الفصل السابع عشر
جلست بجانبه في السيارة مستعدة للإنطلاق .. ترتسم على وجهها ابتسامة سعادة وثقة كمان ظفرت بشيئ غاية في الأهمية...
أما هو فلم يكن على وجهه أي تعابير،فبعدما حدث بينه وبين نور آخر مرة وهو يشعر بالبرود تجاه كل شيئ حتى أنه وافق على السفر الذي عرضه عليه فارس وقد رفضه من قبل لكنه عاد وقبله وهيفاء بالطبع .. ستسافر معه ..
_ مالك يا رامي ؟
تحدثت دون تكليف وبصوت رقيق لينتبه لها أخيرًا ولم يجيبها لكنه تنهد وتابع نظره للطريق وتركيزه عليه ..
_ مبتردش يعني .. خايف من حماك !
_ أنا مبخافش من حد .
رد منفعلاً لتهز رأسها في خبث قبل أن تقول
_ عادي يعني دا شغل ولازم نروحله .. وبعدين متقلقش .. أنا معاك !
ثم مدت يدها فوق يده الحرة ليتردد لحظات قبل أن ينظر لها ويترك يده ! .. شعر أنه ان ترك نفسه كلها لها .. فلن يكن ذلك وافي لشفاء جروحه .. شعر برغبة في الانتقام من رأفت .. من نور ! من كل شيئ حتى من نفسه ..
سحب يده وتابع القيادة لكن استسلامه أمامها ولو للحظات .. أعاد لها ثقتها في أنها ستحصل عليه قريبًا .
_________________________________
في قاعة الاجتماعات الفاخرة ، ساد الصمت لحظة قبل أن يقطع صوت خطواتهم رتابة الأجواء.
دخل رامي أولاً، بهيئته الهادئة الجادة، يليه هيفا بثقة وابتسامة ناعمة تليق بسيدة أعمال تعرف جيدًا كيف تترك انطباعًا.. أنيقة، واثقة، تحمل ملف العرض وكأنها معتادة على الاجتماعات الكبيرة..
ما إن دخل رامي حتى وقعت عينه على نور التي جلست بجانب والدها كقطة صغيرة تتوارى خلف زراعه العريض ... لم تنظر له نور بل بدت كمن يتحاشى النظر نحوه .. فكتم ضيقه داخله وتابع تقدمه ولم يتوارى عن هيفا ما حدث
تجاهل رأفت ما لاحظه وقال بنبرة جافة وهو يأشر على الكراسي
_ اتفضلوا.
جلسا على الطاولة المقابلة لمكتب رأفت ، الذي جلس بدوره وعلى يمينه نور
رامي جلس ، وبدأ يتكلم بنبرة جادة ومباشرة
_ العرض اللي جايين نقدمه بخصوص مشروع تعاون جديد بين شركتنا وشركة حضرتك ... الفكرة إننا نبدأ شراكة في توزيع أجهزة طبية جديدة هتدخل السوق قريب، والشركة محتاجة شريك محلي قوي..
هيفا تدخلت بصوت ناعم، وهي تمد الملف لرأفت
_كل التفاصيل موجودة هنا يا فندم، وإحنا شايفين إن شركتكم الأنسب للشراكة دي.
نور تتابع الحوار بصمت ،تحاول أن تركز على الكلام،لكن نظراتها كانت دايمًا تروح ناحية هيفا، وطريقتها في الكلام، تناغمها مع رامي، والراحة الواضحة بينهم.
كانت نور تحاول أن تبدو طبيعية، تنظر للملف أمامها، لكن عينيها لا تتوقفان عن التسلل إلى وجه رامي، تقرأ فيه الغرابة، البرود، القسوة التي لم تعهدها.
رامي بصوت هادئ وواضح
_الملف قدام حضرتك يا أستاذ رأفت، العرض واضح، إحنا طالبين رد خلال ساعتين... أقصى حاجة.
رأفت بسخرية حادة وهو يرفع حاجبه
_ ليه؟ البيه وراه إيه؟
رامي دون أي تردد، و بنبرة عملية قال
_ معاد السفر النهاردة بالليل.
هنا، تحركت عينا رأفت بتأمل ناحية هيفا، قبل أن يرجع نظره ناحية رامي وهو يقول بنبرة أقرب للتفتيش
_ والآنسة رايحة معاك؟
هيفا بابتسامة رقيقة، بثقة محسوبة
_أيوه، أنا رايحة مع مستر رامي.
لحظات صمت.
في تلك اللحظة، شعرت نور وكأن الأرض بدأت تميد تحتها. لم تكن فقط هيفا التي قالت الجملة، بل الطريقة... الثقة... النظرة السريعة المتبادلة بين رامي وهيفا، وكأن بينهما اتفاق لا تعرف عنه شيئًا..هنا، نور شعرت أن نفسها يتقطع ... هذه اللحظة كسرتها ... ضحكة هيفا الخفيفة، وهدوء رامي، وطريقة كلامهما كأنهما فريق منسجم يعمل في تناغم منذ زمن ..
ضربات قلبها تعالت، لكن وجهها ظل صامتًا. فقط نظرة طويلة، حزينة، مكسورة، انطلقت منها نحو رامي... وكأنها تسأله "بجد؟ وصلت لكده؟"
لكنه لم يرد النظر. أو ربما تعمّد ألا يرد..
اكتفى بتحريك أوراقه أمامه وكأنه يهرب من عينيها، من سؤالها، من كسرها.
رأفت حوّل نظره إلى نور للحظة، وجد ملامحها متماسكة خارجيًا، لكن في عينيها دمعة تختبئ خلف كبرياء.. لكن داخله كان يعرف أن ما حدث من رامي وتجاهله لنور بهذا الشكل دون توجيه حتى كلمة لها .. يسهل الأمر عليه في اثبات وجهة نظره فيه أمامها ...
__________________________
هذه المرة ... مرت عليه هي بسيارتها .. سيارة فارهة ووقفت أمام المنزل .. اتصلت به لكنه لم يجيب ليجدها أمام باب البيت
_ انتي بتعملي إيه هنا !!
سأل رامي الذي فتح الباب بنفسه وقد كان لتوه خارجًا من الحمام وعلى جسده الروب الخاص به .. لتنظر له هيفاء وتتأمله وهو في هذه الهيئة قبل أن تقول برقة وقصدت أن تظهر له اعجابها به
_ مبتردش على الموبايل .. فجيب بنفسي .. هنتأخر !
ثم مدت يدها لصدره تتلمس رطوبته بينما تبتسم بتلاعب
_ بس احنا معانا وقت .. ألبس على مهلك .
هل صُدم رامي من جرأتها ؟ تلميحاتها .. طريقتها .. تنهد رامي ثم أبعد يده عنها وقال
_ استني في عربيتك لو سمحتي أو اسبقيني
_ تؤ .. رجلي على رجلك !
قالت ثم دفعته من صدره ودخلت للباب فراح خلفها يصيح
_ رايحة فين مراتي مش في البيت !
جلست على أقرب أريكة وضعت شاق فوق الأخرى وقالت بعيون مثيرة تتأمل كل شيئ به
_ منا عارفة ان نور مش هنا ..
_ لو سمحتي يا هيفا اطلعي مينفعش نبقى هنا لوحدنا
قال رامي لتقف مقتربه منه ونظرت داخل عينيه وهي بهذا القرب الخطير قائلة بنبرة مغرية
_ وأنت مالك متوتر ليه ؟ متخافش .. مش هعضك!
أغمض عينيه يكظم أفكاره.. لم يكن راجل ذا عزيمة .. لم يكن رجل صعب الحصول عليه .. لكنه أصبح واعي بهذا الأمر.. أصبح يكرهه في نفسه ! شيئ داخله كلما يتذكر حالة نور في انهيارها.. يشعر بالذنب والحزن الشديدين ..
يشعر بالكره تجاه ذاته وأن خبرته في العلاقات لم تفيده بل ضرته .. ضرته في جميع النواحي حتى زواجه لم يكن مبارك .. بل زواج فاشل فشل هو فيه فشل زريع .
_ هيفا آخر مرة هقولك اطلعي استنيني برا ..
قال بنبرة جادة وحادة لكنها لم تتوانى عن المحاولة رغم شعورها بالرفض لكنها قالت ممازحة
_ يعني هتطردني من بيتك
أجابها بقوة وبجملة خرجت منه تلقائية دون حتى أن يصيغها
_ صاحبة البيت مش فيه !
_ صاحبة البيت ! .. آه.
رددت وهي تهز رأسها ثم تبدلت ملامحها لأخرى جادة وهي تقول ..
_ طب تمام .. خلص بسرعة وتعالى ...
قالتها وخرجت وهي تتأمل المنزل بشكل تقييمي قبل أن تقترب من احدى الدُمى فمسكتها وقالت ساخرة
_ عروسة لعبة !
اقترب رامي بعنف وسحبها منها
_ متلمسيش حاجة
_ مراتك لسة بتلعب بالعرايس !
استهزئت ليقول بحدة
_ وانتي مالك ؟مش أحسن من اللي بتلعب بالبيضة والحجر !
هزت هيفا رأسها .. كلما يرفضها اكثر كلما تذيد رغبتها أكثر في الحصول عليه ..اقتربت ونظرت داخل عينيه وقالت بوجه مكشوف وجرأة
_ مبلبعبش بالبيضة والحجر .. أنا بلعب بالرجالة .. بحركهم بين صوابع ايدي .. بيتمنوا بس وجودي جنبهم .. مش لسة عيلة بلعب بالعرايس .. طب أنت مقتنع !
القت نظرة ساخرة على الدمية في نهاية حديثها .. مؤثرة .. لا ينكر أنها ذات تأثير .. لم يستطع أن يتحدث .. لم يجد في نفسه رد ..
لتقترب أكثر وتقول
_ هنروح بعربيتي .. يلا ألبس وتعالى .
ثم خرجت تتهادى بخطواتها أمامه بردائها الضيق صانعة له منظر سينمائي متكامل من الجمال والسحر ... عيناه خانته ووضع الدمية مكانها وهو يراها تسير في هذا الممر الطويل حتى خرجت من الباب الرئيسي ...
زجر نفسه وسحب نفس طويل وعاد للداخل ليتجهز يحاول ان يصفي ذهنه .. لا يريد أن يقع في فخها ... حتى لو أنها ماهرة في حياكة الفخوخ..
الجزء الثالث من الفصل السابع عشر رواية الرقيقة والبربري
خرج رامي ومعه حقيبة سفره فتفاجئ بسيارة هيفاء الفاخرة .. مرسيدس جي كلاس ! ليتذكر أنها من عائلة غنية لكنها كما قالت " تحب الاعتماد على نفسها "
لم تخفى عنها نظراته وهذا ما أرادته .. ليست فقط نور الغنية .. بل هي أيضًا ! قد كانت تلك محاولة منها لتذكيره بمن هي فعلا ومن تكون في المجتمع !
دخل السيارة فقالت
_ لأ أنت مش هتقعد جنبي ! أنت هتسوق !
نظر لها في غرابه قبل أن تعطيه نظرة وديعة وتترك له مكان السائق
بدلت معه المقاعد ليشعر بشيئ غريب بسبب فعلتها .. شيئ جعله يفكر في نفسه .. أنه محط اهتمام .. أنه رجل يستحق القيادة .. القيادة في المطلق !
ظل طوال الطريق صامتًا حتى وصلا للمطار ودخلا بالسيارة وأشارت له بأن يتوقف في مكان معين
_ اركنها هنا وحد هييجي ياخدها !
فعل ما قالت وهم لينزل لكن قبل أن ينزل مسكت يده ونظرت داخل عينيه قائلة
_ إحنا مسافرين .. ممكن تخليك مبسوط وتنسى كل حاجة وحشة مريت بيها الفترة إللي فاتت ! ممكن تنسى ومتفكرش في أي حاجة غير اللحظة اللي أنت فيها وأوعدك إني مش هضايقك وهخليك مبسوط ومرتاح !
قالت هيفاء لينظر لها رامي طويلاً .. يحتاج ذلك .. يحتاجه للغاية ...إيماءة بسيطة خرجت منه دلت على موافقته فابتسمت هيفا ابتسامة صافية قبل أن يترجلا من السيارة ...
دخلا المطار وانتظرا معاد الطائرة .. رامي كان يحاول .. يحاول أن يصب تركيزه على اللحظة الموجود فيها الآن .. في المكان الموجود ليه .. حاول .. لكن داخل عقله كان نور .. نورها الذي لم يبتعد عنه رغم أنها بعيدة .. تذكر عندما رآها اليوم وهي مع والدها ، كم تألم لتجاهلها إياه .. لكنه أيضًا غاضب .. غاضب للغاية ولن يسامحها على ما فعلته فيه ولن يسامح نفسه على ما فعله فيها .. تحمل ذنبه كما يحمل ذنبها ... يشعر بالجرح الشديد لكن .. القابعة جانبه ستسعده وتداوي له جراحه التي خلفتها نور .
فتح هاتفه ليضبطه على وضع الطيران لكنه فجأة رن ... عندما رأى الإسم شعر بقلبه يقع بين قدميه .. " رأفت " .. الإسم وحده يفزعه .. تردد في الرد ىكنه فتحه بسرعة وقال ببرود
رامي
_ أيوه يا رأفت باشا؟
لكن أتاه حماه بصوت عالي، منفعل
_ بنتي فين يا رامي؟! نور راحت فين؟!
اندهش رامي وهبّ واقفًا من مكانه واشتدت قبضته فوق الهاتف بينما يهدر
_ إيه؟! مش هي معاك في البيت؟!
رد رأفت صارخًا
_لأ! مش في البيت ومش في أوضتها، موبايلها مرمي على السرير، والناني بتقول ماشافتهاش من ساعة ما رجعنا ! إنت كلمتها؟ اتفقت معاها على حاجة؟!خدتها ؟
وقف مذهولاً وقلبه يدق في عنف ! يشعر بشيئ سيئ على وشك الحدوث ويعلم أن نور ليست بخير أبدًا
_ والله العظيم معرفش حاجة... اهدى، أكيد هنلاقيها... أنت دورت عليها ؟ دورت في كل مكان ؟
رد رأفت بصوت غاضب ومختنق
_ أنا قلبي بيقولّي إنك السبب في انها مست من البيت .. أنت السبب في اللي بيحصل! من ساعة ما دخلت حياتها وهي مش مرتاحة!
رامي تجمد في مكانه، يشعر بالذنب يكتم أنفاسه .. الغضب الشديد من حماه لإهماله لنور .. وخوفه وقلقه المرعب عليها .. أين ذهبت نور التي لا تعرف أي شيئ عن الشارع !
___________________________
________________________
_ أنت رايح فين ؟
مسكت هيفا زراعه وعيونها كلها صدمة وغضب لينزع نفسه منها ويقول
_ هرجع بعربيتك لنور !
صدمة قوية استقبلتها في وجهها بجملة واحدة حملت كل المعاني التي يجب عليها أن تعيها وتفهمها جيدًا !
كان صوت قلبه يسبق خطاه، يلهث في صدره كعدّاء فقد بوصلته وسط الظلام... أدار رامي محرك سيارة هيفا بجنون بعدما أخذها منها ، وصوت الهاتف لا يزال يتردد في أذنه، ذلك الصوت المحمّل باللوم والعتاب، كأن الكلمات تشتعل داخله نارًا لا تنطفئ.
ضغط على زر الاتصال مرة أخرى، وبمجرد أن أجابه رأفت، اندفع يسأله بصوت متهدج
_ لقيتها ؟
لم تأتيه إجابة تريحه بل كلام أخر جعل قلبه ينشق نصفين حيث صرخ رأفت في الهاتف، و صوته امتلئ بالوجع
_ كل ده بسببك! بنتي راحت مني! بسببك!
رمى رامي يده في الهواء، وكأن الكلام طعنة في صدره
_ مراحتش! ولا عمرها هتروح! متقولش كده، هنلاقيها! والله هنلاقيها!
ثم أغلق الهاتف، وأطلق العنان لمحرك السيارة، كأن الطرق كلها تؤدي إلى نور... كأن قلبه لا يهتدي إلا بنورها.
دخل رامي منزل حماه أخيرًا بخطوات سريعة ليرى البيت كله منقلب رأسًا على عقب والرجال منثورون في كل مكان حتى شعر بأن القيامة قد قامت .. لكنها قامت بالفعل فنور حياتهم قد ضاع ولا يعرفون له سبيل !
ما إن رآه حتى اذداد وجهه ضيقًا ومع المتابعة مع الرجال شد رامي شعره ولم يصلوة لها بعد ليتسائل كالمجنون
– متعرفش ليها صحاب؟ حد ممكن تكون راحت له؟ ليكوا قرايب؟ أي حد ممكن تلجأ له؟
خرج صوت رأفت مترددًا، مشوشًا بالغضب والقلق
– معندهاش حد... هي عمرها ما كانت اجتماعية، أنت عارف كده !
أطبق رامي كفه ، ليكمل رأفت وعيناه تضيقان بالغضب
– لو كنت بتحبها، كنت عرفت إنها ملهاش أي حد... غيري! وغيرك للأسف!
ساد صمت ثقيل، لكنه لم يصمت.. تابع كمن يفتح بابًا كان مغلقًا في صدره منذ زمن
– أنا قلتلها من زمان... انتي بتسندي على حيطة مايلة، وكنت شايف الحيطة دي وهي بتقع، وحذرتها! لكن هي اللي عملت في نفسها كده، بإيديها بس العيب عليا إني سبتها لدماغها وعملتلها إللي هي عوزاه وجوزتهالك
تنفس رامي على الطرف الآخر بعمق لكن رأفت لم يصمت ، زاد صوته غضبًا
_ عمرك ما شلت همها ، ولا اهتميت بيها! فضلت نفسك وكرامتك عليها، وهي كانت بتنهار قدام عينك!
اشتعلت الدماء في عروق رامي، انفجر بصوته الغاضب
_ و وانت مخدتش بالك منها ليه؟! مش هي عندك؟ مش المفروض تكون في حضنك؟ إزاي خرجت وانت في البيت؟! إزاي سبتها تمشي من غير ما تحس؟!
رد رأفت بصوت مبحوح من القهر
_ البنت كانت مكسورة بعد ما شافتك مع الكلبة بتاعتك اللي مسافر معها ومقولتلهاش حتى ازيك ولا عاملة ايه ولا اعتذرت على اللي عملته معاها !، حبيت اسيبها لوحدها شوية .. فكرتها نايمة في أوضتها! ما كنتش أعرف إنها هتمشي ولا تفكر تسيب البيت! لو كنت أعرف كنت محلتهاس تفارق حضني أبدا وأذيتك زي ما أذيت بنتي
تجمد رامي في مكانه، الذنب يلتف حول عنقه كسلسلة من نار... لكنه لم يحتمل المزيد.انفجر
– أنا؟! أنا آخر واحد ممكن يأذيها! أنا بحبها يا باشا!
_ بتحبها يا كداب يا كلب ! انت مبتجبش غير نفسك
صرخ فيه رأفت ليرد عليه رامي الغضب وهو يهدر
_ وأنت كمان مبتحبهاش وأناني ! في واحد مخلي بنته متعرفش أي حاجة في الدنيا زيك كدة ! طول عمرك بتقرر عنها وتختار لها كل حاجة وادي أهي نتيجة عمايلك وانانيتك وغرورك .. بنتك اللي عندها ٢٥ سنة تايهه في الشوارع !!
انصدم رأفت وظل ينظر لرامي الذي صعد صدره وهبط في وتيرة سريعة من شدة غضبه وانفعاله ... كاد أن يتحدث بعد لحظات لكن قاطعه رامي وهو يشد في شعره من التوتر وينهي هذا الصراع والعراك الذي وقع بينهما
– كلنا غلطنا! أنا وهي وانت! بس الوقت مش وقت لوم! الوقت وقت نتحرك!
صمتٌ ثقيل ساد، يتنفس كل منهما بصوت مسموع، يختنق كل منهما بمرارة العجز.
ثم قال رامي، بصوت منهك
– أنا هنزل أدور عليها... في كل مكان... وهفضل أدور لحد ما ألاقيها...
لكنه لم يكن مستعدًا للجملة التالية التي فجّرت فيه ما تبقى من وجع
– تعرف؟ أنا مكانش لازم أكلمك... لأني اكتشفت إنك مالكش لازمة... أنا هدور على بنتي في كل مكان، وهجيبها حتى لو تحت الأرض.. وساعتها... ساعتها هتطلقها ورجلك فوق رقبتك!
لم ينطق رامي. ظل صامتًا، مجبرًا، مقهورًا. ليس ضعفًا... بل خوفًا من أن يزيد اشتعال النار التي بينهم، وهو الآن بحاجة لكل ثانية ليتحرك، لا ليتشاجر.
خرج رامي من المنزل ، وأطلق العنان لسيارته، يقود كأن الطرق كلها تؤدي إليها.....
في منتصف الطريق، تذكر فجأة...
أماكن معينة، زاروها سويًا في آخر أيامهم... أماكن عديدة راحاها سويًا .. مقهى صغير قريب من البيت ولكن رغم قربه إلا أن طريقه صعب الوصول إليه !
عادت إليه الذاكرة كوميض برق...
– لو كانت هربت... مش هتهرب بعيد عن الأماكن اللي كانت بتحس فيها بالأمان معايا ! ... لو لسة بتحبني هتكون هناك !
ضغط على دواسة البنزين، قلبه يدق بإصرار، وبندم...
لعلّه يعثر عليها قبل أن يُفقد نورها إلى الأبد.
---___________
كانت إضاءة المكان خافتة ، سار رامي بخطًى متسارعة نحو الكوفي المخفي، نظراته تلتهم الوجوه من حوله، وقلبه يخبط صدره بجنون كأنّه يصرخ قبل فمه
_ يارب تكون هنا .
وقف أمام المكان، تطلّع حوله، ثم تحرّك بخطًى مشوشة، يبحث... يبحث بعينيه، بقلبه، بروحه... the hidden coffee.. أخذها إليه عدة مرات .. أحبت المكان لأنه مخفي عن عيون معظم الناس ... تمنى لو بجدها هنا ! تمنى وهو يسير على الطريق ويبحث بعينيه عنها وسط الوجوه ..
ثم... رآها.
كانت منكمشة خلف جذع شجرة في الزاوية المقابلة، وكأنها تختبئ من العالم، من الخطر، من الألم... جسدها الصغير ملتحف بالبرد والخوف، وعيناها تدوران كفأرٍ مذعور، تتابع المارّين بريبة، وكلّ رجل يمرّ يزيدها رجفة وانكماشًا.
اقترب رامي خطوة، ثم اختنق صدره فجأة، وخرج اسمه من حلقه مجروحًا، قويًا، حيًا
– نور!!
ارتعشت الفتاة كأنّ الرعد ناداها، ورفعت رأسها بسرعة، نظرت إليه... ثم قامت فجأة، كأنّ صرخة روحه أيقظت بها كل ما مات فيها..ركضت نحوه.. بكل وجعها وكل حزنها .. شعرت بالفرحة كأنها وجدت طوق نجاة !
ركضت كأنّها تركض نحو الحياة بعد موت، نحو الأمان بعد تيه، نحو النور بعد ليل طويل.
ولمّا وصلت إليه، لم تتردّد لحظة، بل ارتمت في حضنه بكل قوتها، دفنت رأسها في صدره، وانفجرت بالبكاء.
ضمّها رامي بقوة، بقسوة المحب النادم، وبلهفة الغريق الذي عثر على اليابسة بعد ظنّه أنها لن تأتي.
_ اهدي .. أنا هنا .. أنا هنا خلاص !
لم تتوقف عن البكاء المتواصل ولو للحظة وصوتها يرتفع اكثر حتى شعر برطوبه قميصه الذي تبلل بدموعها الغالية ..
– كنت حاسس... حاسس إني هلاقيكي هنا...
همسها لا يكاد يُسمع، وصوته يرتجف من فرط ما يحمله قلبه..
– "أنا... أنا كنت لوحدي أوي... كنت مرعوبة... مش عارفة أروح فين ولا أعمل إيه...
قالتها وهي تتشبّث بقميصه، كأنها تخشى أن يفلت منها مرة أخرى.
– معلش... أنا آسف... آسف على كل حاجة... خلاص، خلاص يا نور، أنا جيت، أنا مش هسيبك تاني... والله ما هسيبك تاني أبدًا.
شدّها إليه أكثر، كأنّه يضمّ كل ذراتها المبعثرة، كأنّه يريد أن يخبّئها داخله كي لا تطالها الحياة من جديد..
_ أنا خايفة أوي يارامي ..
قالت في انهيار ليشد على جسدها ويغمض عينيه ليرى قلبه ببصيرته يتهشم .. يحترق من أجلها ! ...
_ أنا هنا .. هنا يانور .. امانك وسندك يا حبيبتي.. انتي في حضني متخافيش .
شعرت بين ذراعيه أن كل خوفها قد تبخر، أن العالم صمت، ولم يتبقَ فيه سواه. رائحته، دفء صدره، صوته، كلّه كان عودة للحياة بعد أن دفنت نفسها حيّة في لحظة تهور ويأس..
________________________
وصل رامي إلى البيت يحمل بين ذراعيه أغلى ما امتلك قلبه يومًا... نور.
كانت مستكينة في حضنه، كأنها فقدت القدرة على السير، أو ربما لم تعد تثق بالأرض تحت قدميها.
فتح الباب بسرعة، وقبل أن يهمّ بالنداء، سمع خطواتٍ تتسارع نحوه.
كان رأفت يركض، وجهه مكدود، وصدره يعلو ويهبط كمن عاد لتوّه من القبر.
– نور!!
صرخ بها وكأنها صرخة نجاة، وكأنّ اسمها وحده يعيده إلى الحياة.
اقترب منها، سحبها من رامي برفقٍ ولهفة، ضمّها بقوة بين ذراعيه.
– حبيبتي... يا بنتي... يا نور عيوني... كنت فين؟ كنتي فين يا قلب أبوكي؟!
لكن نور لم ترد، فقط دفنت رأسها في كتفه، ثم همست بصوت خافت مبحوح
– أنا تعبت يا بابي...
انكسر قلب رأفت، فأشار لرامي وهو يحملها من جديد
– هات... هاتها فوق تنام شوية.
لكن رامي مسكها وحملها بين زراعيه ثانية وهو يتحدث مع رأفت ببرود وعيونه تشكك فيه شك لم يريح رأفت !
– هطلعها أوضتها... اطلب أنت دكتور .
وصعد بها رامي برفق، وضعها فوق السرير، سحب الغطاء عليها، لكنها لم تترك يده، كانت أصابعها متمسكة به كأنها طوق نجاة.
همس لها
– أنا مش هبعد... هنا، جنبك...
أغمضت عينيها على صوته، وعلى رائحته، وعلى ما تبقى لها من أمان.
بعد دقائق، نزل رامي، وعلى الفور طلب رأفت طبيب العائلة.
حضر الطبيب سريعًا، وبعد فحصٍ دقيق قال بهدوء
– البنت حالتها كويسة، بس تعرضت لتوتر عصبي شديد، وعندها هبوط حاد من القلق والخوف... محتاجة ترتاح كام يوم، ومحدش يضغط عليها بكلام أو أسئلة.
أومأ رأفت برأسه، ثم نظر للطبيب
– شكرًا يا دكتور.
وانصرف الطبيب.
_عايزك في مكتبك !
قال رامي بنبرة جادة ..
_ دا وقته !
أردف رأفت متهكمًا ليقول رامي بأسلوب حاد وقوي
_ دلوقتي حالاً .
ثم توحه رامي للمكتب ولم يجد رأفت بُد من أن يذهب خلفه..
ظلّ الصمت بين رامي ورأفت مشدودًا، حتى قرر رامي قطعه وهو يجلس أمامه بنظرات ثابتة، ونبرة عميقة
– أنا عايز أعرف... إيه اللي حصل بالظبط وخلى نور توصل لكدا؟
صمت لحظة، ثم أكمل وهو يضغط على كلماته وقد تأكد أن هناك شيئ مريب يخبئه حماه وزوجته .
– نور مالها يا رأفت؟!
توترت ملامح رأفت فجأة، ارتبكت يده على الطاولة، وتنهد بعصبية وهو ينظر بعيدًا عن عيني رامي.
ياترى إيه هي الحقيقة ؟ وياترى رد فعل رامي إيه؟ استنوا الفصل الجاي واكتبوا على صفحة الفيسبوك انكم عاوزين الفصل الجديد من رواية الرقيقة والبربري ❤️