الفصل الخامس والستون
خرج جلال من عندها خائب الرجا بعد ما رفضت بكل الطرق انها تفضل !
ورغم تهديده ليها انها لو مشت هيقلب الدنيا .. ولكنه مقدرش يعمل حاجة ! ... قلبه مطاوعهوش يعمل حاجة عكس رغبتها تاني ! ... بس قلبه كمان اتكسر بقرارها خصوصا وهو شايفها بتفتح اللابتوب ادامه وبتحجز تذكرة أونلاين!! ..
راح جلال للمزرعة ... الحيوانات يمكن تحن عليه زي ما عملوا لسنين طويلة ...
قعد وسطهم وهو صامت .. كانت مزرعة بيت البحيرة فيها حصان وفيها ماعز .. جلال بيحب الماعز جدا وبيحسهم دمهم خفيف ! ..
حضنته معزة صغيرة ! آه بالظبط.. قربت منه وجلال خدها في حضنه .. وهنا ضحك على نفسه ! بيحضن معزة ..
_ بتحضن معزة !
قال رامز وهو بيضحك بسخرية ... انتبه جلال ليه ولقاه واقف بطوله الفارع ومايل بجسمه على باب المزرعة ...
_ طب كنت تقول انك مش لاقي حد يحضنك والدكتورة عاصية عليك .. كنت حضنتك أنا باعم بدل مانت بتتحرش بالحيوانات كدة ..
بصله جلال بتقزز وساب المعزة من ايده ونفسه اتسدت اكتر من صاحبه وفضل قاعد مكانه
_ كل مرة بشوفك فيها جنب الحيوانات كدة وبتأكلهم وبتحن عليهم .. بستغرب ..
جلال زفر بصوت عالي، وكأنه بيوضح لرامز انه مش في مزاج هزار خالص دلوقتي ...ولكن رامز كان ليه رأي تاني وهو بيكمل بحب واحترام لجلال
_ إزاي قلبك رقيق كده وحنين حتى مع كائنات مبتعرفش تتكلم ولا تعبر .. إزاي بتراعيهم كدة ؟ فيك حب كبير يا جلال .. حب وغُلب ! ..
قال جملته وجلال الكلام أثر فيه .. بص في الأرض وحس فعلا ب " الغُلب " إللي قال عليه رامز !
رامز قرب منه وقعد جنبه، مسافة صغيرة بس اللي بينهم، والهواء بارد ورائحة التراب طالعة من الأرض ممزوجة بريحة الحيوانات
سكت رامز وبعد دقايق من الصمت المتبادل بينه بين وجلال .. صمت اتنين صحاب جواهم جبال ولكنهم مش قادرين يعبروا عنها .. مش قادرين يتكلموا ولا ينطقوا !!! ... ولكن فجأة خرج صوت رامز يشق الصمت بحشرجته وتأثره بما يتلفظ ويعترف
_إنجي كانت دايمًا تقوللي إزاي ابنها مصاحب واحد زيي... تقوللي إني بستغلك وباخد منك فلوس.
جلال حاول يهون على رامز وابتسم ابتسامة صغيرة وهو بيهز رأسه
_طب ما أنت كنت بتعمل كده ..
رامز غمض عينيه للحظة وقال بصدق وهو بيسترجع ذكريات قديم
_تؤ... قبل ما هي تقول كنت حاجة، وبعد ما فضلت تقارن بيني وبينك... بين وضعي ووضعك... وتقنعني بكل الطرق إنّي مستغلك ومصاحبك مصلحة... بقيت حاجة تانية .. بقيت حاجة هي عيزاها فعلا ! صدقت نفسي وبقيت بالظبط زي ماهي قالت .. وعاني شيطاني أكتر وعماني وبقيت .. بقيت مش طايقك وعاوز اخد منك كل حاجة ولو مخدتهاش .. ابوظها عشان متتهناش بيها ..
رامز بص لجلال بأسف وهو بيقوله بحزن
_ أنا عارف إني كنت وحش معاك .. بس أمك هي السبب ! .. أنا كنت شايفك صاحبي بس .. هي إللي ربت جوايا الحقد والغيرة منك .. والله كنت بحبك الأول لولاها هي!
صوت جلال اتغير وبقى أهدأ وهو بيمد ايده على كتف رامز وحاسس بحزن شديد وصدمة من إللي بيسمعه لأول مرة
_عملت معاك كده؟
رامز بصله وعينيه فيها وجع قديم وحس إن جروحه اتفتحت
_ ياااه يا جلال... أمك ياما عملت... حتى جدتك على فكرة... لما كانت تيجي تكلم، تكلم مازن... يعني نفس المستوى بقى والولد الكويس إللي هياخد الطريق الصح. كانوا مضطهديني جدًا رغم إنّي كنت صاحبك في الغربة ومعاك على طول أكتر من مازن...يمكن كنا صايعين...فاسدين .. متهورين ! بس عمرنا ما كرهنا بعض..
بص لجلال إللي كان بيسمعه بإنصات وتركيز وحب فعلا اتبنى مع السنين .. كمل رامز
_على عكس مازن إللي كان دايما بيحاول يكون الواد الجامد أدامك عشان يقولهم شوفوا جلال السافل الأهبل! ...
وهنا رامز وقف عن الكلام ورجع بعدها يتكلم بسرعة وقال وكأنه افتكر حاجة
_ على فكرة حتى مكانش بيقولهم انك شاطر في المدرسة ! كان بيقول انك غبي ومهما شرحلك مش بتفهم .. كان بيزود كل سلبياتك وأي حاجة صح بتعملها كان بيقلب منها وبمكن ميقولهاش أصلا!
اتفاجئ جلال بردو .. رغم ان مازن مبهموش ولكن ليه ؟ ليه حد يكون بيكرهه بالشكل دا!! ... ورامز هز كتافه وسخر وهو بيضحك
_ وأنا بصراحة مكونتش بلمع صورتك .. أنا كنت مبسوط ان هو بيوحشها .. بس كنت عارف وفاهم .. ومتأكد انه إللي يقول عليك كدة ويقل منك .. أكيد مش بيحبك .. على الأقل أنا كنت واضح بس هو كان تِعبان ومنافق ! وطول عمره كدة !
جلال سكت، سكتة طويلة كأنها بتعبر عن صدمته باللي بيسمعه .. رامز كمل بهدوء وهو بيتدارك كلامه
_بس كنا صغيرين بقى يا جلال...
وفجأة بص لجلال بحده وحنان اجتمعوا مع بعض في نفس الجملة
_ أنا مش معاك في الغلط ولا مع نفسي في الغلط ولا مع أي حد في الغلط. بس كل حاجة ليها سبب... وأمك من أهم الأسباب إنك تعمل اللي عملته دا
تنهد جلال وغمض عينيه .. ورامز رجع قال بصوت كله خجل من نفسه وندم وكأن ضميره لسه بيأنبه على إللي عمله في جلال ..
_ ولا أنا مسامح نفسي إني طرف في اللي بيحصل بينكم لحد دلوقتي... بس كل حاجة بتحصل في حياتنا لازم نتحمل مسئوليتها حتى لو مش السبب الرئيسي.
رامز حط إيده على كتفه، ضغط عليه بحنان الرجالة اللي مش بيعرفوا يعبروا بكلام ... وقاله فعلا بحب صادق
_ عشان كده يا حبيبي عايز أقولك هون على نفسك.. ربنا مش هيظلمك... ربنا بيحبك ورحمك وغيرك وخلاك إنسان أحسن... ما تيأسش وما تخليش الوهن يسيطر عليك كده.. أنت راجل قوي يا جلال... راجل أعمال... ذكي... مش موجود منك في البلد كلها.
نظر له جلال وهو بيحاول يخبّي دمعة صغيرة كانت على وشك تنزل.. رامز ابتسم ابتسامة حقيقية وهو بيقول
_كل حاجة هتتصلح...هي بتحبك وأنا بشوف ده والله... وحتى نعمات حكيتلي على فكرة.
جلال اعتدل مكانه بسرعة، الحذر في صوته
_حكيتلك على إيه؟
رامز ابتسم بتواطؤ وقال وهو بيهزر
_على المطبخ يا جلجل.
جلال هز راسه وضحك رغماً عنه
_ ما بيتبلش في بقها فولة.
رامز رفع حاجبه وضحك وهو يقصد ايحاء قذر
_ أنا اللي ببل الفولة بنفسي.
جلال بصله بنص ابتسامة وهو بيقول
_وسخ.
رامز قالها وهو بيبص لجلال بثقة
_ دي حقيقة... بس في الحلال.
ضحك جلال غصب عنه، ورجع الهدوء بينهم من تاني.. رامز كمل بصوت فيه نغمة صدق حقيقية، نادرة الحدوث
_ اللي يسمعك كده يقول مكنتش مخبيها.
ضحك رامز وبعدها استدرك وضعه وهو بيوضح
_ عشان مجرحهاش والله... بس أنا اتأكدت إني معرفش أعيش من غيرها.
جلال بص له بتمعن، صامت، بيحاول يقف جنب صاحبه ويدعمه ويصدقه في قراره من الاعتراف بنعمات كزوجة ..
رامز كمل بهدوء، وهو بيبص بعيد، كأنه شايف الماضي قدامه
_وعمري ما خبيتها عشان خايف، خبيتها بس عشان أحميها من نفسي... من شيطاني اللي لما بيتمكن مني... بنسى بسببه كل حاجة.
الكلمات دي خلت جلال يحس بحاجتين في نفس الوقت..تعاطف غريب، ومرارة عميقة. هو عارف الشيطان اللي رامز بيتكلم عنه، عارفه كويس... يمكن لأن جواه نفس الشيطان.. بل أسوء..
السكوت رجع تاني، لكن المرة دي كان أهدى، أدفى. الهوا بقى خفيف، والمعزة رجعت تمضغ في حشيش على الأرض بجانب جلال إللي بدأ يطبطب عليها وغرق في سكوته ورامز قدر صمته وفضل ساكت لكنه ممشاش وسابه ولا سابه في حالته السيئة دي ... وبالفعل .. قضوا الليل كله عند المزرعة ...متناسؤا جلال امه وموضوعها بالكامل ! ... لكنه لم يكن يعرف ان القادم أسوء! لكن على مَن ؟
حاول يصبر وميروحش ...ولكنه مقدرش !! .. حاول بكل الطرق يمنع نفسه .. بس دي مصيبة جديدة لو اتكشفت هتعمل كارثة ...
مقدرش يستحمل كلام أمه وجوزها حسين عن انجي ... أمه رغم عدم حبها لإنجي قالت حمدلله على سلامتها .. لكن أبوه أو إللي بيعتبره زي أبوه .. مقالش حاجة ! وكان باين على وشه عدم تقبل الوضع .. زيه بالظبط .. هو كمان مكانش متقبل الوضع ..
ودا حصل لما كان رايح يتطمن على أمه إللي رغم انها لسة مش فاهمة كل حاجة بس مصدقاه ومصدقة انه معملش حاجة وحتى حسين مصدقه .
كلم رضا وبعتلها رسالة .. بيسألها فيها فين جلال ؟ .
سألته ليه ؟ ... قال مفيش بتطمن .. مكانش عاوزها تعرف هو بيسأل ليه عشان هي متعرفش إللي هو كان بيعمله في انجي وإللي عاوز يداري عليه ! ...
لكنه اتطمن ان جلال مش عند أمه لما كان بيراقب البيت بطريقته وشافه مع رامز وكانت القاعدة باين عليها مطولة لأنهم كانوا مولعين نار وحاطين فوقها براد وبيتكلموا وشكل الليل بينهم لسة طويل !
خد قراره وحس ان هو دا أنسب وقت إنه يدخل عند انجي ...
ودخل وقدر يتسحب لغرفتها ... وهو متطمن ان محدش هناك ... ولكن للأسف... يادوب دخل
_ علي ! ..
سمع صوتها ! كانت عند جدتها بترعاها لأن كلهم رفضوا انهم يفضلوا جنبها ... وانجي طلبت تدخل الحمام فدخلتها وخرجت ! ...
_ مالك ؟!
عادت عليه السؤال . تسأل عن سبب وجوده ! ..
قرب علي منها بسرعة وحط ايده على بقها وهي اتصدمت وفضلت تبصله ... بس هو كان خايف ! لأول مرة تشوف علي خايف !
_ وطي صوتك ومتتكلميش ! ... انجي فين ؟ ردي بصوت واطي
شال ايده ببطئ من على شفايفها وهي قالت بشفايف بتترعش من القلق
_ جوا في الحمام!..
هز راسه وسحبها من ايدها وخرجوا برا ...وتوجه معاها على أوضتها ! .. ودخل وقفل الباب بالمفتاح .. وهو كدة كدة بيقدر ينزل من بلكونة أوضتها ويخرج .. هو متعود !
_ فهمني !
طلبت وهي لسة قلقانة ومش فاهمة حاجة ... كان مديها ضهره ومش عارف يقول إيه ... لكنه سأل من غير ما يلتفت
_ هي صحتها إيه دلوقتي؟
رغم عدم فهمها لأي حاجة لكنها قالت
_ وقفت بس لسة متكلمتش .. يادوب بتحاول تخرج أصوات ..
علي غمض عينه بأسف شديد ... وهنا هي كملت
_ الدكتور بيقول كلها مسألة وقت وتتكلم ..
علي مردش وبص للأرض وهي حست بمدى قلقه وتوتره .. قربت منه بخطوات بطيئة وبتردد شديد حطت ايديها الرقيقة على كتفه وهي بتسأل بصوتها الهامس المهتم
_ مالك يا علي .. ؟
_ انجي .. أنا .. أنا كنت بحاسبها
قال علي ! ... بكلمات مبهمة خرجت منه .. فرجعت تاني تسأل بحرص
_ بتحاسبها إزاي يعني ؟
بصعوبة أعترف علي لأول مرة في حياته
_ بحاسبها على إللي عملته في جلال ! وإللي عملته فيا وفي أمي وعمي حسين .. بس أكتر حاجة .. كان علشان جلال ..
_ نعم ؟
قالت وهي مستغربة ومش قادرة تستوعب كلامه كويس ... فهو قال ولسة ضهره ليها وكأنه مش قادر يواجهها
_ بحاسبها على إللي عملته في جلال ... كنت .. كنت
_ بتعذبها !
قالت تستفهم وتستعجب في نفس الوقت! وهنا هو لف ليها وبصلها بعيون كلها شر
_ تستاهل كل ألوان العذاب
_ ليه يا علي ؟
رغم شكله المخيف إلا إنها مخافتش منه .. بل قربت خطوة كمان تسأله برفق وحنان .. وهي مش خايفة ! علي هو مصدر أمامها خصوصًا بعد إللي حصل معاها وبعد ما حافظ عليه من شيطانه ومن شياطين غيره ! ...
علي هنا قال وهو بيكشف عن مشاعره إللي مش بيعبر عنها كتير
_ دي ست وحشة وقلبها أسود وياما أذت ... مكونتش مصدق نفسي وأنا بأذيها وبعاقبها .. كنت مبسوط وحاسس ان قلبي مرتاح .. باخد حق جلال إللي عاش متعذب سنين بسببها وبسبب عمايلها .. أنا كنت صغير بس كنت فاهم كل حاجة وكل ما بكبر وبشوف معاناة جلال .. اكرهها أكتر وابقى عاوز اعذبها ... انتي متعرفيش جلال بالنسبالي إيه!!
رغم كل الكلام إللي قاله لكنها مقدرتش تقبل انه كان بيعذب جدتها ! وقالت
_ بس دي تبقى
لكنه رفض وقرر يوضحلها الصورة إللي هي مش فهماها ولا عرفاها
_ هتقوليلي إيه؟ دي ولا حاجة .. ابوكي نفسه معتبرها ولا حاجة ! نكرة في حياته .. دي دمرته ودمرت حياته وهي سبب انكوا تعيشوا من غير أم .. هي السبب في كل حاجة ! .. لو بتفكري تحبيها وتعتبريها جدتك .. تبقي بتظلمي نفسك وبتظلمي ابوكي وأهلك كلهم .. وبتوقعي نفسك مع شيطانة نفسها . .. نفسها تأذيكوا كلكوا .
حياة عيونها دمعت وهي حاسة بألم كبير في صدرها ... وفعلا عيطت ! وهنا علي مقدرش يشوف دموعها .. فسأل بحزن عشانها
_ متعيطيش يا حياة متستاهلش دموعك
لكن هي حطت ايديها على صدرها من الوجع وبتقول من بين دموعها
_ معقولة مفيش حد بيحبنا خالص! ماما نسيمة طلعت بتكرهنا ... وحتى تيتا .. تيتا إللي كنت بستناها تخف عشان ترد على كلامي إللي كنت بقوله ليها طول ماهي تعبانة ... تطلع هي كمان بتكرهنا ! ... محدش بيحبنا !
_ أنا بحبك ! ..