الرقيقة والبربري
الفصل 20 — 16 د متبقية
الفصل 20

الفصل العشرون

16 د قراءة

في صباح اليوم التالي استيقظ رامي، فتح عينيه ببطء، ثم أدار عينه ليراها … نور، تغطّ في نومٍ هادئ بين زراعيه ، ملامحها بريئة كالأطفال، ساكنة كأنها لم تعرف بالأمس ألمًا.

حدّق في وجهها طويلًا… يتأمل تفاصيلها بشغفٍ عميق، كأن قلبه يخبره أنه لم يحب من قبل سوى هذه الملامح.

اقترب أكثر، ومدّ أصابعه برفقٍ بالغ، أبعد خصلة شعرٍ سقطت على وجنتها…

كانت يده تلمسها وكأنها كنزٌ يخشى عليه من الانكسار.. لم يُرد أن يوقظها… بقي متأملًا فقط، ساكنًا في مكانه كأن أنفاسه أصبحت تخشى أن تزعج نومها.

ثم، بعد لحظاتٍ، تحرّكت نور بخفة، وفتحت عينيها ببطء.

ابتسمت عندما رأته أول ما وقعت عليه عيناها، ابتسامة خجولة دافئة، لكنها سرعان ما انكسرت، ونظرت إلى الأسفل… إلى صدرها، إلى الفراغ، إلى أي مكان سوى عينيه.

فهم على الفور.

لم يتردد.

مدّ يده مجددًا ورفع وجهها من ذقنها، حتى التقت عيناه بعينيها المرتبكتين، ثم قال بصوتٍ حاسم لكنه حنون

– أوعي ، اوعي تنزلي عينك.

نظرت إليه بارتباك، بعينين زجاجيتين على وشك الانهمار، لكنه تابع بنبرة أكثر دفئًا،

–أنا مش هسمحلك تكسري عينك قدامي أو أدام أي حد …إنتي مش مكسورة…إنتي نور، ونور مش لازم تطفي.

سكتت، لكن نظراتها كانت تقول كل شيء.. ثم ألقت رأسها مجددًا على صدره، كأنها وجدت فيه الوطن الذي ظلّت تبحث عنه، فضمّها إليه بشدة، يشدها نحوه وكأنه يخبئها من العالم بأسره.

ظلّت نور في حضنه، ساكنة كأنها تخشى أن تنفصل عن هذا الدفء، حتى قطع رامي الصمت بصوته الخافت، وقد اقترب فمه من أذنها هامسًا بلطف

– تحبي نفطر هنا؟ ولا ننزل نفطر مع بباكي؟

رفعت رأسها تنظر إليه، وفي عينيها لمعة حنين ورقّة، ثم أجابت بصوتٍ خفيضٍ دافئ

– نفطر مع بابي... عشان وعدناه إمبارح.

ابتسم رامي، وهزّ رأسه برضا، ثم طبع قبلة طويلة على جبهتها وقال

– ماشي... بس قبل أي حاجة، لازم نعمل حاجة مهمة الأول.

نظرت إليه باستغراب، تحاول أن تفهم قصده، لكنه لم يشرح...

نهض من السرير واتجه إلى الحمام. بعد لحظات، بدأت تصل إلى أذنيها أصوات الماء، ورائحة عطِرة دافئة تنبعث من الباب المفتوح.

وقف رامي عند مدخل الغرفة، ينظر إليها بنظرة مسالمة ، وعلى شفتيه ابتسامة واسعة وقال

– يلا يا نوري ... أنا جهزت الحمّام والبانيو مليان ريحة حلوة أوي...هناخد شاور دافي وهادي سوا عشان نبدأ اليوم وإحنا مرتاحين.

تجمّدت في مكانها، لم تنطق، فقط عيناها اتسعتا بدهشة مصدومة وهي تراه يمد يده ناحيتها !

______________________

كان الهدوء في مكاتب الإدارة العليا مشوبًا بتوترٍ ثقيل... الضوء المتسلل من زجاج النوافذ لم يُبدد العبوس المرسوم على وجه فارس، وهو يضغط على شاشة هاتفه للمرة الخامسة على التوالي، منتظرًا ردًّا من رامي... ولا رد.

رفَع بصره ببطء إلى الباب حين سمع طرقًا خفيفًا، ودون أن يأذن بالكلام، دلف السكرتير بخجلٍ وقال

– الآنسة هيفا منتظرة برا، وبتقول إن الموضوع ضروري.

أشار فارس برأسه دون أن ينبس، فعاد السكرتير وفتح الباب على اتساعه لتدخل هيفا بخطوات موزونة وثقة ظاهرة لا تخفي اضطرابًا خافتًا في عينيها.

وقفت أمامه باستقامة، وقالت بنبرة رسمية

– صباح الخير يا فندم.

لم يرد، فقط رمقها بنظرة طويلة، ثم سأل بجفاف

– رامي فين؟

أجابت هيفا بثبات ظاهر

– رجع من المطار يا فندم... ما سافرش.

رفع حاجبه قليلًا، بعينين تضيقان غضبًا

– يعني إيه رجع وليه ؟

– كنا في المطار فعلاً، وكانت كل حاجة ماشية كويس، لكنه انسحب قبل السفر بلحظات من غير ما يقول أي حاجة ولا يوضحلي أسبابه وكنت مفكراه قالك لكن اتفاجئت بإن كل حاجة مقلوبة ..

صمت فارس لحظة، ثم قال ببطءٍ ثقيل

– اختفى فين ؟

ترددت هيفا، كأن السؤال غاص في منطقة لم تكن ترغب في دخولها، لكنها أجابت بهدوء

– معرفش .

شهق فارس خفية، ثم أعاد نظره إلى هاتفه الموضوع على الطاولة بعنف مكتوم، وقال دون أن ينظر إليها

– كلمتيه بعدها ؟

– لا والله، حاولت أوصل له كذا مرة بعدها، بس ما بيردش..أنا جاية لحضرتك دلوقتي علشان أوضح موقفي، وتعرف إن التأخير ماكانش مني.

اقترب منها خطوتين، وقال بصوت منخفض لكن مشحون

– الصفقة دي كانت شغلك من البداية ، وكان لازم تتأكدي إن كل خطوة فيها محسوبة.

أجابت بسرعة وهي تحاول السيطرة على نبرة انفعالها

– وأنا حسبت كل خطوة يا فندم...اللي حصل كان خارج عن إرادتي، ورامي هو اللي قرر يمشي. أنا عملت اللي عليّا، ولو تحب أرجع أتواصل مع الجهة التانية، أنا جاهزة..

تأملها لحظة بنظرة طويلة، لا تحمل ثقة كاملة، لكنه لم يجد ما يرد به، فأشار لها أن تنصرف..

أومأت برأسها، ثم خرجت من المكتب بهدوء، تُغلق الباب خلفها بصمت، لكن عقلها يضج..

لم يكن في قلبها سوى جملة واحدة تطنّ كجرس إنذار

_ سابني وراح لها ! ...

قبضت على حقيبتها بقوة، وعيناها تلمعان ببريق الحقد المختلط بالخذلان.

_ مش هعدّيهالك يا رامي...أنا هوريك وهوريها ..

__________________________ اقترب منها بخطوات هادئة، وعيناه لا تفارق ملامح وجهها المرتبك، كأنه يقرأ فيها مخاوفها وريبتها ... مدّ يده برفق وربّت على ذراعها، ثم قال بصوت خافت يمتلئ دفئًا وحنانًا

– إيه يا حبيبتي؟ مالك؟

رفعت عينيها إليه بتوتر، وابتسامة خجولة ارتسمت على شفتيها، لكنها ما لبثت أن ذابت بسبب التوتر والضغط ... قرأ ذلك في نظرتها، فابتسم هو مطمئنًا، وقال وهو يلمس طرف أنفها بإصبعه برقة

– عادي يا نور... دا شاور بس... مع بعض! مفيهاش حاجة يعني!

ضحكت بخجل وهي تخفض عينيها، كأنها عادت طفلة، فمد ذراعيه ليحتويها في حضن دافئ حتى استكان رأسها فوق موضع قلبه وحاوط ظهرها بزراعيه ، ثم همس في أذنها بنبرة طمأنينة

– مش هعمل أي حاجة إنتي مش عاوزاها أوعدك ...

أنا بس عاوزك تهدي، وتسيبي نفسك لرامي... رامي اللي بيحبك... رامي اللي كل اللي يتمناه دلوقتي إنه يطمنك... ويسعدك...اتفقنا؟

هزّت رأسها ببطء، وجفناها يغرقان في مزيج من الخجل والارتياح، ثم قالت بصوت خفيض

– اتفقنا.

ابتسم ثم أمسك بيدها وقادها بلطف نحو الحمام، وهناك، كان كل شيء مُعدًّا بعناية رغم أنه لم يأخذ وقت طويل في التجهيز ... 

بخار دافئ يتصاعد بهدوء، وفقاعات الصابون تتراقص في الهواء كأنها أحلام صغيرة،. والماء في البانيو يلمع حتى شعرت نور أنها تحمست للغوص في حوض الاستحمام !

دخلت معه وتركت ترددها، واستسلمت لكل ما يريد فعله وصدقت وعده ونفذ ما وعد به ... فكان هناك يطمئنها بعينيه، بصوته، بيديه التي لم تترك يدها أبدًا.. جلس خلفها، يضمها إلى صدره، وذراعيه يحيطان بها كملاذ... أسندت رأسها إلى كتفه، فأغمض عينيه، كأنما يحتضن كل تعبها في صدره...

مد يده إلى رغوة الصابون، وبدأ يكوّن فقاعات صغيرة، ينفخ فيها ويتركها تطير حولها، ثم يهمس لها وهو يلاعبها....

– بصي .. أدي آخرة الحياة الوردية إللي انتي معيشاني فيها ... حتى الصابون لونه وردي ..

ضحكت بخفة، ووجهها يتورد كزهرة بلّلها الندى، فقبّل وجنتها ، وضمها إليه من جديد.

في تلك اللحظة، لم يكن هناك سوى الدفء... الحب... والسكينة.

ولم يكن بينهما إلا صدق المشاعر... وكأنها بداية جديدة، تُغسل فيها كل الجراح القديمة بماء الحنان... كأنه اختار أن يتحمما سويًا ليبدآن حياة نظيفة دافئة وكأنه يجدد عهده بنور ..

خرج من الحوض قبلها فخجلت لكنه لم يلبس وعاد يحمل بين يديه مناشف ... قال

_ تعالي ..

ترددت فكيف ستخرج أمامه هكذا لكنه أرادها ان تتخطى خجلها هكذا وهو يقول

_ مش بضغط عليكي يا نوري .. بس أنا جوزك .. إحنا الاتنين مراية بعض ومفيش بنا الكسوف دا .. ارتاحي وخدي وقتك وتعالي يلا ..

كلماته الني رفعت عنها الحرج جعلتها تتشجع وتخرج من حوض الاستحمام ثم وقفت والماء ينساب من خصلاتها كأنها حورية خرجت من نبع صافٍ... كان رامي واقفًا في انتظارها، يحمل المنشفة بين يديه بعناية، وابتسامة دافئة ترتسم على وجهه...

اقترب منها دون كلمة، وبدأ يربّت على وجهها ورقبتها برقة شديدة، وكأن يديه تخاف أن تزعج براءتها ، جففها جيدًا برفق ثم لفّ المنشفة حول كتفيها، وقال بهمس

– لفي كده يا قلب رامي لازم ننشفك كويس قبل ما تبردي...

لم تُجبه، فقط دارن أمامه تستسلم لدلاله كطفلة صغيرة وجدت أخيرًا من يغمرها بالحنان... أخذ يجفف شعرها بحركات خفيفة، يمرر المنشفة برقة على خصلاتها، ثم انحنى ليقبّل شعرها ويستنشقه وقال مغازلاًا غزل عفيف لا يشبه شخصيته لكنه كان يحاول أن يختار أرق الكلمات لتناسبها ..

– حاسس اني متجوز حورية نازلة من الجنة

ضحكت، وارتفعت وجنتاها بلون الخجل، فألبسها البرنص الأبيض ولفّه حولها بإحكام، ثم ضمّها لحظة وقال

– كده بقيتي جاهزة… بس ناقص نسرّح الشعر الحلو ده!

رفعت نظرها إليه بدهشة طفولية

– إنتَ اللي هتسرّحه؟

غمز لها، ومد يده لها لتمسكها ثم قال

– آه، رامي من وهنا ورايح هيعمل كل حاجة بنفسه لحبيبته

وبسرعة وجدت نفسها محمولة بين زراعيه فانصدمت من المفاجأة لكنه كان يبتسم بثقة واستعداد لكل ما سيقدمه لها ..

جلست أمامه على طرف السرير، بينما وقف خلفها، وبدأ يمرر الفرشاة في شعرها برفق، من الجذور حتى الأطراف، وكأن كل خصلة يستمتع بملامستها ..

مرر أنامله بين خصلاتها الطويلة، وقال بنبرة مازحة

– إيه الجمال ده؟ شعرك من جماله محتاج تصريح دولي عشان أي حد يلمسه !

ضحكت نور ثم قالت

_ للدرجادي هو حلو

أكد رامي وهو يقترب منه ليشمه ويهمس بجانب اذنها بنبرة جلعت القشعريرة تسري في جسدها

_ هو حلو بعقل .. دا حلو بجنون .. ..

لديه نبرة .. تعرف جيدًا ماذا تفعل بها ! شعر بها ترتجف بين يديه فابتسم بثقة وعاد ليكمل في تمشيط شعرها الحريري الطويل

– اعملك ضفيرة حلوة؟

سأل لتهز رأسها ففهم أنها تريد ذلك فبدأ في تمشيطه كما تريد وهو يستمتع بما يفعل بينما كانت عيناها تلمعان، وقلبها يخفق كأنها تعيش حلمًا لا يُصدق... لم تكن مجرد لحظة دلال… بل كانت لحظة حب خالص، نقي، يتسلل إلى أعماقها ويطمئنها بأنها أخيرًا أصبحت مع نسخة رامي التي تمنتها .. النسخة التي تعرف كيف تحتويها… و كيف يدلّلها… وكيف يجعلها تضحك وهي ما تزال ترتعش من الماضي.

كل لمسة منه كانت رسالة، وكل ابتسامة كانت وعدًا بأنها لن تكون وحيدة بعد اليوم... وأنه سيشاركها حزنها وألمها

_ خلصت ياستي ..

قال ثم جعلها تنظر للمرآة لتقول وهي مندهشة من براعته

_ الله .. حلوة أوي!

ابتسم بثقة ومال نحوها وهو يقول

_ مفكرة انتي بس اللي بتعرفي تظبطي الشعر ؟

ابتسمت وقالت

_ أنت كمان طلعت شطور

ضحك بخضة وقرص وجنتها

_ طول عمري شطور يا حبيبتي .. يلا عشان منتأخرش .. احنا هنلبس حاجة مريحة وننزل .. تحبي أساعدك؟

ترددت نور ثم فجأة وجدت نفسها تهز رأسها بالموافقة وعيونها تلمع وكأنها تخبره بأنها مستعدة لتشاركه كل لحظاتها التي لم يحظيا بها من قبل ...

أخذ رامي يختار لها ملابسها وهو يتأملها تتحمس لكل قطعة يختارها لها قبل أن يستقر أخيرًا ويقول

_ حلو الفستان البينك دا .. الدولاب كله بينك حرام عليكي !

خجلت لتقول

_ بحب البينك .

_ ماهو واضح يا قلبي ..

ثم اقترب وهو يمسك الفستان ويقول بنبرة ماكرة

_ وبعدين أنا كمان بحب البينك .. بموت في البينك .. نفسي امسك الفستان البينك دا وابوسه أوي ومطلعوش من حضني ..

قضمت نور شفتيها وهي تستشعر تأثير كلماته ونظراته لكنه ربت على شعرها وتنهد يحاول أن يسيطر على نفسه ثم قال

_ يلا يلا ادخلي غيري .. واخرجيلي أكون أنا لبست أي حاجة من دولابك دا

اندفعت نور فجأة في الحديث وهي تقول

_ فيه قميص بينك كنت اشتريته ليك .. ممكن تلبسه ؟

_ اشتريتيه ليه ومدتهوليش ليه ؟

سأل رامي لتشعر نور بالحرج وارتفع صدرها وانخفض ثم قالت في خفوت

_ جيت علشان ادهولك بس أنت قولتلي انك مش بتحب اللون دا وان القميص مش ذوقك .. أنت حتى مش فاكر!

شعر بالضيق الشديد تجاه نفسه وكيف كان يتصرف بهذه القسوة لكنه سيعوضها وأول ما فعل هو أنه اقترب منها وقال بحنان

_ كنت حمار أوي.. دا اللون البينك دا أحلى لون في الحياه..

ابتسمت نور ثم سألت على استحياء

_ يعني هتلبسه ؟

هز رأسه وقال _ طبعا هلبسه

_ هنبقى matchy matchy 

قالت في حماس ليضحك بخفة ويقترب منها يضمها من خصرها نحوه ويداعب أنفها بأنفه

_ آه ياقردة هنبقى ماتشي ماتشي ..

_ قردة !

قالت ضاحكة ضحكتها الرنانة الجميلة ليقول

_ آه ويلا ادخلي البسي بقى عشان اتأخرنا وابوكي رن عليا وشوية هيطلع يولع فينا .

شهقت نور ثم ضحكت وهي تقول

_ مش تقول كدة على بابي

_ طب يلا يا حبيبة بابي البسي ... أبوكي هيموت ويقعد معاكي من امبارح وأنا واخدك منه لو طال يشرب من دمي هيعملها

_ رااامي !!

قالت ليتأفف ثم ابتسم

_ ادخلي ادخلي انتي غلبانة متعرفيش حاجة ..

ابتسمت نور وهي تعلم الحرب الدائرة بينهما طوال الوقت لكنها تعلم أنها من الغيرة والحب ليس إلا.. 

مد رامي يده ليبحث عن القميص ليجده أمامه فمسكه وأخرجه ونظر له يتأمله ..

_ على آخر الزمن هلبس بينك ! ...

ثم هز رأسه ساخرًا وشرع في ارتداء ملابسه هو الآخر ...

______________

نزلا معًا إلى الطابق السفلي.. كانت نور تسير إلى جانب رامي، تسنده بخفة وكأنها طفلة وجدت الأمان بعد تيه طويل. ارتدت الفستان الوردي البسيط الذي اختاره رامي ، ناعم الملمس، أضفى على ملامحها رقةً وطفولية، بينما كانت ضفيرتها تنسدل على كتفها برقة.. أما رامي، فكان يرتدي قميصًا ورديًا من نفس الدرجة تقريبًا كما اقترحت نور ..

وقف رأفت في منتصف الصالة، وقد اتسعت عيناه من وقع المفاجأة وهو يرى تسنيق الملابس

بل تفاجئ بها وهي في هذا السلام ! هل رامي له تأثير كبير عليها إلى هذا الحد !! ... صُدم وشعر بالقليل من الغيرة فهو الذي هو والدها لم يفعل بها مثل فعل رامي ولم يؤثر فيها مثلما أثر رامي ! .. لكنه نهى نفسه عن التفكير بهذا الشكل واهتم فقط بأنه يراها اليوم تتوهج وترتدي ملابس جديدة وجميلة

فاندفع رأفت نحوها بدهشة ممزوجة بالفرحة

_ إيه دا؟! إيه الجمال دا؟!

تقدم نحوهما بخطوات مسرعة، لكن عينيه كانت مشدودة إلى نور، وكأن قلبه لم يصدق أنه يراها بهذه الطلة.

رأفت وهو يحتضنها بشوق

_إيه القمر دا؟! وإيه الضفيرة الحلوة دي يا نوري ؟!

ضحكت نور بخجل وهي تشعر بدفء حضنه، دفءٌ شعرت أنها افتقدته طويلًا لكن ما مر به أمس لم يكن هين عليها ... نظرت إلى رامي وقالت بصوت خافت وقد احمرّ وجهها

_ رامي هو اللي عملها ليا ..

كان رامي واقفًا إلى جانبها، إحدى يديه في جيبه، وابتسامة خفيفة تعلو وجهه، بعينيه نظرة دافئة ومرحة

ابتسم رأفت ونظر إلى رامي نظرة امتنان، وقال له

_ جميلة فعلاً… تسلم إيدك.

وضع رامي يده على ظهرها بحنان وهو يقول

_ المهم إنها عجبتها.

أطرقت نور برأسها إلى الأرض، لكن ملامحها كانت ناعمة مطمئنة

قال رأفت بحماس وهو يستدير نحو السفرة ويسحب نور بخفة من يديها

_ يلا بينا… السفرة جاهزة، جعان ومش هقدر أقاوم الأكل ده.. كل للفطار اللي بتحبيه موجود يانور مش عاوزك تسيبي حاجة إلا لما تاكلي منها

تحركوا جميعًا نحو المائدة... كانت السفرة مجهزة بعناية واهتمام ، وكأنه استقبال خاص بل اختفال لعودة نور سالمة بعد اختفائها لساعات ..

جلس رأفت على رأس الطاولة، وجلست نور إلى جواره، بينما جلس رامي في المقعد المقابل.

بدأوا في تناول الطعام، وكان الجو يحمل شيئًا من الراحة، نوعًا من الهدنة العاطفية المؤقتة، كأن الجميع أراد أن يستنشق لحظة سلام.

كانت نور تأكل ببطئ ، وعيون رامي تراقبها في صمت. بين الحين والآخر، يمدّ لها طبقًا، أو يوجه لها كلمة خفيفة

– جربي دي، دي هايلة.

فتبتسم وتشكره بخجل.

أما رأفت، فكان يراقب ما يحدث بصمت، ونظراته تتنقل بين الاثنين بقلبٍ بدأ يهدأ، لكن داخله كان يعجّ بالكثير… هو ورامي الحديث بينهما لم ينتهي بعد ! وهذا ما يقلقه للغاية ...

نظر رامي إلى رأفت وتبادلا النظرات وكأنه عرف ما يدور في عقله ليتنهد ثم ابتسم ونظر لنور ليخبر رأفت أن نور هي كل ما يهم الآن ...

بعد أن انتهوا من تناول الطعام، مسح رامي يده بمنديل ورقي، ثم التفت إلى نور وقال بنبرة خفيفة

– يلا يا نور علشان منتأخرش.

رفعت نور حاجبيها بدهشة خفيفة، بينما سبقها والدها بالسؤال، وقد بدا عليه الاستغراب

– متتأخروش على إيه؟

نظرت نور إلى رامي، تنتظر منه التوضيح. فابتسم رامي ابتسامة بسيطة وقال بثقة

– أنا... هاخد نور ونروح أسوان نقعد شويه... الجو هناك في الوقت دا تحفة، وهنروح كمان الأقصر شوية كده...

لم تكن نور على علم بما خطط له رامي لكن ما ان نظرت له حتى ابتسم في وجهها ابتسامة مطمئنة ...

سكن وجه رأفت للحظة، كأن شيئًا ثقيلًا هبط على قلبه، ثم قال بنبرة جافة بعض الشيء ..

–ليه؟... ماتستنوا شوية؟

رد رامي بهدوء

_ عادي يعني، إحنا بس هنغير جو مش أكتر... شوية راحة بعيد عن كل حاجة حصلت.

لكن رأفت لم يقتنع، وملامحه ازدادت توترًا.. قال بنبرة حاسمة لم يستطع أن يخفي فيها ضيقه

_رامي اسمع! بنتي امبارح كانت ضايعة مني... وانت النهاردة عايز تاخدها وتسافر؟ لأ... اجّل الموضوع ده لوقت تاني.

تبدّل وجه رامي... شعر كأن الجدار نفسه يُبنى من جديد أمامه، كأن كل خطوة يحاول بها الاقتراب من نور، تُقابل بعائق من والدها.. غضبه اشتعل في صدره، لكنه كبته، فقط لأجل نور.

ظلّ صامتًا، ونور كذلك، حتى التفت إليها رأفت فجأة وقال بصوته العالي قليلًا

– إيه ساكتة ليه؟عاوزة تروحي معاه وتسيبيني هنا لواحدي .. أنا مش هقدر اسيبك تروحي مني تاني يانور !

رفعت نور عينيها إلى والدها وشعرت بالحزن تجاهه فمسكت يديه بحب وقالت

_ بابي أنا مش عاوزة أمشي بعيد عنك يا حبيبي .. أنا هفضل جنبك أكيد وهكون مع رامي جوزي مفيش أي قلق خالص ..

نظرت إلى رامي بعدما وجدت والدها لا يتسجيب لكلامها ليتحدث رامي يحاول ان يجد حل ، يحاول أن يمسك العصا من المنتصف

_ خلاص يا عمي... هنروح نقعد في مكان على النيل، علشان نبقى قريبين منك، وفي نفس الوقت نغير جو شوية... كده كويس؟

ظل رأفت صامتًا للحظات... كان واضحًا أنه لا يحب الفكرة، لكنه لم يرد أن يصطدم بهما أكثر...وفي النهاية، ردّ بضيق

–ماشي ..

سادت لحظة من الصمت بعدها، ثم عاد رأفت ليقول

_ اكلمكوا في أي وقت تردوا ولو طلبت تيجولي تيجوا فورا أنت فاهم .. 

_ فاهم ياعمي ومقدر قلقك على نور متخافش ..

_ عاوزك يا رامي في المكتب ..

قال رأفت ليرد رامي بجمود

_ لا معلش مش دلوقتي .. خليها وقت تاني

_ رامي !

قال رأفت ليشدد رامي على قراره وهو ينظر لرأفت

_ وقت تاني ياعمي ..

ثم أشاح بنظره ونظر لنور التي لم تفهم شيئًا ثم قال بابتسامة

_ يلا يا نور ! يلا يا قلبي..

هزت رأسها وكم شعرت بالسعادة لأنها ستذهب معه لمكان جديد ومختلف وسيقضيا الكثير من الوقت وحدها ..

صعد نور ورامي وبدأت نور في أخذ ما تريد في حقيبة السفر وبقى رامي فوق الفراش يتفقد هاتفه رغم أنه عرض عليها المساعدة إلا أنها أصرت ان يتفقد أمور عمله فلم يخفى عليها انشغاله بها وأنه كان لابد أن يسافر خارج البلاد ولغى كل شيئ لأجلها ..

ما ان أوصل هاتفه في الشاحن وفتحه حتى وجد العديد من المكالمات الفائة ورسائل البريد والرسائل على مواقع التواصل وحتى النصية !! ..

نصفها يحتوي على شتائم من مصطفى وفارس ...والنصف الآخر هيفاء ..

_ مراتك عارفة ان العربية اللي راكنة أدام بيتهم دي عربيتي ؟؟ ...

ما ان رأى الرسالة حتى شعر بتوتر وفجأة وجد رسالة من عمه رأفت تظهر يقول فيها

_ هيفا أخدت عربيتها .. مرضتش اقول أدام نور علشان متضايقش .. بس خلي بالك يا رامي .. خلي بالك من بنتي مرة ...ومني ألف مرة ! ..

تنهد رامي ثم أغلق عينيه وفجأة ارتفع هاتفه برنين وكان المتصل هيفا ..

لم يجيب فبعثت له رسالة تقول فيها

_ رد وإلا والله العظيم هتلاقيني في نص البيت بحكي لمراتك عن كل حاجة !! ...

______________________ تنهد رامي بعمق، ثم أغلق عينيه للحظة وكأنه يحاول طرد كل الأفكار المزدحمة في رأسه.

زمّ رامي شفتيه بضيق، ثم جذب الهاتف سريعًا ليضعه بين يديه وخرج من غرفة النوم دون أن يلاحظ أحد...

اتجه إلى البلكونة الخلفية حيث السكون نسبيًا، وضغط على زر الاتصال وهو يتمتم في نفسه:

رامي بغضب مكتوم

_ انتي مجنونة...

ما إن ردت حتى بدأت بالصراخ دون مقدمات، وكأنها كانت تنتظره على الطرف الآخر بكل ما في قلبها من نار

_ مش أنا إللي يتعمل فيا كده يا رامي وكله يعدي كده بالساهل؟ تتفضل تيجي دلوقتي حالًا وتعتذرلي إنك سبتني في نص المطار لوحدي وخدت عربيتي ، وإلا والله... والله يارامي، لههد عليك بيت الزوجية اللي ما بتفتكرهش غير كل سنة مرة دا!!

رد رامي بغضب

_ وطي صوتك، إنتي اتجننتي انتي بتكلمي مين كده؟

قالت هيفا وهي تضحك بسخرية

_ بكلمك إنت، اللي مفكر إنك حر أوي وتعرف تعمل كل حاجة من غير حساب ... لا يا أستاذ.. غلطان! وأنا مش لعبة، تتسلى شوية وترميها شوية ... لو مجتش حالا تعتذر ليا هوري لمراتك صورتي وأنا في بيتك !! آه منا نسيت أقولك إني اتصورت في بيتكوا !!

من شدة صدمته ظل رامي صامتًا للحظة، يحاول أن يفكر سريعًا، لكن غضبه وتسارع الأحداث حاصر تفكيره.

رامي بصوت خافت

_اسمعي يا هيفا، دلوقتي مش وقت الكلام ده... مش مناسب إني أخرج أو أسيب البيت.

هيفا بهدوء زائف

_خلاص، ولا يهمك... ساعتها أنا اللي هاجي...وهنشوف لو مراتك وشها اللي زي وش ملايكة زي ما هي باين عليها ، ولا وش نار لما تعرف كل حاجة ...

كاد رامي أن يجن وهو يقول بحدة بينما يراها لا تتراجع عما في رأسها

_ هيفا!! إنتي مش هتكسبي حاجة بالطريقة دي.. لو فضلتِ على العناد ده، هتخسري كل حاجة..

– معنديش مشكلة أخسر أي حاجة بس إلا كرامتي إللي أنت جيت عليها ... تعلالي حالاا مستياك في عربيتي اللي أنت وصلت بيها الهانم ورا بيت المدام وأبوها .. وأهو بالمرة تاخد الحلق بتاعها اللي واقع في عربيتي !

ثم أغلقت الخط.

وقف رامي للحظات جامدًا مكانه، يشعر بأن الخيوط كلها بدأت تُفلت من بين يديه، واحدة تلو الأخرى.

عاد إلى الداخل، متظاهرًا بالتماسك، لكنه في أعماقه كان يعرف أن العاصفة اقتربت...وأن هيفا، هذه المرة، لن تصمت.. كيف سيخرج الآن وقد وعد نور أنه سيظل معها .. أنهما سيقضيا أيامًا سويًا .. 

من أين تظهر كل هذه المشاكل ولماذا هو بالتحديد .. من جهه رأفت ..من جهه هيفا .. ومن جهه أخرى مشكلة نور العميقة ! ..

لكنه لغى كل ذلك وحاول أن يفكر في طريقة يخرج بها لهيفا المجنونة ...

شاركنا شعورك:

التعليقات على الفصل

سجل دخول للتعليق
كن أول من يعلق