل ما بيعمل أي حاجة بيرجعله .. قبل ما يدخل أي مشروع وأي تجارة .. قبل أي سفر وأي تعليم... الناس دي ماشية بكلامه وعايشين تحت خيره ... جلال مبقاش جلال القديم إللي أنت فاكره .. العيل التافه إللي كل همه الستات .. جلال الصواف كلمته بتمشي على أتخن تخين في البلد ومش في بلدنا بس دا في مصر كلها ! ...
سكت مازن ورضا مظهرش على وشها أي تعابير وهي بتسمع .. جمود فقط ... مازن مكانش مستوعب إللي بييمعه لدرجة انه قال في حيرة
_ أنت إزاي بقيت كدة ؟ أنت إللي بتقول عنه كدة وأنت عارف كل بلاويه !
رد رامز بعملية شديدة وكلام بنبرة قوية وفعلا حقيقي
_ آه أنا.. وعشان أنا عارف كل بلاويه فنا أقدر أقولك ان جلال القديم مش اختفى دا اتنسف !! .. جلال الجديد مسك شغل أبوه وأملاك عيلته وحولها لأضعاف وكرس حياته للشغل وخدمة الناس .. مخدمش البلد بس دا خدم الدولة ! ..وانزل لف في البلد وأنت تفهم .. وأبقى خد الدكتورة معاك وابقوا دوروا على مشاريعه الخيرية والاستثمارية إللي مالية مصر .. وبالمرة تشوف الأرض إللي أنت عايزها وتحدد المكان علشان الحاج جلال الصواف لما يسألك عايز أنهي أرض.. تبقى تعرف تقول وتحدد عشان هو بيحب كل حاجة تكون محسوبة ! ...
مازن اتصدم من إللي سمعه ورضا ضيقت عيونها وبدا عقلها يعيد الكلام تاني يركز فيه ... مازن اتنرفز وقفل الخط مع رامز وهو هيتجنن .. بقى جلال إللي لابس جلابية ومكملش تعليمه وفشل في حياته إللي كانت كلها عبارة عن شهوات بس ... عمل كل دا !! .. مكانش مستوعب إللي سمعه ولا مصدق ورافض وبيتمنى العكس يكون هو إللي حاصل ..
_ أنا استحالة أتفق معاه ولا أحط إيدي في إيده..
رضا كانت ساكتة فبصلها مازن
_ مالك ساكتة ليه ؟ ما تتكلمي ..
اتنهدت وقامت وراحت تقعد جنبه .. حطت ايديها على كتفه وقالت
_ أنا واثقة إنك هتقدر تعمل كل حاجة من غيره .. متستهينش بنفسك ولا قوتك ..
لانت ملامح مازن ومتافه خف تشنجها تحت إيديها فهي طبطبت عليه وقالت بحنان
_ معلش ... الزعل لسة كبير عليك ولسة مفقتش من الصدمة .. ورغم كل دا متأكدة إنك هتقوم منها .. وهتنفذ وصية مامتك ..
حضنها مازن وهو حاسس فعلا بضعف .. وخايف ! خايف أوي من حجات كتير ..
ضمته ليها بقوة وهي بتحبه جدا .. بتثق فيه وفي حنانه وفي قوته .. مازن كان شخص رحيم بيها طول عمرها .. وهبها حياة جديدة ... فرصة جديدة .. بالنسبة ليها هو ومامته لو ضحت بحياتها عشانهم مش هيكون كفاية ..
_ ان شاء الله.. ان شاء الله هقدر ..
قال فقالتله بحنان
_ وأنا معاك .. وهننزل سوا نتمشى في البلد .. ومتأكدة إننا هنحلها .. ماشي ؟
بعدت عن حضنه فبصلها وابتسم بحزن وحس بأمل شوية فابتسمت ليه ..
وفعلا .. في اليوم التاني .. كان مازن معاه رضا بيلفوا في البلد وبيتمشوا وبيكتشفوها ! وهنا كانت صدمتهم الكبيرة ..
الطرق كلها أسفلت مش ترابي ! .. والطُرقات والممشى والممرات فيها حجارة وزي أرض الحسين والمعز ! .. رضا كانت ماشية مصدومة .. مش هي دي البلد إللي اتولدت و عاشت فيها ...
مفيش زبالة في الشوارع .. مفيش همجية .. الناس كلها لابسة زي ما تحب ولكن باحترام لحدود نظر الآخرين... اكتشفت ان فيه كنيسة ! كان فيه مسيحين في البلد لكن مفيش دور عبادة ليهم .. ولكنها اتصدمت لما لقت كنيسة وكبيرة كمان ومعامرها حلو أوي.. المساجد جميلة ومعمارها مميز ! ..
مازن كان لابس نضارته وكل شوية يقلعها وينزلها علشان يشوف ويتفرج على نفاصيل البلد إللي فيها زرع في كل مكان .. فيه طريق خاص للعجل ! .. كمان!! مازن حس بالصدمة ورضا .. مكانوش متخيلين التطور دا كله ! إزاي وامتى ؟؟؟ ... كانت صدمة حضارية وكانوا حاسين انهم مش في حقيقة دول في حلم ..
وهما ماشيين كانت البلد مفهاش ناس كتير .. ودي حاجة كمان استغربوها .. لكن مش دي الحاجة اللي بهرتهم أصلا .. المحلات نفسها بهرتهم وإزاي كل حاجة متظبطة ومعاييرها مظبوطة .. دا أكيد حلم أو سحر مش حقيقة !
شافوا تجمع كبير عند أحد المساجد .. تجمع منظم جدا وكراسي مصفوصة شكلها كويس .. كل حاجة متظبطة ومتجهزة ..
وهنا بدأ الحدث.. بدأوا يسمعوا صوت إللي بيقدم الحدث ..
قربوا أكتر لحد ما شافوا طرابيزة طويلة عليها أربع رجالة من لبسهم ظهر انهم رجال دين ولكن آخر واحد فيهم كان جلال ! ...
راحوا قعدوا على الكراسي ومع كلام المقدم للحدث فهموا ان دي .. مسابقة لحفظة القرءان الكريم !
أصوات الأطفال والشباب بتتلو آيات ربنا بصوت بيرجف القلوب،وكل واحد منهم صوته أصفى من اللي قبله… وكل حرف خارج من لسانه بصدق وتجويد وراحة عجيبة.
رضا كانت قاعدة جنب مازن، عينيها بتلمع من الدهشة، كانت سامعة القرآن كأنه بيتقال لأول مرة… بتسمع بأذنها، وقلبها هو اللي بيردد الآيات.
أما مازن… كان قاعد ووشه ثابت لكن عينيه بتتحرك بين كل طفل وشيخ وهو مش مصدق إن البلد اللي كان شايفها “شوية جهلة” فيها النور ده كله.
لجنة التقييم قاعدة قدامهم، كل شيخ منهم بيقول رأيه وتقييمه في هدوء واحترام. لكن جلال…كان ساكت..ما نطقش بكلمة من أول المسابقة.
لحد ما آخر متسابق خلص،والصمت نزل على المكان كله. رضا ومازن حضروا بدون ملل وكانوا مستمتعين جدا وكذلك أهل البلد إللي محدش فيهم قام ! بل قاعدين ومستمتعين لآخر لحظة بأصوات الأطفال الملائكية إللي بتتلو القرءان ..
بعد ما انتهت التلاوات وبدأ الشيوخ في تجميع الدرجات وأهل البلد قاعدين مستنيين النتيجة .. ساعتها جلال قام.
قام بهدوء، لكن حضوره كان تقيل ..
مشي ناحية منصة التقديم،خطواته هادية وراسية، جلابيته بتتموج مع خطواته الواسعة، ولحيته الكثيفة مغطيه ملامحه الرجولية الصلبة. طلع على المنصة، مسك الميكروفون بإيده الكبيرة، وبص للجنة التقييم…وبعدين للناس كلها.
سكت لحظة… صوته خرج هادي، لكن مليان قوة
– أنا…أنا مش عالم قرآن، ولا شيخ من شيوخكم الفضلاء…أنا راجل بسيط، جهلي أكتر من علمي، وحضوري هنا النهاردة وسط الشيوخ الممتحنيين كان بإصرار اللجنة المحترمة دي…لكن والله أصغر طفل في المكان دا…هو أعلم وأحسن مني ألف مرة.
سكت شوية، عينه بتلف على الوجوه، وعينيه كانت بتلمع بدموع مكبوتة وهو بيكمل
– أنا فخور…فخور باللي وصلتوله يا ولاد … فخور إن البلد بقت عامرة بكتاب الله وذكره…وبقول لكل أب وأم…علموا ولادكم ان العلم والدين هما اللي هينجونا، وهيرفعونا، وهيصونوا شرفنا.. اللي عايز يعيش حياة شريفة وكريمة وسعيدة … لازم يتقي ربنا في شغله، في بيته، في عياله، في الناس كلها.
سكت، خد نفس طويل،ونزل عينه في الأرض لحظة، وبعدين رفعها تاني…
وفي اللحظة دي…عينه قابلت عين رضا.
فضل باصص فيها،عينيه سابت كل الناس، واتشدت لعينيها هي بس.. مكانش مصدق انها هنا ! هي نفسها قلبها اتشد أول ما اتقابلوا في نظرة واحدة ! مش مصدقة أصلا الكلام إللي هو قاله وكان كلام رامز بيتردد جوا عقلها .. فعلا جلال بقى مختلف ! ..
بعد ما اتفاجئ بوجودها صوته خرج واطي، لكنه مسموع في كل ركن
– أوعوا…أوعوا تضيعوا حياتكم والشيطان يغويكم .. أوعوا تخسروا حد بيحبكم… ولا تكسروا قلب حد صافي بسبب طيشكم وغلطاتكم… لأن الغلط سهل جدًا…بس وجع هيفضل جوا القلب طول العمر ومش هيقل لحظة ومع كل نفس هتحسوا بألم ووجع ... نصيحتي ليكم انكم تتسلحوا بالعلم والإيمان علشان تقاوموا الفتن إللي بقت منتشرة في الزمن دا .. إللي هيسيب نفسه هيضيع ومش هيعرف يرجع تاني زي ما كان ! .. وألف مبروك ليكم كلكم وكلكم كسبانين يا حبايبي ...
كانت عيناه مليانة ندم…وصوته مليان وجع لكنه في النهاية هنئ الطلبة وساب المنصة ورجع مكانه تاني ... ومن بعدها بدأ المقدم الأساسي يعلن عن النتيجة ..
مازن كان باصص لجلال بذهول، مش مصدق إن ده جلال اللي كان زمان رمز للقسوة والجبروت والضياع دلوقتي الناس عملاله وزن !
أما رضا…فكانت قاعدة بهدوء، من غير صوت…ولا حركة.
بس قلبها كان بيتلوي ويتوجع … لأنها عارفة…كل كلمة قالها…كان بيقولها لها هي... لكنها مهتمتش كتير وقامت وقفت ومشت ومشي وراها مازن علطول ..
_ شوفتي يا ماما !! قولتلك كان بيبصلها وهو بيتكلم
قالت حياة لنسيمة إللي قاعدة جنبها فبصت نسيمة لقت رضا وهي خارجة وماشية ووراها مازن !
_ معرفش إزاي متجوزها ؟ يعني إيه يا ماما انتي ليه مش عايزة تحكيليي ولا بابا بيرد عليا ؟
سألت حياة بحيرة وحزن .. ولكن عيون نسيمة كانت متعلقة في رضا لسة ! .. بعدين بصت لجلال لقيته بيسلم المتسابقين الجوايز ...
قلبها كان فيه نار ومش قادرة تفكر غير في النار إللي جواها .. لما حياة قالتلها فكرتها بتتهيئ .. لكنها اتصدمت لما عرفت ان كلامها صح ..
خلصت المسابقة وكلهم راحوا على البيت وأول ما جلال دخل ولسة بيخلع عنه الجلابية لقى نسيمة أدامه مربعة إيديها وواقفة ..
خلع جلابيته وعلقها ووقف باصص ليها ..
_ مالك ؟ في حاجة حصلت ؟
_ أنت شايف ان مفيش ؟
قالت بتحفز فبصلها ببرود وقال
_ قولي انتي عايزة إيه بوضوح علشان أرد عليكي
_ ممكن تفهمني إيه إللي بيحصل ؟
_ إيه بيحصل في إيه؟
_ جلال متلفش وتدور في إيه!! من ساعة ما جات وأنت مش على بعضك خالص ! لتكون ناوي ترجعهااا
بصلها جلال وسكت ومشي بخطوات بطيئة وقعد على السرير وبعدين قال بهدوء
_ أيوة ناوي أرجعها !
عينيها اتفحت على آخرها ومقدرتش تخبي غضبها إللي ثار وقالت بصوت عالي وعصبية
_ هترجع واحدة زي دي على ذمتك يا شيخ جلالل!! إذا كنت أنت غلطت زمان فانت توبت خلاص وبقيت الحاج جلال انما هي لأ! قلعت الحجاب وعايشة مع واحد غريب ورايحة جاية معاه وبتحضنه في العلن ما بالك في السر بتعمل إيه... هتقبل على نفسك ترجع واحدة زي دي على ذمتك !!!!
بصلها جلال وفضل ساكت ...ولكن نظراته خلتها تدرك انها غلطت لما اتعصبت عليه وقالت الكلام دا كله ... عضت شفايفها ومبقتش عارفة تعمل إيه ورغم انها أكبر منه .. إلا ان جلال ... كان قادر يبقى فوق أي حد .
_ تعالي ...
قالها كلمة واحدة بس .. فبصتله بتوتر .. وقربت وقعدت على السرير ووشه ليها فقال بهدوء
_ خدي بالك من كلامك كويس .. دي مراتي قبلك ! و أم عيالي ..
_ الميتين
الكلمة فلتت من لسانها فضغط على فكه من قسوتها ولكنه شدد على كلامها وقال
_ حتى لو ! .. بردو عيالي ! ورضعت عيالي إللي عايشين على وش الدنيا دلوقتي! يعني أمهم بردو ..
معرفتش ترد فقرب وشه منها وقال بنبرة حازمة وناهية
_ احترامها مش ذوق منك ولا واجب عادي .. دا فرض ! فرض تلتزمي بيه وكلمة غلط عليها أنا مش هسمح ! مش هسمح بده .. ولما تيجي تعيش معاكي هتحترميها !
هنا اتصدمت ! دا ناوي يخليها تعيش معاها كمان ... مقدرتش تستحمل وبدأت تبث سمومها في كلامها
_ طالما أنت هتقبل على نفسك واحدة زيها .. هي بقى هتقبل ترجع للي مشافتش منه أي حاجة حلوة في حياتها واتهمها في شرفها وطردها ! دي لو قبلت يبقى معندهاش شرف!
_ رضا هي أشرف واحدة أنا عرفتها في حياتي .. أشرف واحدة في الدنيا كلها ...
الرد قتلها ! رد بسرعة وبقوة .. قول واحد وهو بيبص في نص عينها ! .. حسسها إنها آخر واحدة تتكلم عن الشرف ! ... كمل جلال بصدق
_ أنا إللي مستاهلهاش ولو مقبلتش بيا يبقى حقها وحقها انها تيجي تقتلني وتاخد روحي ومش هيبقى عندي مانع .. بس أنا مش هقدر محاولش .. مش هقدر أسيبها تبقى مع غيري واتفرج واسكت حتى وأنا عارف إني مستاهلش ! .. حتى وأنا عارف ان روحي مش كفاية للي عملته فيها ..
نسيمة دموع القهر والحقد اتجمعوا في عيونها فصعبت على جلال