الرقيقة والبربري
الفصل 19 — 14 د متبقية
الفصل 19

الفصل التاسع عشر

14 د قراءة

__________________

نزل رامي الدرج بخطوات بطيئة، كأن ساقيه ترفضان حمله... لم يكن يمشي، بل ينسحب من البيت انسحاب المنهزم. كتفاه مائلتان كأنهما يحملان وزر سنوات مضطربة، وذقنه مائل نحو الأرض، بينما عيناه تغصّان بدموع متحجرة... لم تسقط، لكنها كانت على شفا الانهيار. نظراته كانت شاردة، لا ترى شيئًا، كأن كل شيء حوله تلاشى ما عدا الألم الذي يُطبق على قلبه بعد ما سمعه

حين بلغ بوابة البيت، لم ينظر خلفه. فتح باب السيارة بحركة آلية، وجلس خلف المقود وكأنما جلس في عالم آخر وعزلة جديدة. أسند رأسه إلى ظهر المقعد، وأغمض عينيه، ليكتشف أن الثورة داخله فاقت قدرته على السيطرة ..

ضغط بأطراف أصابعه على جبينه، وتنهد تنهيدة ثقيلة خرجت من صدره كأنها تحمل رماد قلب محترق.

_ يا رب... إزاي؟!

همسها، وهو يضغط على مقود السيارة بقبضة مرتعشة.

فكر في حياتهما... في تلك السنوات التي قضاها يحاول أن يقترب منها، أن يفهمها، أن يتجاوز الصمت بينها، والخوف في عينيها.. فكر في كل مرة حاول فيها أن يكون صبورًا، رحيمًا، لكنه كان للأسف يقسوا عليها في النهاية .. تذكر كل مرة أذاها وأطلق نيران غضبه عليها وهي التي لا تستحق إلا أن يبتسم في وجهها ... كان يظن أنها من النساء الباردة التي تتدلل .. بينما الحقيقة كانت أقسى من ذلك..

_ إزاي يانور ! إزاي حصلك كدة إزاي!

قالها، وصوته يختنق، والوجع يتكاثر في قلبه.

أدار المفتاح، وتحركت السيارة كأنها تئنّ معه، تقطع الطريق على إيقاع قلبه المضطرب.. وبينما يداه تقودان دون وعي، تسللت إلى ذاكرته لحظة، لحظة قديمة... أول مرة رآها فيها...

كان اليوم عاديًا... ملفات، أوراق، اجتماعات... لكنه حين دخل المصعد، كانت هي هناك ... واقفة على أحد الجانبين، تحمل حقيبة يد صغيرة، تنظر إلى المرآة في سقف المصعد بخجلٍ طفولي.

نور.

لم يكن يعرف اسمها وقتها ،صفتها ، ولم يكن يدري أنها ستغزو حياته..

تأملها .. أغلق عينيه وفتحهما كأنه يتأكد أنها ليست ملاكًا أو ما شابه .. ليست الملامح فقط بل الهالة التي أحاطت بها من اللحظة الأولى كانت واضحة للشمس تتجلى للجميع وخصوصًا هو .. الخبير في النساء .. أدرك في لحظتها أنها عملة نادرة من النساء .. نوع جديد لم يمُر عليه من قبل ! .. 

دخل المصعد ووقف بجوارها ، يدور صمت خفيف بينهما، وفي اللحظة التي كاد فيها المصعد أن يُغلق ، ظهر كريم — الموظف الذي ينافسه على كل شيء — يركض لينضم إليهما..

مد رامي يده، وضغط على الزر بسرعة، فأغلق الباب في وجهه وهو يعطيه ابتسامة نصر امتزجت بالبرود لينظر له كريم في غيظ بينما يحاول الوصول للمصعد ، لكن الأوان قد فات والمصعد بدأ يتحرك..

انتبه ليسمعها تضحك بخفة، تحاول أن تكتم ضحكتها الخافتة بيدها..

التفت نحوها، ونظر لها نظرة خفيفة.. ابتسم ابتسامته المائلة ثم سأل بنبرة جذابة

– ضحكتِ ليه؟

قالها بنبرة هادئة... لكنها لم تستطع أن تجيبه وخجلها يغمر ملامحها.. ليشعر بمتعة شديدة فبجانبه امرأة تخجل ! فذاد العيار قائلاً

– كنت عايز أبقى معاكِ لوحدنا .

– ها؟!

نظرت له باندهاش طفولي، ثم نظرت للأرض، وهي تبتسم لينظر لها ويقول

– أنا آسف... بس عارفة؟ ضحكتك دي... أحلى حاجة حصلتلي النهارده. 

سكتت... لكنها لم تُخفِ تلك الابتسامة الصغيرة التي تسكن في القلب قبل الشفاه... لأول مرة يضحك رامي بخفة أمام فتاة لم تفعل أي شيئ سوى الابتسام ...

تبدّلت الذكرى، فجأة، إلى صورة أخرى... عندما خرجا من المصعد

كان رامي يحمل ملفات في يده، متوجهًا لمكتب رأفت باشا، مدير الشركة... حين دخل من باب الطابق، وجدها تدخل معه فسارع بخطواته .. ليعرف .. ماذا تفعل في هذا الطابق !! .. ثم وجدها تقف في الرُّدهة أمام مكتب رئيس عمله تنظر إليه. كان يظنها مجرد فتاة تزور أحد الموظفين.. لكن ما الذي أتى بها إلى مكتب المدير !!

لم يكن يعرف أنها هي... "هي ابنة رئيس عمله ".

نظراتها كانت مُطوّلة، بريئة، متأملة.. وقفت تبتسم له في خجل ثم وضعت عينيها في الأرض...

دخل إلى المكتب، ألقى السلام، ثم فوجئ بأنها تدخل خلفه... تمشي بخفة إلى أن وصلت لرأفت، واحتضنته.

في تلك اللحظة، تجمّدت أوصاله.

_ آخر يوم ليا في الشركة النهاردة .

جسده كله برد... وبلع ريقه بصعوبة.. رأفت ابتسم وقال وهو يربت على رأسها

– حبيبة بابي .. شطورة يا نوري جيتي لوحدك ..

انفتحت عينيه من هول الصدمة .. هل غازل ابنة رأفت ! لم يجد إلا ابنة مديره الذي يجمعهما عداء لحد السماء ! .. الشيئ الوحيد الذي يجعله هنا في هذا المكان .. هو مهارته في العمل وطريقة عمله المتناسبة جدا مع طريقة رأفت والتي لم يجد غيره تقريبا يشبهه فيها لكن دائمًا ما كانت الخلافات حائرة طائرة بينهما ..

نظر رامي لنور وكأنه يتوسلها ألا تقول لوالدها عن أي شيئ وهو يتمتم في سره

_ أبوس إيدك الحلوة دي متقوليش حاجة ...

لم ترد نور بشيء على والدها سوى أنها ضمت نفسها لحضنه أكثر ، لكنّها نظرت إلى رامي بخجل وابتسامة صافية، كأنها تعتذر له عن المفاجأة..

ورأفت، وقد لاحظ تلك النظرة، أمر رامي ان يضع الملفات على المكتب وقال بجفاف

– روح على مكتبك.

لكن رامي لم يصدق أن نور لم تكن متشددة ومتكبرة كوالدها ! بل لم تقل شيئ من الأساس .. هل ستقول بعدما يخرج ؟ رأفت سيقتله لا محالة ولكن فجأة شعر بالأمان ... لأنّه، قبل أن يخرج، نظر إليها مرة أخيرة، ورآها تبتسم له... ابتسامة طفلة لم تتورط بعد في الحياة...

شعر براحة تتسلل إلى قلبه ... لم يدري هل لأنه رأى ابتسامتها الملائكية .. أم لضمانه أنها لن تفشي عن تغزله بها ؟

---

عاد من الذكرى، وهو يتنفس بصعوبة، كأن كل ما رآه للتوّ حدث اليوم.

لكنه لم يتوقف... بل تتابعت الذكريات

نور، بعد تلك اللحظة، نزلت إلى الكافتيريا، وجلست وحيدة.

هو، وقد شعر بشيء يدفعه دفعًا، نزل وراءها، لكنه وجد كريم يحاول أن يتحدث معها ، ذلك اللعين طبيعي لن يترك ابنة المدير وحدها وسيحاول الاحتكاك بها .. ذلك المتملق !! ..ابتسم رامي بشر واقترب منهما وفجأة ترك الماء الموجود في الكوب المحول بين يديه يقع على بدلة كريم لينظر له كريم في غضب

_ إيه أعمى مش شايف !! إيه اللي أنت عملته دا !

_ وانت زعلان كدة ليه محسسني انها بدلة من ايطاليا ..

_ آه بدلة من إيطاليا والماية اللي حدفتها عليا دي بوظتها !

قال كريم في غضب ردًا على سخرية رامي ليكمل الآخر في استفزازه

_ الله يا كريم بقولك الكباية طارت من ايدي على بدلتك ! عادي يعني ..

نفخ كريم من الغيظ ثم غمزه رامي

_ يلا روح نشفها بسرعة الحق أي حاجة..

شعر كريم بالإحراج الشديد أمام نور ثم قال بغضب يحاول تغليفه باللطف

_ بعد اذنك يا آنسة نور ..

ثم ضرب كتف رامي بكتفه ليبتسم رامي باستمتاع لأنه نجح في استفزازه وانشغل كريم بالفعل في البدلة التي دفع عليها مبالغ طائلة وها هي تم افسادها عمدًا من رامي !

كان كل شيئ أمام عيني نور فنظر لها بطوله الفارع وهي تشرب أحد المشروبات الساخنة وتحتضن الكوب بين كفيها الرقيقة فجلس بجانبها وقال بصوت خافت وهو يعرف تمامًا ماذا يقصد

– شكرًا...

نظرت له، وهزت رأسها كأنها تقول: لا داعي للشكر.

فمد يده وقال بابتسامة خفيفة

– متعرفناش على بعض .. رامي.

ترددت قليلًا وكأنها تفكر هل تمد يدها وتبادله السلام أم لا ، لكن في النهاية مدت يدها..

شعرها انسدل على جانب وجهها، وعيناها كانت هادئة، وقالت بصوتٍ يكاد لا يُسمع

– نور.

كرّر الاسم في نفسه، كأنّه يُدركه لأول مرة.

– نور...

ابتسم، وهمس وهو يضغط على يديها وينظر داخل عينيها مباشرة

– اسمك حلو أوي... لايق عليكِ

احمرّ وجهها، وسحبت يدها سريعًا.

كان اسمها حينها يعني له النور فعلاً... البهجة... الأمل.

من شدة توترها رفعت كوب الماء وشربت منه وما ان تركته حتى قال رامي

_ ممكن اشرب ؟

قبل أن تجيبه كان قد أخذ الكوب وشرب من نفس المكان الذي شربت هي منه ليفوز بنظراتها المنهدشة .. نظراتها التي تعلقت به ولم تعرف كيف تبعدها عنه ! ... شرب رامي منها ثم قال باستمتاع وهو ينظر لها بعيونه المتلاعبة ..

_ الله ! هي المياة بقى طعمها حلو كدة ليه ؟

عضت نور على شفتيها وارتفع صدرها وانخفض ونظرت للأرض وابتلعت مافي حلقها في دفعة واحدة قبل أن ترفع خصلات شعرها بتوتر عن وجهها ليتأمل رامي بعيون صياد كيف أن جُمله التي يغازلها بها .. كانت مفيلة بقلب حالها كله .. ليتأكد أن هذه الفتاة بريئة لدرجة لم يراها من قبل !

الآن، وهو في السيارة، شعر أن كل ما كان مضيئًا، تحوّل إلى رماد... أول مرة رآها .. ما حدث يومها .. كل شيئ كان يداعب روحه حتى توقف على جانب الطريق وترك نفسه يبكي بصوت مرتفع !... بعد كل ما مرا فيه .. هو يترك نفسه الآن للانهيار ..

هي نور... لكن حياتها تعتمت مبكرًا للغاية

وهو، بدون أن يعرف، قضى سنين يأذيها دون أن يدري أن أذى نور تحديدًا ... كفيل بقتل روحها لكنها كانت تتحمل لأنها تحبه .. رغم أنها لم تخبره بالحقيقة .. لكن أكثر ما آلمه هو ما مرت فيه .. ما عاشته ... وما عرضها له ! ...

ليفكر .. هل سيكمل أم سينتهي بهما المطاف الآن ولن تكون هناك فرصة أخرى بينهما ! ..

فجأة رفع عينيه الدامعة ، ونظر أمامه، وقال

– أنا بحبك ... بس وجعك أكبر منّي.. أكبر مني أوي يا نور ......

_______

استفاقت نور ، ولم تكن تشعر بثقل النوم بقدر ما كانت تشعر بثقل الغياب.. أدارت رأسها ببطء، تبحث بعينيها المتعبة عن وجهٍ كانت تتمنّى أن تراه أول من يطلّ عليها. لكن لم يكن هناك سوى والدها، جالسًا على طرف السرير، يراقبها بصمتٍ مشوب بالقلق والحنان.

نظرت إليه بخيبةٍ ناعسة، كأن عينيها تعاتبه على أمرٍ لا ذنب له فيه. هو أبوها، ملاذها الأول، لكنه اليوم لم يكن ذلك الذي تطلبه روحها. كانت تنتظر قلبًا آخر، نظرة أخرى، ذراعًا أخرى.

أدرك رأفت نظرة الإحباط العابرة في عينيها، فانحنى قليلًا نحوها وقال بصوت دافئ

– إيه يا نور؟ مش عاوزاني؟

هزّت رأسها بخفة وابتسامة متعبة، ثم أمسكت يده بحنان وهمست برقة

– لأ يا بابي، طبعًا عوزاك يا حبيبي.

لكنها لم تستطع أن تلبث في هذا الدفء طويلاً… كانت هناك نار أخرى تستعر في قلبها، شوق دفين لم تقدر على كتمانه، فتردّدت للحظة، ثم سألت بصوت خافت، أشبه بنغمة موسيقى حزينة

– هو… رامي فين؟

تجمّد رأفت للحظة. لم يكن يجهل ما تشعر به ابنته، لكن الإجابة لم تكن سهلة، ولم يشأ أن يكذب، ولا أن يصدمها. فتح فمه ليقول شيئًا، لكن لم تسعفه الكلمات. وإذا بصوت مألوف يكسر سكون الغرفة ويبعث فيها الحياة

– نزلت لفيت على الدوا صيدلية صيدلية بجد مش لاقيه… بس حلفت، قولت والله ما أنا راجع إلا لما ألاقي دوا نور حياتي كلها !

كان رامي واقفًا عند باب الغرفة، ممسكًا بكيس دواء، وملامحه تعبّر عن إصرارٍ طفوليّ شجاع، كأنه يقاتل هذا العالم كله لأجلها... رامي أخذ قراره بالعودة !! ... لقد عاد لها ومن أجلها .. بدون دخول في أي تفاصيل حزينة ..

دخل بخفة، كأن حزنه اختبأ خلف ابتسامة خفيفة، وراح يتحدث بحيوية مصطنعة، وكأنه يريد أن يبعد كل ما هو ثقيل عن صدرها

– وفي الآخر ملقتش دواها غير في صيدلية صغيرة في حتة قديمة بعيدة .. … بس هو دا، أهو، عشان خاطرك إنتي بس ألف العالم كله مش مصر كلها ..

لم يقل شيئًا عن ما حدث، لم يعاتب، لم يسأل، فقط كان حاضرًا… وهذا وحده كان كافيًا.

نظر إليه رأفت، ثم نظر إلى ابنته، وفهم.. فهم أنه عاد لأجلها، وأنه لا يريد الحديث الآن، فقط يريد أن يكون قريبًا. فلم يتكلّم، ولم يعلّق، اكتفى بأن يقف ويترك المساحة لقلبيهما.

أما نور، فكانت تنظر إليه نظرة امتلأت بالشوق والامتنان معًا، كأنها طفلة رأت أمانها يعود إليها فجأة.. لم تحتج إلى كلمات، فحين اقترب منها وخلع جاكيت بدلته وأتى نحو السرير، كانت قد نهضت دون تفكير، وألقت نفسها بين ذراعيه كما لو أنها تبحث عن بيتها المفقود..

ضمّها إلى صدره بقوة، كأنه يحتضن ألمها وحزنها وخوفها، وهمس في أذنها بكلمات لا يسمعها إلا قلبها

– وحشتيني يا نور… أنا هنا يا روحي، يا حبيبة قلبي، يا عمري كله … ومش هسيبك تتوهي مني تاني …

ارتعش جسدها بين ذراعيه، لا خوفًا، بل راحة… أما رأفت، فكان واقفًا على بُعد خطوات، ينظر إليهما بصمت طويل. لم يشعر بالغيرة، بل شعر بالاطمئنان. لقد كبرَت ابنته… وصارت تعرف وحدها كيف تختار قلبها... لكنه عرف الآن لماذا تحب نور ابنته رامي لأنه مهما فعل .. يعود لها نادمًا يغدقها بالحنان والحب ! ..

ولكن لسانه المعسول هذا طويل ويحتاج قصه !! كيف يستطيع أن يسيطر عليها هكذا بمجرد كلمات .. شعر رأفت بغيرة أبوية على ابنته الوحيدة لكنه وقف ينظر لهما وتحمل .. بل شعر بسعادة دفينة لعودة رامي برغم كل ما عرفه .. بان ابنته تأمن له وترمي نفسها بين زراعيه بهذا الشوق .. شعر بأن الله يداوي قلبه برؤية ابنته مطمئنة سعيدة.

ضم رامي نور بشدة ورفع رأسه يتنهد .. تنهيدة عاشق لم يستطع ان يتنفس بعيد عن معشوقته ..

ثم نظر لرأفت .. تلاقت أعينهما وهذه المرة لم تكن نظرات متحدية بل نظرات أب وزوج يريدان تحويل حياة فتاتتهما لنعيم بعد الجحيم الذي تعرضت له .

_______________________________________

كان الصمت ما زال يملأ الغرفة، وصوت أنفاس نور بين أحضان رامي يبعث الطمأنينة، ولكن رأفت لم يكن قادرًا على كتمان حضوره الثقيل... تقدّم خطوة وقال بنبرة هادئة لكنها حاسمة

– أنا هنام جنب نور النهارده… جهزتلك أوضة في الجناح التاني، ارتاح فيها يا رامي.

لم تمر الكلمات مرورًا عاديًا، بل كأنها خنجر بارد دخل بين الاثنين.. لحظة واحدة فقط… وكانت نور قد تشبثت بقميص رامي، قبضت بأصابعها عليه بقوة، كما لو أن أحدهم سيخطفه منها بالقوة.. عيناها كانت ممتلئة برجاء صامت، وخوف طفولي، نظرة لا تُفسّر إلا بجملة واحدة: "أرجوك متمشيش ."

نظر رامي إلى يدها الممسكة به، ثم إلى عينيها… كل شيء فيها كان يستنجد به دون أن تتكلم.. رفع عينيه ببطء نحو رأفت، وتبدّل وجهه من الحنان إلى ابتسامة هادئة ساخرة، ثم قال ببرود متعمد

– لأ… معلش، أنا هنام مع مراتي.

كان يقولها بنبرة خبيثة واضحة، كأنه يتعمّد إثارة غيرته. انفعل وجه رأفت فجأة، وانعقد حاجباه بغضب مكبوت، لكنه لم يتكلّم.

فأكمل رامي، وهو يرفع حاجبيه وكأن لا شيء مقصود

– هننام عادي يعني… زي ما حضرتك هتنام، وكل الناس هتنام… نوم يعني مش أكتر.

احمرّ وجه نور من الخجل الشديد، وخبّأت وجهها في صدر رامي، فأحاطها بذراعيه، وابتسم بمكر وهو ينظر إلى رأفت. ثم التفت له وقال بلهجة أقرب للأمر

– اطلع برا يا رأفت.

كانت صدمة الكلمة كافية لتجمّد رأفت في مكانه. عينيه اتّسعتا من الغضب، وجبهته انكمشت كأنها ستنفجر، فانتبه رامي وخفّف نبرته سريعًا بتحمحمات مصطنعة

– برا يا عمي…

ثم عاد ليصحح جملته أكثر وهذه المرة بخوف حقيقي من تحولات ملامح رافت المرعبة

_ أحم، تصبح على خير يا عمي! نشوف حضرتك بكرة إن شاء الله.

ظل رأفت واقفًا مكانه، كأن روحه ترتجف من الغيظ، لا يعرف إن كان يغار على بنته، أم من رامي نفسه الذي يتصرّف بهذه الأريحية والامتلاك.

رامي، وكأنه يصب الوقود على النار، عاد لبروده

– اقفل الباب وراك كويس…!

أطبق رأفت على مقبض الباب بقوة، نظر إلى رامي نظرة قاتلة قبل أن يغلقه خلفه بصوت مكتوم. في تلك اللحظة، أدار رامي رأسه نحو نور، وابتسم بهدوء عميق، ثم تمدّد بجانبها واحتواها من جديد، كأن العالم كله لا يساوي حضنها.

أصابعه مرّت في شعرها بلطفٍ، يفرق الخصلات ببطء وكأنه يزرع سكونًا في قلبها.. ضمها إليه أكثر، وأسند خدّه على رأسها، وهو يستنشق دفئها وكأنه يتنفسها..

كانت نور ساكنة تمامًا، كأن أنفاسها لم تعد ملكها، بل تتبع أنفاسه... شعرت في حضنه كأنها تعود لطفولتها… لكن بأمان لم تعرفه من قبل.. قلبها يطرق صدرها، ليس خوفًا، بل احتياجًا… كان رامي هو الوطن، والمأوى، والطمأنينة المفقودة لسنوات ومن النظرة الأولى وقعت فيه ! في طريقته وطريقته الطفولية في التصرف التي لاحظتها من اللحظات الأولى للقائهما .. 

أما هو، فكان يشعر بشيء مختلف تمامًا.. كانت بين ذراعيه، نعم… لكن قلبه كان يعيد حسابات عمره كله.. كيف يمكن له أن يسمح لها بالغياب عنه يومًا؟ كيف لم يفهمها من البداية؟ كيف لم يسمع ألمها الذي لم تُفصِح عنه؟

ضمّها بقوة، كأنه يعتذر، كأنه يتوسّل لفرصة جديدة.

وبعد صمت طويل، همس بصوتٍ دافئ لكن فيه ألم عميق

– مشيتي ليه يا نور؟

سؤاله لم يكن عن الخروج من البيت فقط … بل عن الرحيل كله.. لماذا ابتعدت؟ لماذا تركته تائهاً، غاضبًا، بلا فهم، بلا تفسير؟

لم تجيبه وظلّ رامي يحتضنها بصمت، كأن حضنه أصبح مخبأها الوحيد من كل شيء.. لم يكن هناك سوى أنفاسهما المتقاطعة

ثم عاد عليها السؤال برقة

– مشيتي ليه يا نور؟

ترددت… وبان التوهان في عينيها، كأنها لا تعرف أين كانت، ولا كيف تعود.. صوتها خرج واهنًا، متلجلجًا، تحمله الحيرة وتثقله الذكريات

– كنت… كنت عاوزة أروح الكافيه اللي بنروحه أنا وإنت… بس… معرفتش أرجع.

قالتها وكأنها كانت تائهة في مدينة غريبة لا تعرف عنها شيئًا وضلت الطريق... عينيها تائهة، خائفة، تطلب غفرانًا منه ، وتبحث عن دفء في حضنه لا تريده أن يغادرها ثانية...

احتواها رامي في حضنه كأنها طفلته، يضمها بقلبه قبل ذراعيه، بحنية ما كان يعرفها في نفسه من قبل. شعر بطهارتها وسط كل قبح الدنيا، وبلحظة صمت، قال فجأة

– باباكي قالي كل حاجة… حكالي اللي حصل… زمان… وانتي صغيرة.

كأن الزمن توقف…

جسد نور ارتعش فجأة، ثم تجمّد بالكامل… لا صوت، لا حركة… كأن الدم توقف عن الجريان في عروقها، وكأن كل شيء في الدنيا أصبح بارداً فجأة. حتى رامي شعر بتغير ملمسها… كأنها تحولت إلى تمثال هشّ، على وشك الانهيار.

رفعت وجهها بصعوبة، بملامح مذهولة، وعينيها ممتلئة بذعر طفلة تتوقع أن تُرفَض، أن تُنبَذ، أن تُعاقَب على شيء لم تختره.

همست بصوت مبحوح، مكسور

– بتقرف مني دلوقتي؟

قال بسرعة وحسم

_ مش ذنبك يا نور .

وجد في عيونها حسرة وخجل .. بل عار ! أغمض عينيه للحظة، كأن سيفًا اخترق قلبه، ثم فتحهما وهو يبتسم ابتسامة حانية هازئة، كأنه يضحك على ظنها قبل أن يرفع ذقنها برقة ويقول

_ أنا بقرف منهم هما… مش منك إنتي. إنتي… أنضف، وأغلى، وأطهر من العالم كله.

تدفقت دموعها على خديها دون صوت، كانت تبكي بحزنٍ قديم لم يُسمَح له يومًا أن يُعبّر عن نفسه، بعار شعرت به يلاحقها طوال العمر وهي البريئة التي لم يكن لها أي دخل فيما حدث لها ..

دفنت وجهها في رقبته، كأنها تختبئ من الدنيا كلها، وكأنها تختبئ فيه..

شعر بدموعها تسيل على جلده، فضمّها إليه بقوة، دون كلمات… كانت الدموع تتكلم الآن.

وبهمسٍ اختلط بالبكاء، سألها برفق

– حابة تحكي دلوقتي؟

هزّت رأسها ببطء، وهي ما تزال في حضنه، نافضة الرفض برقة وارتعاشة، كأن الحديث مؤلم جدًا… أكبر من طاقتها الآن.

فهمها دون أن تُكمل، وطبطب على ظهرها بحنانٍ أبويّ لا يشبهه، وهو يحتضنها بكل قوته، كأنّه يحاول يداوي كل جُرح قديم بحضنه، كأنه يعاهدها دون كلام أنه لن يهرب من مسؤوليتها .. أنه يراها .. يراها بحق !

وأغمض عينيه هو الآخر، وسالت دمعة على خده لحقها سيل من الدموع … دموع وجه .. وليست ندم !

طال الليل عليهما .. لكن عيونهما غفت بعد وقت من البكاء الصامت وهو يحتضنها فقط بين زراعيه ...

أما رأفت فجلس في غرفته ينظر من النافذة للقمر .. يتمنى لو يأتي النهار بأمل جديد ينير حياتهم ...

شاركنا شعورك:

التعليقات على الفصل

سجل دخول للتعليق
كن أول من يعلق