الخادمة الصغيرة "الجزء الثاني"
الفصل 837 د متبقية
الفصل 83

الفصل الثالث والثمانون

7 د قراءة

خطواتها كانت بطيّئة، مش بس عشان خايفة… لأ، عشان مش مصدّقة إن الطريق اللي كان زمان كله حزن ومشقة  ... الطريق إللي  كان كله شوك ... بقى مفروش ورد...

الطريق اللي كان كله ناس عايزة تأذيها .. بقى ناس موجودة بتحتفل بيها وبتجاملها وبتسقفلها وهي ما بينهم ماشية ملكة ... وكأن ربنا عوضها !

المكان إللي مشت منه ذليلة ومظلومة .. رجعتله معززة مكرمة ومرفوعة الراس ... ولغرابة القدر ...  على إيد نفس الشخص !

الهتاف الخفيف بدأ يظهر من الضيوف… كام واحدة بتسقف… كام واحدة من الناس الكبار اللي ادام عرفوها من بعيد… وجلال كان ماشي جنبها بصلابته اللي دايمًا بتسندها في الفترة الأخيرة وفخور بيها جدا وماسك ايديها ....

لما وصلت لآخر الممر كان فيه مكان يشبه منصة صغيرة ، وقف جلال جنبها ، وبنظرة فخر قال

_ السادة الحضور الكرام .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 

سكت ورجع يكمل كلامه وهي واقفة جنبه .. وقال بفخر

_ برحّب بيكم ..  وبالدكتورة رضا .. مراتي … المؤسِّسة والمديرة… والروح اللي ورا كل دا...

التصفيق علي صوته … وهي اتكسفت أكتر… بس كانت مبسوطة زي طفلة أول مرة حد يقف ويقول اسمها بفخر... اسمها الحقيقي .

مدّ جلال المايك ليها… وإيده بتترعش رِعشة خفيفة محدش شايفها غيرها...

مسكت المايك بتردد لكن عيونه شجعتها … وقفت قدّام المساحة الكبيرة… الناس منتظرين كلمتها ومترقبين … الكاميرات شغّالة بتسجل كل لحظة مميزة في اليوم دا … الورود مالية المكان… وعيونها دمعت قبل ما تتكلم... كانت بتبص للحضور وهي خايفة وقلبها بيدق لحد ما وقعت عينيها على حياة ويحي .. حياة شاورتلها انها تتقدم  وتتكلم وكانت كل ملامحهم تشجيع ليها ... غمضت عينيها  تنفست… وبدأت بصوت هادي

_ أنا… عمري ما كنت أتخيل اللحظة دي ... شكرا انكم شاركتوني يوم من أهم أيام حياتي .

وكأنها  مقدرتش تكون كلمات خصوصا انها محضرتش فعلا خطاب أو  أي  حاجة .. لكنها قالت الكلام المعروف

_ الطب رسالة سامية جدا ولما درسته حسيت أد إيه إنه كله انسانية ورحمة .. وأي عمل بيخدم الناس فهو عمل سامي وعظيم  و كلنا في المجتمع بنكمل بعض ... زي ما فيكم ناس فخورة بيا النهاردة أو مبسوطة بيا .. أنا كمان فخورة بيكم ومبسوطة بيكم وبوجودكم .

سكتت رضا والناس كانت حاسة بيها وبرجفتها .. وبصدق كلماتها البسيطة إللي مش مترتبة ...

جلال حس بتوترها زاد واترفع فكان هيروح يسحب منها المايك ويكمل هو ولكنها فجأة قالت بصوت ونبرة مختلفين تماما .. نبرة عميقة جدا وعيون شايفة الم سنين بيمر أدامها

_ يمكن كل حد فيكم حاضر دلوقتي  شايف ويمكن مبهور من التجهيزات زي منا انبهرت بيها ، الورد، المركز ، المكان الكبير… بس محدش يعرف إني قبل ما أوصل هنا… كنت زمان معنديش حتى شعور الأمان ...

حياة ويحي ركزوا جدا في كلامها  والناس انتبهت ليها وهي باين انها بتتكلم في موضوع حساس .. وجلال غمض عيونه بيحضر نفسه لاستقبال الألم من كلماتها

كمّلت وهي بتبص بعيد… كأنها شايفة نفسها وهي طفلة صغيرة في الماضي

_ أنا معشتش حياة سهلة خالص ...

سكتت للحظة وكملت

_ كلكم عرفتوني مفيش داعس أعرف نفسي تاني ... عرفتوا اني أنا منكم وفيكم .. وعرفتوا الماضي ..

تحشرج صوتها ورجعت صححت

_ أو إللي ينفع تعرفوه منه بس ....

حياة دمعت وهي بتفتكر اللي علي حكاه ليها واللي هي حكته ليحي إللي هو كمان اتأثر جدا ... ورضا بتكمل بنبرة أقوى وهي بترفع راسها

_ الكلام إللي هقوله دا للستات ...

سحبت نفس وشحنت صوتها بقوة وتأكيد وكأنها بتوصيهم وصايا مهمة جدا

_ اوعي تتخلي عن حقك في التعليم ... ولو مش متاحة ليكي الفرصة ...  فمتتخليش عن كرامتك ...

الكلام هنا جلال عرف انه راسح ليه مخصوص  ...

_ متضحوش بكرامتكوا تحت أي ظرف ولا لأي شخص ...

عيونها كانت حادة وكأنها بتحذرهم من خطر عظيم ...وهي بتكمل بكلمات في طياتها قهر الماضي وحسراته

_ يمكن تبقى غلطة عمركوا واللي يضيعه فعلا ...ثقتكوا في ناس تشوفوهم الدنيا وهما ميشوفوش غير نفسكم

كلامها كان بيضرب في قلب جلال وهو عارف هي بتتكلم عليه .. وهنا بجرأة اكبر كملت رضا

_ أنا كانت غلطة عمري اني وثقت في ناس و خدمتهم واديتهم عمري .. واكتشفت في الآخر انه كله عايز مصالحه بس .. محدش عاوزني أنا... ضحيت بكرامتي وبنفسي .. بحياتي وعمري .. ومكسبتش حاجة في الآخر ..

سكتت كمدًا في آخر كلامها .. كلامها الواضح وضوح الشمس انه لحلال لدرجة ان الأنظار توجهت نحوه .. لكنها مقدرتش تسكت ومتكشفش ولو عن جزء بسيط عن الظلم إللي هي عاشته ... جلال حس بحزن وانه الناس بدأت تتهمه بصمت بنظراتها .. لكنه رفع راسه وهو متقبل .. متقبل انه يتم اتهامه والتشكيك فيه .. متقبل يتنازل عن سمعته حتى لو هي عاوزه ..

هنا رفعت هي راسها وقالت بعزيمة وعيون كلها قوة

_ متخليش حد في حياتك أغلى منك ... خليكي أغلى حد في حياتك .. على الأقل نفسك مش هتخذلك .

تنهدت ورجعت تقولهم وهما بوشوشهم اللي فيها غلب وظلم وحتى ستات متعلمين لكنهم حاسين بمعاناة ان ست تكون ناجحة وبتشتغل ومتعلمة ...

_ أنا لما سافرت .. وعافرت عشان اعرف أسافر واحضر حتى ورقي ... كنت مؤمنة بحاجة واحدة بس .. ان انا استحق ! أنا كان لازم ابذل مجهود عشان اثبت اني اصلا عايشة على وش الدنيا وليا هوية .. أنا عانيت عشان اوصل لنقطة الصفر ... كل النجاح اللي انا فيه دلوقتي أنا دفعت تمنه سنين من الألم والوحدة واتعلمت من بدري ان مفيش حاجة بتيجي بسهولة وانك ممكن تمشي الطريق كله من غير ما حد يسقفلك ...

حياة كانت مركزة في كلامها جدا وعيونها مدمعة على الآخر ويحي بيربت على كتف أخته المتأثرة زي باقي الستات إللي بيحسوا بظلم كبير بسبب حرمانهم من فرص كتير جدا بسبب أفكار ناس متخلفة ومريضة وظالمة ..

في حين رضا كملت بقوة وتفائل

_ عشان كدة لما بشوف ست قوية… بتكافح… بتشتغل… أو حتى بتقوم من سريرها في يوم صعب… أنا بشوف بطلة... مش ست عادية

سكتت لحظة… والدمعة غلبتها… مسحتها بسرعة وهي بتضحك

_ النهاردة… مش بس افتتاح عيادة. دا افتتاح حياة جديدة… ليا… ولكل واحدة واقفة هنا. لو انتي فاكرة إن الظروف تعباكي… صدقيني… أنا كنت فاكرة كدة برضه... ولو فاكرة إن نظرة الناس ليكي هي اللي هتحدد قيمتك ... تبقي محتاجة تعيدي تفكير في نفسك وتثقي في نفسك وتحبيها ..

صمتت لحظة وكملت خطابها المحفز والصادق جدا

_ انا جيالك من المستقبل وبقولك.. انا عرفت وبنيت ووقفت على رجلي ... وانتي كمان تقدري .

بصتلهم بابتسامة وهي بتكمل

_ ودا ميمنعش على فكرة ان كل واحدة هنا تستحق اللي يصدقها… بس لو ملقتيش حد… صدقي نفسك، واعملي اللي تقدري عليه..

وبعدها قالت بنبرة ست خايفة على باقي الستات اللي زيها .. حاسة بيهم وبالظلم اللي بيتعرضوله .. حاسة بكل انواع القهر اللي بيعانوه ..

_ انتي مش هتعرفي ترفعي الظلم عن نفسك في مجتمعاتنا .. إلا بالتعليم والشغل .

الجملة أثرت في كل الستات حتى الكبار منهم .. وعيونهم كلها كان فيها حزن .. حزن ستات في قرية ريفيفة مهما تطورت لسة محاطة بأفكار وتقاليد صُنعت عشان تقتل المرأة بالطبيئ وتسلب منها حقوقها ...

رفعت المايك شوية أعلى… وصوتها بقى أقوى

_ أنا واقفة هنا النهاردة… عشاني… وعشان كل ست اتقالها إنها مش هتنفع... كل واحدة اتحرم عليها كل حاجة لمجرد انها عايشة في مجتمع ظالمها وواكل حقوقها كل واحدة اتكسرت ورجعت تقف. كل أم… كل بنت… كل واحدة شايلة الدنيا على كتافها من غير ما تشتكي... العيادة دي ليكوا… قبل ما تكون ليا... متاحة ومفتوحة ليكم كلكم وبجوهودكم انتوا هتكبر .. هتكبر بيكم ولخدمتكم ..

نزلت المايك… وحست براحة .. حست انها قالت كتير اوي من اللي عندها ..وبين اللحظة والتانية .. ارتفع صوت التصفيق الحار ... تصيفق حار استمر كتير .. بعيون كلها امل وفرجة ونفوس حست اخيرا ان حد حاسس بيهم .. طانوا بيبصوا ليها بحنان كبير وكأن رضا رجعت ليهم بالنور ...

جلال كان أول واحد يصفقلها… وإيده التانية بتحاول تخبي دمعة صغيرة محبوسة جوا عيونه ...

حياة ويحي اتنططوا من الفرحة…

وهي… كانت واقفة في النص… بتحس لأول مرة في حياتها… إنها وصلت... انها وقفت ادام اهل بلدها اللي عاشت وداقت فيها المر كله ... ورجعت متعلمة . مثقفة .. قوية وواثقة ... هي هنا انتصرت .. هي هنا تخطت كل اللي مرت بيه .. هي هنا .. ربنا ردلها حقها ! .. هي هنا حست انها انسانة ...قدرت توصل رضا بأميرة ! قدرت توصل الخادمة بالطبيبة .. هي هنا .. جالها العوض .

كانت بتبستم بدموع وهي بصالهم بفرحة بتفاعلهم

.رجالة وستات فرحانين بيها ... ولكن الستات اكتر .. وبعد كتير من استمرار التصفيق قالت

_اخر حاجة عايزة أقولها ... متقسيش على الست اللي زيك ... ساعديها وادعميها .. المجتمع ظلمنا .. خلونا منظلمش بعض .. نصبر على بعض ونسامح بعض .. نفهم بعض !

ضحكت ليهم وهي سامعة هتافات بالموافقة والفرحة ... ورجعت قالت في النهاية بتنهي خطابها اللي محضرتوش وطلع مم قلبها حرف حرف

_ أنا بتمنالكم كلكم التوفيق والنجاح في أي طريق تختاروا تمشوا فيه ... وشكرا انكم كنتوا موجودين النهاردة .. ومسامحة الكل .. على اللي حصل زمان ..واللي حصل دلوقتي ... ممتنة جدا لحضوركم .

صوت التصفيق تاني اترفع عالي جدا وجلال كان خلاص دمع وحياة عيطت وحتى يحي دموعه نزلت ومقدرش يمسكها ...

كانت لحظة قوية ومؤثرة جدا .. صالحت فيها رضا سنينها .. وقبلت بعوض ربنا .. قبلت بقضاء ربنا .. قبلت بأخطائها في الماضي وقررت تعيش الحاضر وتمضي نحو المستقبل اللي هيكون مختلف .. كله اشراقه وسعادة وحيوية .. ورفضت الحزن .. رفضت الانتقام .. رفضت الحقد والغل ..وقبلت برحمة ربنا بيها ..ربنا اللي رجعها راسها مرفوعة وعالية فوق أوي ..

صحيح مشت ذليلة ... لكنها رجعت أحسن من الكل ...

_______

شاركنا شعورك:

التعليقات على الفصل

سجل دخول للتعليق
كن أول من يعلق