الخادمة الصغيرة "الجزء الثاني"
الفصل 927 د متبقية
الفصل 92

الفصل الثاني والتسعون

7 د قراءة

_ خليكي هنا يا نعمات أنا هروح مع جلال مشوار وراجعة ! ..

كان جلال بيخلص اجراءات كتير وكان غايب أصلا عن البيت بيحاول يلم الموضوع ويتابع الشرطة والمستشفى في كل لحظة .. كانت مش بتشوفه تقريبا .. .

اول ما شافت جلال في العربية .. قلبها اتخطف وهي عاوزة تروحله ! تجري عليه وتروحله وبس ... ولكنها راحت وركبت جنبه .. وهو أول ما شافها بصلها وقال

_ مازن فاق !

اتصدمت للحظات ... غمضت عينيها وهي بتستوعب الكلام .. رجعت تهدأ وتسحب نفس ..

_ عايزة تشوفيه ؟

سألها ... فضلت هادية شوية .. ولكن جواها نار .. جلال رجع يقول

_ دراعه ورجله إللي حصل فيهم الإصابة .. اتبتروا ! .. لو مش هتقدري تشوفيه أو

_ لأ... عاوزة أشوفه!

قالت رضا وهي بتبصله بقوة رغم الحزن الشديد الظاهر في عيونها !

_ علشان لو صعبان عليكي و

جلال قال وهو بيجس نبض ولكنها ردت بقسوة

_ دا خد مني عيوني الاتنين وحرق قلبي .. خد مني ضنايا !! حرمني منهم وحرمهم مني !

هزت راسها وهي بتستذكر كل حاجة هو عملها واد ايه هو فعلا خلى حياتها جحيم

_ دا دمر عيلة كاملة ! دمرني ودمرك .. دمر ولادنا ...

جلال بصلها وسكت وساق عربيته علطول وكأن دا كان رده عليها .. انه هو كمان عاوز يشوفه وهو فاقد ايده ورجله زي ماهو عيشهم في كدبة كبيرة ....

_____

فاق مازن على صوت أجهزة بتعدّ أنفاسه بدل ما تعدّ عمره، نور أبيض قاسي ضارب في عينه، وريحة مطهّرات ماسكة في صدره، حاول يتحرك فجاله الفراغ قبل الألم، إيده مش بتستجيب ، رجله مش حاسس بيها، حاول يصرخ صوته مخنوق جواه ، نزل بنظره ببطء، الملاءة كانت مفرودة على جسم ناقص، فراغ مش طبيعي، صدمة وقعت عليه تقيلة لدرجة إن دماغه رفضت تستوعب، إيده الشمال مش موجودة، رجله الشمال مش موجودة، قوته مش موجودة، كل حاجة كان فاكرها ثابتة اتشالت في ثانية، نفسه بقى متكسر، عينه بتلف في الأوضة كأنه مستني حد يقوله إن ده كابوس ويصحّى، بس صوت الأجهزة كان ثابت، حقيقي، بيأكدله إن مفيش كابوس وان دي الحقيقة المره !!

افتكر نفسه وهو واقف وبيخطط لكل حاجة ، بيمشي كل حاجة على مزاجه وهواه ..افتكر ضحكته وهو بيسيطر على الوضع وبيحقق خطته وبينفذها .. افتكر لما حس انه انتصر !

وهو بيلعب بمصاير ناس، وهو فاكر إن الدنيا لعبة في إيده، ودلوقتي مش قادر حتى يرفع راسه، دموعه نزلت من غير صوت، دموع واحد خسر كل حاجة إلا ذاكرته، ودي كانت أقسى حاجة... ياريته خسر ذاكرته ..

حاول .. حاول يتحرك .. حاول حتى يغمض عينه علشان يرجع يفتحها .. ويتمنى يكتشف انه في حلم .. لكنه مش في حلم !! .. هو مش في حلم !! .. دموعه نزلت بقهر وعجز شديد اتمكن منه ..

كدكتور .. في دقايق عرف حالته ! افتكر كل حاجة .. اصابته بطلقات عديدة في رجله ودراعه ! ... ميعرفش إيه إللي حصل بعد كدة وخلاه يفقدهم ! لكن علي عارف ! ..ويحي عارف ! . يحي إللي عيشه في كدبة طول عمره .. يحي اللي اتقاله انه يتيم! واتقال لأم ان ولادها ماتوا !

الباب اتفتح بهدوء فجأة وهو بيدمع وبيحاول يستوعب الصدمة والعجز اللي هو فيهم ، ودخل اخر اتنين عاوز يشوفهم !

جلال وقف عند العتبة، لا قرب ولا استعجل في خطواته ، حضوره كان كفاية، نظرة ثابتة فيها سنين وجع اتحبسوا، وراه رضا دخلت، ملامحها هادية زيادة عن اللزوم، الهدوء ده كان مخيف، كان شبه الهدوء قبل العاصفة، عينيها كانت متثبتة عليه وكأنه جزء من الهواء .. ولكن نظراتها خاوية وكأنه كإنسان اختفى خلاص من حياتها ! ... بس فاضل حاجة واحدة بس .. تشوفه بيخسر ..تشوفه عاجز .. زي ما كان سبب مرض جلال ... وسبب ضياعها وتدمير حياتها وخسارتها لأولادها ..

مازن حاول يتكلم، شفايفه بترتعش، لكنه كان عاجز كليا وكأن دماغه متجمد عن أخذ أي ردة فعل ..

جلال قال

_ العجز .. لايق عليك .

فضل مازن ساكت زي إللي اتشل ! ...

رضا قربت خطوة، صوتها كان واطي لكنه واصله كويس

_ سنين وأنا عايشة مكسورة، سنين ولادي مش في حضني، كل يوم بصحى بسأل نفسي أدام عينك .. أنا عايشة ليه ؟

قربت منه أكتر وهو ساكت

_ ليه يا مازن بعد ما كنت الأمان .. تطلع أنت الشيطان إللي عمل فينا كل حاجة وحشة ! ...

كلامها كان بطيئ .. بتودع فيه كل خزيها منه ... قربت منه اكتر وبصت لإصابته ... وقالت

_ أنت خسرت ايد ورجل .. بس إحنا خسرنا عُمر ! ..

قربتله أكتر وصرخت فيه صرخة قوية .. صرخة أم قلبها محروق وبيتقطع

_ صدقني إنت إللي زيك يستحق يموت ! ..

مازن غمّض عينه وهو سامع كلامها وفجأة ، بكاؤه انفجر، جسمه الناقص بيتهز، لأول مرة يحس بالعجز الحقيقي، مش عجز الجسد، عجز الروح اللي خلاص اتحاكمت...

مازن وكأنه استوعب انه فعلا بقى عاجز .. بدأ يصرخ بصوت عالي ويهتز .. يهتز كتير والصدمة الأولى ظهرت عليه ... الصدمة الأولى خلته يتهزر بشكل عنيف جدا والجرح يطلع دم !! .. يتنطط على السرير حرفيا زي المجنون وهو بيقول لأ!

رافض . ناقم .. مش قادر يتقبل إللي حصله .. كان انهيار تام خلى الدكاترة والممرضين يدخلوله....

اما جلال ورضا كان في جنب بيبصوله ... وهو بيصرخ

_ لأ !! لأ!! انا عايز جسمي .. انا عايز جسمي !!

كان شكله مؤذي جدا وهو منهار وبينزف ... جلال مسك إيد رضا، لفّ وشها وهو بيشدها معاه ...وخرجوا ورضا حابسة دموعها على منظره ...ولكنها مش قادرة تسامحه !!

الباب اتقفل وراهم، والأوضة فضلت فاضية إلا منه، ومن صوت الأجهزة اللي بقى زي عدّاد، بيحسبله اللي فاضل من حياة ما تستاهلش تتعاش.

وفي اللحظة دي، مازن عرف إن العدالة ساعات ما بتيجيش على شكل عقاب…

بتيجي على شكل حياة ناقصة ، وذاكرة كاملة...

_____ رضا أول ما خرجت من المستشفى ما قدرتش تمسك نفسها، دموعها نزلت مرة واحدة، تقيلة، متراكمة، عياط واحدة شايلة أكتر مما تستحمل، وجلال ما سألش ولا حاول يهديها بالكلام، خدها في عربيته وساق بعيد، مروحوش البيت، كان واخدها على بيت صغير على أطراف القرية، مكان هادي، ساكت، كأنه معمول مخصوص علشان الوجع يطلع من غير تردد ، طول الطريق كانت بتنهار وصوت شهقاتها يطلع ويختفي، وهو سايق ثابت كأنه شايلها من الدنيا كلها ورايح يحطها في حضن الأمان.

أول ما دخلوا البيت، رضا وقفت ثواني وبعدين قعدت، جسمها خانها، ووشها استخبى بين إيديها، العياط علي أكتر، أعمق، جلال قرب منها بهدوء، شدها عليه مرة واحدة وحضنها جامد، حضن واسع، حنون ، حضن واحد مش عاوز غير راحتها وبس ، راسها استقرت على صدره وإيده لفّت عليها كأنها بتلم جرح اتكون على مدار سنين، إيده التانية كانت بتمسح على شعرها وضهرها بإيقاع ثابت، نفس الإيقاع اللي يسكّت الخوف قبل ما يسكّت العياط، صوته طلع واطي وقريب

_ عيطي يا رضا… أنا هنا.

الجملة كسّرتها، بس كسرة ودتها للشعور بالراحة وهي حاسة ان ليها حد تبكي في حضنه ومعاه ، عياطها بقى أهدى وهي متشبثة فيه، حاسة إنها مش لوحدها، إن فيه حد شايل عنها الحمل، إحساس غريب دخل قلبها ...

إحساس طفلة في حضن أبوها، أمان كامل من غير شروط، رفع وشها ومسح دموعها بإيده، بصلها بنظرة كلها حنية وصبر، حب ثابت وعميق ، أنفاسهم قربت والدنيا من حواليهم اختفت، البيت الصغير بقى عالمهم، حضنه اتحول من حماية لدفا، ومن دفا لقرب، رضا سكنت، سلّمت نفسها للإحساس، للرجل اللي احتواها من وقت ما رجعت ...

قربها منه زاد من غير ما يحسوا، حضنه بقى أضيق وأدفى، وكأن المسافة اللي بينهم بقت وهم، إيده لسه على ضهرها لكن لمستها بقت أحن، أبطأ، بتعمق شعورهم باللحظة... رضا رفعت وشها عليه، عينيها حمرا من العياط بس فيها هدوء جديد، هدوء واحدة لقت مكانها بعد توهان سنين ، جلال بصلها نظرة طويلة، نظرة راجل راجع بيته بعد غياب، مسح بإيده خدّها، لمس خفيف كأنه بيطمنها، قبلة هادية نزلت على جبينها، وبعدين قرب أكتر، قبلة تانية على عينيها، وعلى خدّها، قبلات قريبة ومتمهلة ، كل واحدة فيهم كانت بتقولها بحبك بطريقة مختلفة !

رضا ما بعدتش، سابت نفسها، سابت اللحظة تاخدها، حست إن القرب ده مش شهوة ورغبة منهم بس ، ده رجوع، رجوع لزوجها، لراجلها، للونس اللي اتأخر سنين، أنفاسهم تداخلت .. جلال شالها بين إيديه فجأة، حركة طبيعية كأنها مكانها هناك .. بين ايديه وفي حضنه ، وكأن جسمها حافظ الطريق، حضنت رقبته بإيديها، وحست إنها خفيفة، مش في الوزن، في الروح...

دخل بيها أوضة .. اوضة متعرفهاش لكنها عارفة جلال وعيزاه في ااي مكان ! ، نزلها بهدوء، كأنه بيحط قلبه مش بس جسمها، قرب منها تاني، حضنها، قبلها قبلة أطول، أعمق، قبلة وعد، قبلة اتنين اتأخروا أوي عن بعض، من غير كلام كتير، من غير استعجال، بس بإحساس كامل...

رضا سابت نفسها للحظة، سابت العياط يهدى جواها، وحست إن القرب ده مش اشتياق جسد، ده اشتياق روح .

اشتاقت لاسمها من بين شفايفه وهي في حضنه .. جلال قرب من شفايفها وباسها بوسة عميقة جدا .. بس لسه بنفس الطُهر، قبلة اتنين بيعلنوا حبهم الكبير لبعض اللي مقدرتش أي حاجة وأي خطة تنهيه ، قبلة ناس عاشوا كتير علشان يوصلوا للحظة دي...

الليلة دي ما كانتش ليلة عابرة، كانت ليلة عودة، ليلة استرداد، كأنهم بيتجوزوا بجد لأول مرة بعد ما الحقيقة ظهرت، وبعد ما الألم اعترف بنفسه وخرج، ليلة ناموا فيها قريبين، مطمئنين، متصالحين، وزواجهم أخيرًا بقى كامل فعلا ولأول مرة يحسوا بعض زوج وزوجة وحبيب وحبيبة بدون اي مشاعر تانية ملوثة ! … مش بالجسد، لكن بالروح اللي رجعت مكانها...

________

شاركنا شعورك:

التعليقات على الفصل

سجل دخول للتعليق
كن أول من يعلق