الرقيقة والبربري
الفصل 21 — 17 د متبقية
الفصل 21

الفصل الواحد والعشرون

17 د قراءة

بعد حواره مع هيفاء ... ظل رامي جالسًا في مكانه، يتأمل الهاتف في يده وكأن الكلمات المنبعثة منه تصفعه... ساقه تهتز بلا وعي، وجبهته مرهقة من التفكير... لم يكن يدري كيف يتصرف... يرفع الهاتف، يضعه، ينهض، يتحرك بضع خطوات، ثم يعود إلى المقعد.

_ أنا إيه اللي دخلني في الحوار دا من الأول؟ ما كنت خلّيت دماغي في شغلي وبيتي وخلاص !

ظلّ ساكنًا للحظة، ثم ضغط براحة يده على ركبته، كأنها صمّام أعصابه. صمت ثقيل خيّم عليه، يلتقط أنفاسه بتوتر، ثم قال لنفسه بهمس

_ وإللي جوا بتحضر الشنط دي هتعمل إيه لما تعرف .. فكر يا زفت !

لم يكد يُنهي كلماته حتى سمع صوات ، وظهرت نور واقفة تُطالع وجهه القَلِق والشارد بقلق أكبر..

_ رامي! مالك؟ ... حصل حاجة ؟

رفع عينيه إليها، ابتسم ابتسامة شاحبة، وقال بصوت مزيج بين الحرج والقلق

_ ما حصلش حاجة... 

ثم سكت للحظة وعاد ليقول

_ يعني حصل، بس مش حاجة تخوّف... ما تقلقيش.

اقتربت منه بخطى حذرة، وجلست بجواره، وعيناها تتفحصان وجهه بدقة ثم ربتت فوق كتفه

_ رامي ما تقلقنيش أكتر... إنت واضح إنك متضايق من حاجة كبيرة... قول.

أخذ نفسًا طويلًا، وعقد حاجبيه وهو يزفر ببطء، ثم التفت إليها

_ بصي يا نور من الآخر وأنا مش هقدر أخبي عليكي أكتر من كدة ....

ذاد قلقها لتقول

_ أنت خوفتني أوي فيه إيه؟

_  في الشغل عندي واحدة... كانت سكرتيرة زمان، اسمها هيفا.

رفعت حاجبيها بدهشة خفيفة ، دون أن تقاطعه.

_ الست دي عاملة زي اللزقة بالظبط ... مش بتفهم ! من ساعة ما جات تشتغل عندنا وهي بتحاول تقربلي بأي طريقة... رغي واتصالات ، تتحجج بالغشل .. تحاول حتى تلمسني وآخر مرة حاولت تبوسني !!

_ إيه!!

انصدمت نور ليكمل رامي

_ كنا متأخر ومروحين من الشغل .. فجأة لقيتها برا واقفة لوحدها فصعبت عليا مينفعش أسيبها كدة وقولت هوصلها كجدعنة مني يعني .. ولما وصلنا لقيتها قربت مني باستني !

وضعت نور يديها فوق شفتيها من هول ما تسمع ولم ترد نور، لكن وجهها ظهر عليه ملامح الصدمة .

_ بعدها أنا طبعا زعقت ورفضت إللي هي عملته ! .. حاولت أقول لفارس انه يمشيها من الشغل بس أبوها غني ومستثمر في الشركة .. فمعرفش يعمل حاجة ! .. وبالعكس كمان خلاها تسافر معايا

_ هي دي البنت ال !

قالت نور بلسان ثقيل وهي تتذكر الموظفة التي أتت معه يوم الاجتماع ليقول

_ أيوة .. هي للأسف! وكان المفروض نسافر .. جات البيت يا نور وعدت عليا بعربيتها ! بفتح الباب أشوف مين لقيتها هي ودخلت من غير حتى ما أقولها ادخلي .. صدمتني .. بس أنا خرجتها علطول مقبلتش إنها تقعد في البيت خالص ...

لم ترد نور وكانت على ملامح وجهها الترقب تنتظر أن يكمل كلامه ... ليتمتم رامي يمزج حديثه بين الحقيقة والكذب

_ لما جينا نسافر خلاص لقيت بباكي بيرن وبيقول إنك اختفيتي طبعا انا مقدرتش استحمل وقولت تولع كل حاجة المهم نور .. كنا رايحين بعربيتها فخدت عربيتها وسبتها في نص المطار وجيتلك ! ..

ثم اقترب منها ومسك يديها وقال بينما ينظر داخل عينيها

_ أنتِ أغلى عندي من كل حاجة في الدنيا !

بادلته النظرة بصمت ليكمل متقمصًا دور الضحية ..

_ امبارح بعتتلي تهديدات... بتقوللي لو ما اعتذرتلهاش إني مشيت وسِبتها فآخر لحظة في الشغل، هتيجي تقولك كل دا بس بطريقتها هي ... وتفهمك حاجات غلط!

ظلت نور تنظر إليه بعينين ثابتتين

_ وأنا مش خايف منها... أنا زعلان إن في واحدة عايزة تعمل بنا كدة وتفرق اتنين متجوزين وبيحبوا بعض عن بعض .. من ساعة ما عرفت إني استحالة أخونك وهي عملىة تلف وتدور ! ... أنا جيتلك دلوقتي لأني مش عايزك تسمعي حاجة من غيري وتفهميني غلط .. صدقيني يا نور أنا لو كذاب مكونتش جيت وحكيت ! أرجوكِ متزعليش مني

أغمضت نور عينيها للحظة، وكأنها تحاول فهم الصورة كاملة، ثم فتحتها ببطء وقالت

_ طب وإنت ليه كنت ساكت قبل كده ؟

هز كتفيه، وتنهد وهو يحاول الابتسام

_ عشان مكنتش عايز أفتح مواضيع سخيفة ومكانش فيه وقت مناسب كان علطول بنا مشاكل ... بس لما لقيتها بتتمادى، قولت لأ... أنا هروح أحكيلك، أحسن ما الدنيا تتقلب .. وأنا مقدرش أخسرك يا نور ..

ظلّت نور تنظر إليه، ملامحها غير واضحة... مزيج من الشك والخوف ... وضع رامي يده على قلبه ..يريد أن يسمعها تقول أنها تصدقه .. لكن بدى على وجهها التردد وهذا ما جعل خوفه يتصاعد ... !

-________________

في الشارع الخلفي الضيق ، حيث أوقفت هيفا سيارتها في زاوية لا يراها فيها أحد...يداها تعبثان بعصبية في هاتفها، ترسل الرسائل تلو الرسائل لرامي... تهدده، تتوعده، تُثير كل ما يمكن أن يشعل قلبه خوفًا أو قلقًا.

لكن رامي لم يأتِ...

ظلت عيناها على مرآة السيارة الجانبية، ترقب الطريق في توتر، وكل دقيقة تمر تزيد غليانها الداخلي.

وفجأة... لمحت ظلًا يقترب.

ابتسمت بسُمّ، وهمست لنفسها

_ أخيرًا...

لكن ما إن اقترب الظل بدرجة كافية حتى تجمدت ملامحها.

لم يكن رامي.

كانت نور.

نور... واقفة أمام باب السيارة، بهدوء مُرعب، ببساطة خادعة... عيناها لا تحملان سوى يقين صادم.

هبّت هيفا تفتح الزجاج الجانبي بسرعة

_ إنتي؟! إنتي بتعملي إيه هنا؟!

_ أنا اللي المفروض أسأل السؤال ده مش إنتي... مستنية جوزي ورا بيتي ليه ؟!

حاولت هيفا أن تتماسك، أن تستعيد ثقتها، لكنها فشلت. الكلمات خرجت منها متخبطة

_ بصي يا نور أنا... أنا كنت بس عاوزة أوضّحلك حاجة!..

_ توضحي إيه ؟ انتِ قاعدة بتبعتي تهديدات على الواتساب لجوزي وتستنيه ورا بيته وعوزاه يجيلك وتقوليلي ووضحيلس ؟!

شهقت هيفا من وقع الكلمات، ثم قالت بنبرة حادة

_ أيوه! عشان لو كنتي فاكراه ملاك، تحبي أقولك هو كان عامل إزاي معايا ؟!

_ عارفة... وكل اللي هتقوليه أنا عرفاه وسمعته

انصدمت هيفا .. لم تكن تتوقع هذه الخطوة .. لكنها فورا فهمت أن رامي نقذ نفسه وحكى لها حكاوي مغلوطة .. لتقول

_ وصدقتيه ؟

قالت نور بثقة

_ أيوة صدقت جوزي .. أمال هصدقك أنتِ !

لم تحتمل هيفا لتقول مندفعة

_ جوزك كداب وكان بيقربلي علطول وعلى فكرة لو متعرفيش فهو عينه عليا من أول يوم جيت فيه الشركة !متصدقيهوش أوي كدة عشان هو لا وفي ولا راجل ينفع تأتمنيه على أي حاجة في حياتك ! صدقيني أنا .. جوزك بصاص وخاين يا نور ومش بيحبك ولا شايفك ست تقدر تغريه

شعرت نور بالإهانة والصدمة والاستفزاز ! رغم أنها لا تصدق ولا كلمة مما قالت لكن شيئ داخلها تأذى للغاية لكنها لم تصعف واقتربت من زجاج سيارتها وقالت في احتقار

_ أصدقك أنتِ ! .. أنتِ بعد كلامك دا أكدتيلي إني كان لازم أصدقه هو ... صدقته عشان هو بريء وأنتِ كدابة وخطافة رجالة .. مش مكسوفة من نفسك وانتي بتتحايلي عليه ينزل يجيلك عربيتك ويسيب مراته ! إزاي أخلاقك بالشكل دا !!

ارتبكت هيفا، نظرت حولها كأنها تبحث عن مخرج، لكنها لم تجد...

نور لم تكن تلك الطفلة المذعورة التي يمكن إخافتها برسالة أو كذبة... كانت تقف بثبات أمامها ثم قالت

بعدما اقتربت نور خطوة من السيارة، وقالت بهدوء ناري

_ أنا مراته... وأنا اللي هافضل مراته.. ولو بتلعبي على جوزي فانتي إللي بنت مش كويسة ووحشة !

اقتربت نور خطوة أخيرة من نافذة السيارة، وانحنت قليلًا لتواجه هيفا وجهًا لوجه، بنظرة ثابتة لا تقبل المساومة.

_ وآخر حاجة علشان نبقى متفاهمين ... متقربيش لجوزي تاني... ولا تبعتيله رسايل ولا تستنيه لا في شغل ولا غيره ، ولا حتى تنطقي اسمه على لسانك دا ! وأنا هعتبر ان اللي حصل دا محصلش خالص ..

صمتت للحظة، ثم قالت بنبرة خافتة لكن تحمل تهديدًا واضحًا

_ علشان أنا هزعلك... بجد..

نظرت لها هيفا بذهول، عاجزة عن الرد، وكأنها فجأة رأت النسخة التي لم تتخيل في حياتها أن تراها أو تتوقعها من نور ..

ابتسمت نور ابتسامة صغيرة، فيها أنوثة وقوة وسخرية، واستدارت بهدوء، تسير بخطى ثابتة، وكل خطوة منها كانت تسحق غطرسة هيفا تحت قدميها

تركتها هناك... غارقة بين قهر الهزيمة ومرارة ما حدث لها .. لم تتخيل أن رامي سينقذ نفسه وأن يرسل زوجته بدلاً من أن يذهب هو ! ...

-___________

كان واقفًا عند أول الشارع، قلبه معلق بخطواتها التي غابت منذ دقائق خلف المباني بعدما طلبت منه أن ينتظرها هنا وألا يأتي معها ...

توتره كان واضحًا في أصابعه المشدودة ونظراته المتوترة التي تتنقل بين السيارات المارة والوجوه الغريبة... لم يكن يعرف ما ينتظره، ولم يكن يثق كثيرًا في نتيجة هذه المواجهة... كانت هيفاء مثل النار… وإن اشتعلت أمام نور، فلا أحد يعلم ما الذي يمكن أن يحدث.

وفجأة، لمحها...

نور، تمشي نحوه بثبات مدهش، وجسدها مستقيم، ووجهها هادئ، لكن عينيها تشي بالقوة.. في تلك اللحظة، أحس رامي كأنه يراها لأول مرة، بشكل مختلف تمامًا.. لم تكن تلك الفتاة التي تخجل وتخاف … بل كانت الآن امرأة تعرف تمامًا كيف تكون قوية ..

اقتربت منه حتى وقفت أمامه، وابتسامة صغيرة على طرف شفتيها.

_ خلصت.

قالت ذلك بهدوء وهي تنظر في عينيه بثقة.

_ خلصتي؟!… عملتي إيه؟

سألها وهو لا يزال مذهولًا، وصوته يحمل بقايا القلق الذي لم يغادره بعد.

_ قلتلها ما تقربيش لجوزي تاني بعد ما قولتلها كلام صعب أوي وقولتلها انها وحشة وخطافة رجالة كمان … قولتلها بالحرف كده، ومشيت.

ظل ينظر إليها في صدمة صامتة، كأن عقله لم يستوعب بعد ما سمعه.

_ قلتي كده؟! انتي قلتي كده بجد؟!

_ أيوه يا رامي… دي كانت عايزة تظلمك وتخليني أصدق حاجات مش حقيقية ووحشة أوي عنك وتبعدنا عن بعض … بس أنا صدقتك إنت.

تقدم خطوة نحوها، وعيناه تلمعان بشيء بين الدهشة والفخر والحب.

_ كانت عاوزة تظلمني…

قالها بصوت خافت، فرفعت يدها ولمست خده بحنان وهي تهمس

_ كانت عاوزة تظلمك يا حبيبي… بس أنا مش هسيب حد يظلمك تاني، ولا حتى بابي .. أنت إللي لقيتني لما توهت وأخدت بالك مني ووقفت شغلك وحياتك علشاني ! وفي الآخر كدة عاوزين يظلموك!

ابتسم في وجهها، ونبرة الدعابة تشق طريقها إلى صوته

_ آه والله… أنا دايمًا مظلوم… مظلوم كده على طول!

ضحكت، ومالت برأسها عليه، بينما كانت خطواتها تعني أكثر من مجرد مشي… كانت تقترب منه عن وعي، هذه المرة كأنها اختارت أن تكون معه بالفعل دون خوف .. 

_ دلوقتي نقدر ناخد اجازتنا سوا واحنا مرتاحين..

أمسك بيدها، وضغط عليها قليلًا، ثم ضمها إلى صدره وهمس قرب أذنها

_ الظاهر كدة نوري بقت قوية أوي وبقت هي إللي بتحميني

لم تجبه… لكنها ابتسمت ودفنت رأسه في عنقه قبل أن يضع زراعه في خصرها ويسيران بخطواتهما المتأنية نحو المنزل ...

عقب عودتهما حملوا الحقائب وأخذها رامي بسرعة للسيارة لينطلق لوجهته ... ليقضي مع نور أيام في نهر الليل .. ليجدد نسيمه البارد أيامهما ...

______

توقفت سيارة رامي أمام العوامة الكبيرة ذات الأنوار الذهبية المتلألئة، ونزل منها أولًا، ثم التف سريعًا إلى باب نور وفتحه لها.

مد يده إليها وهو يبتسم بنعومة وقال

_ يلا يا قمر… وصلنا.

نظرت إليه بدهشة طفولية لم تستطع إخفاءها، ثم التفتت بعينيها الفضوليتين إلى العوامة العالية المضاءة بأناقة، وقالت

_ احنا هنقعد هنا ؟

ضحك وهو يهز رأسه مؤكدًا

_ أيوة… هنقضي فيها أحلى يومين

عقدت يديها أمام صدرها وهي تفتح فمها قليلًا في دهشة حقيقية

مسك رامي يدها وساعدها في دخول العوامة .. وما ان فتح الباب حتى أسرعت بخطوات خفيفة كفراشة تطير على الأرض، ودخلت العوامة تتفقدها بعينيها الواسعتين وهي تلهث من فرط حماسها… حتى وصلت إلى البلكونة الواسعة المطلة مباشرة على النيل.. نظرت لتجد النيل يسري من تحت قدميها يفصلها عنه خشب العوامة ..

خرجت إليها بخطوات مسرعة وكأنها تخشى أن تستيقظ من حلم جميل… وقفت أمام السور الحديدي المزخرف، وأمسكت به براحة يديها، ورفعت رأسها قليلًا لتتنفس هواء النيل المختلط بأصوات ضحكات الناس من المراكب المارة والأغاني التي تصدح هنا وهناك… أغمضت عينيها للحظة وكأنها تشرب كل شيء دفعة واحدة...

_ ياااه… يا رامي… إيه الجمال دا! هو فيه كدة ؟

قالتها بصوت مبحوح من شدة انبهارها وهي تفتح عينيها بسرعة لتتأكد أن هذا الجمال حقيقي وليس حلمًا، فوجدته واقفًا خلفها مباشرة بخطواته الهادئة الرائقة ونظراته الدافئة تراقبها وكأنه يراها للمرة الأولى...

اقترب منها حتى لم يعد بينهما مسافة، مد ذراعيه ليطوق خصرها من الخلف برفق، وأسند ذقنه على كتفها، وهمس في أذنها بنبرة منخفضة عميقة

_ مبسوطة يا قلب رامي؟

وضعت يديها فوق ذراعيه اللذين يحتويانها، وأمالت رأسها قليلًا على رأسه وهي تبتسم ابتسامة واسعة نقية وقالت

_ مبسوطة أوي… حاسة إني… إني فراشة.. طايرة كده.

ضحك بخفوت وهو يغمض عينيه، وشم رائحة شعرها الذي نثره الهواء في حنان، ثم قال

_ وأنا مش عايزك غير كده… فراشة… خفيفة… مبسوطة… وطايرة.

ظلت صامتة لدقائق طويلة وهي تشاهد أضواء النيل المتراقصة على صفحته، بينما هو ضمها بقوة أكبر، وكأن قلبه أقسم ألا يتركها تضيع منه يومًا بعد الآن.

_ بباكي حجزلنا في شيراتون .. بس أنا فكست بصراحة

_ أحسن حاجة عملت يا روحي ..

ردت نور وهي تنظر للنيل الواسع في سعادة وراحة بالغة ..

_ أنت تعرف ان دي أول مرة في حياتي .. أبقى قريبة من النيل كدة ! .. تخيل ؟

ابتسم رامي .. لكنها ابتسامة توارى خلفها الحزن وأعتدل ليجعلها تنظر له ثم مسك وجهها بين كفيه وقال

_ أنا هخليكي تعيشي كل حاجة معشتهاش .. كل إللي اتمنيتي في يوم تعيشيه ومعشتهوش .. أنا هعيشهولك ! كل إللي حلمتي بيه ومتحققش أنا هحققه .. حتى إللي مجاش على بالك أنا هعملك أحسن منه ... انتي بس احلمي يا نور .

لم تصدق ما تسمعه والذي من شدة حلاوته جعلها شعرت بالدموع تداهمها وظهر على وجهها التأثر الشديد ليضحك في أسف

_ لأ بقى متندمنيش أنا ما صدقت قولت كلمتين حلوين

رمت نفسها بحضنه وهي تضحك على مظهره ودفنت رأسها في صدره فضمها بطوله الفارع

_ بحبك أوي ..

قالت فهدهدها بين زراعيه .. تاركًا نسيم النيل يبرد ما في قلبه .. ينعشه .. يشعره بالراحة التي حُرم منها طوال هذه الفترة الماضية ...

-__________________________

بعد ساعات .. باتت أضواء القاهرة تتلألأ في صمت ساحر… جلس رامي على الأرض الخشبية للبلكونة التي صُممت خصيصًا لتكون واحة راحة، مفروشة بسجاد ناعم وخدديات ملونة، وأضاء حولهما المصابيح الصغيرة الدافئة التي تتراقص أضواؤها بفعل نسمة الفجر الباردة.

كانت نور مستلقية بين ذراعيه، رأسها على صدره، وذراعيه يحيطان بها بقوة وطمأنينة، بينما هي تغمض عينيها أحيانًا وتفتحهما أحيانًا أخرى لتتأكد أن هذا الدفء حقيقة.

كان الهواء يداعب ستائر البلكونة البيضاء الطويلة، فتطير من حولهما وتلفهما معًا كستار من حرير خفيف يحميهما من العالم… كان رامي يمسك بكتاب صغير ويقرأ لها بصوته العميق الدافئ

_ كان يا ما كان… في بنت صغيرة اسمها نور … كانت عايشة في قرية جميلة وسط جبال سويسرا… وكل يوم كانت بتصحى الصبح تجري وسط المزرعة وتلعب مع الحيوانات… وتضحك… ضحكة بريئة… الدنيا كلها كانت بتفرح بيها…

ابتسمت نور في هدوء وهي مغرقة في نعاسها وقالت بصوت خافت

_ نور هههه … كنت بحبها أوي وأنا صغيرة … بابي كان علطول بيحكيها ليا !

ضحك بخفوت وهو يضمها إليه أكثر وقال

_ عارف ماهو غششني … عشان كده قولتلك القصة دي… عاوزك ترجعي طفلة… طفلة فرحانة وبس ..

فهمت .. فهمت أنه يريد تعويضها عن كل شيئ مرت به لكنها للحظة فكرت .. وما ذنبه !؟ .. رفعت رأسها قليلًا ونظرت إليه بعينين نصف مغمضتين وقالت

_ وأنت… بتحب إيه يا رامي؟

أغلق الكتاب ووضعه جانبًا، ثم رفع يده ليمسح على شعرها ببطء وهمس في أذنها

_ بحب أشوفك مبسوطة… دي أكتر حاجة بحبها في حياتي.

نظرت له قليلاً ولم تعلق، فقط أسندت رأسها إلى صدره من جديد، وأغمضت عينيها وهي تشعر أن قلبه يخبرها بأكثر مما قال .. تعلم تمامًا ما يريد .. يحب أشياء معينة .. وهي حتى وان لم تكن تعرف أهذا حب حقيقي أم لا .. لكن عقلها بدأ يفكر في تنفيذ ما يحب لإسعاده كما يحاول هو اسعادها ... حركت رأسها على صدره مستمتعة بملمسه ، كانت تسمع دقات قلبه وكأنها لحن أمان لا ينتهي، بينما هو أغلق عينيه وأحاطها بذراعيه أكثر، يدفئها من برد الفجر وكأنها طفلة صغيرة بين يديه…

كان كل شيء صامتًا إلا أصوات النيل المتهادية، وضحكات المراكب البعيدة، ونسيم الفجر الذي حمل لهما سلامًا لا يوصف....

_ نور .. حبيبي !

كانت نامت بالفعل .. ومن يقاوم رائحة النيلة وهواه ؟ لا أحد ! ..

_ همممم

همهمت نور بين نومها بينما يحاول رامي أن يعتدل ويحملها حتى يضعها فوق الفراش ويدثرها جيدًا ..

لم تقاوم نور حنانه وتركت نفسها له يتصرف فيها كما يشاء ...

وضعها رامي فوق الفراش في رفق ثم وضع الغطاء فوقها .. تمدد بجانبها وأخذ بنظر لوجهها البريئ و يفكر .. ماذا سيفعل لإنقاذ نور من جحيم ماضيها !؟

___________________________

استيقظ رامي في صباح اليوم التالي على صوت العصافير وهي تزقزق قرب نافذة الغرفة، ونسيم النيل الرطب ينساب إلى صدره من الشرفة المفتوحة. فتح عينيه ببطء ليرى نور نائمة إلى جواره، تحتضن الوسادة ووجهها مدفون فيها، تتنفس بهدوء شديد ووجنتاها متوردتان بلون الخجل الطبيعي كطفلة أرهقها اللعب طويلًا.

ظل يراقبها بصمت، يتأمل ملامحها الناعسة، شفتيها المضمومتين، وخصلات شعرها التي غطت جزءًا من وجهها فأعطتها جمالًا مضاعفًا. شعر بقلبه يضج بالعاطفة والحنان، فأطراف أصابعه اشتاقت لملامستها دون أن توقظها، فتقدم قليلًا ومد يده يزيح خصلات شعرها السوداء برفق شديد، وابتسم وهو يرى وجهها كاملًا أمامه.

اقترب منها أكثر حتى التصقت أنفاسه بأنفاسها، وهمس بصوت منخفض دافئ

_ صباح الخير يا أحلى حاجة حصلتلي في الدنيا كلها.

تحركت نور قليلًا، وفتحت عينيها ببطء، وبمجرد أن رأته قريبًا منها إلى هذا الحد ارتجف قلبها من المفاجأة، وابتسمت بخجل ناعم وهي تقول بنبرة مبحوحة وناعسة

_ صباح الخير يا رومي ..

ضحك بخفة ومرر أصابعه على وجنتها بحنان شديد حتى أغمضت عينيها من إحساسها بدفء لمسته، ثم انحنى عليها أكثر حتى كادت أنفاسه تدغدغ أذنها وهمس بصوت أجش خافت

_ عارفة لو ينفع أبدأ يومي كده كل يوم.. والله ما هطلب من الدنيا حاجة تاني.

شعرت بارتعاشة خفيفة سرت في جسدها كله من قربه، وازدادت حمرة وجنتيها وهي تحاول إبعاد عينيها عنه خجلًا، لكن يده أمسكت بذقنها برفق وأعادتها تنظر إليه، ثم طبع قبلة طويلة على جبينها قبل أن ينهض.

نهض واقفًا بجوار السرير، وارتدى بنطاله سريعًا ثم مال عليها وقال

_ أنا هعملك فطار حلو أوي النهاردة.. وهخليكِ تدوقي أحلى أكل من إيدي .. يلا يا حلوة قومي ورايا.

ابتسمت بخجل وهي تتبعه بنظرها، فمشهد رامي وهو يتحرك في الغرفة بكتفيه العريضين وجسمه القوي كان يثير في قلبها ألف شعور مختلف… شعور بالحب.. بالإثارة الهادئة.. بالاطمئنان… والأمان.

دخل المطبخ الصغير في العوامة، وبدأ يعدّ الإفطار: بيضًا بالخضروات، وجبنًا أبيض وزيتونًا وخبزًا بلديًا ساخنًا، وصنع كوبين من الشاي بالنعناع، وانتشرت الرائحة في المكان كله حتى جعلتها تنهض رغم خجلها.

خرجت إليه بخطوات حافية بطيئة، ترتدي فستانًا خفيفًا وردي اللون، وشعرها الطويل مسدل بحرية على ظهرها وصدرها. كانت لا تزال ناعسة، لكن عينيها كانتا تلمعان بالدهشة حين رأته واقفًا أمام المطبخ يعد الطعام بنفسه.

اقتربت منه وقالت بخجل

_ إيه الريحة الحلوة دي؟

التفت إليها ببطء، ونظر إليها من أعلى لأسفل يتأملها بنظرات طويلة جعلت قلبها يخفق بعنف، ثم ابتسم وترك كل شيء في يده، اقترب منها ولف ذراعه حول خصرها، جذبها نحوه حتى التصق جسدها بعضه ببعض، ثم همس في أذنها بنبرة أجشت

_ ريحة إيه دي يا حبيبتي .. أكل إيه وهم إيه ان شاءالله عن حد ما كل تعالي هنا كدة إيه الفستان دااا

شدها رامي من خصرها وعينيه تكاد تأكل الفستان فوقها فأغمضت عينيها من قوة تأثير صوته وهمسه وقربه، وشعرت بأن جسدها كله يذوب وهي تشعر بحرارة أنفاسه على رقبتها وخدها. رفعت يديها ببطء حتى أمسكت بقميصه عند صدره، وقالت بخفوت

_ حلو يا رومي ؟

ابتسم وأمسك بوجهها بكلتا يديه، رفعه قليلًا ليجبرها على النظر في عينيه وقال

_ حلو أوي .. يجنن .. اللون البينك دا اتخلق علشانك انتي بس مينفعش أي ست تلبسه تاني من بعدك ! ..

ثم قبلها برقة على شفتيها قبلة خفيفة لكنها حملت كل معاني العشق والطمأنينة، وبعدها أخذ يدها وأجلسها أمام الطاولة التي أعدّها بعناية على البلكونة المطلة على النيل.

جلست نور تنظر للمائدة بدهشة وسعادة

_ حاسة إني في الجنة من كتر الجمال ..

جلس أمامها وأخذ يضع لها الطعام في طبقها بنفسه وهو ينظر في عينيها بنظرات طويلة دافئة لا يشيح عنها طرفه

_ أنا قولت كدة بردو !!هي حنة فعلا ماهو استحالة انتي تكوني بني آدمة عادي كدة انتي أكيد حورية !

ابتسمت بخجل وخفة على أسلوبه المُسلي ليبادلها الابتسام وقد نال مراده بمداعبتها بكلماته .. وبدأت تأكل وهي تنظر له بطرف عينيها نظرات عاشقة، وكلما نظرت إليه وجدته يحدق فيها بنظرة طويلة عميقة كأنه يلتهم ملامحها حبًا وشوقًا، فيزيد خجلها وسعادتها ويزيد هو عشقًا بها.. حتى بدا له أن هذا الصباح، بكل ما فيه، ليس سوى حلم جميل لا يريد أن يصحو منه أبدًا.. لم يكن يتخيل في حياته أن بعد سنوات زواجه من نور .. سيختبر هذه المشاعر!

________________________________

_ دا أنا تسلم ايدي .. يسلم كل صياع في ايدي مش ايدي بس .

ارتفع صوت رامي بينما تدخل نور المطبخ وهي تضحك على كلامه ، كانت تحمل الأطباق بعدما أصرت على غسلهم قبل تناول الشاي الموضوع في حافظ الحرارة ..

لكنها فجأة وجدته يقترب منها بخطوات ثابتة، عينيه لا تتركها أبدًا… قلبها بدأ يدق بسرعة وهي ترى نظرة عينيه الممتلئة بالشوق والحب الشديدين ...

_ انتي عارفة يا نور إنك خطر عليا أوي .

قالها بنبرة هادئة لكنها كانت نبرة موترة بالنسبة لها لتقول في خجل

_ خطر إيه بس يا رامي … سيبني أكمل غسيل الأطباق علشان نشرب الشاي قبل ما يبرد !

ردت وهي تحاول الهروب .. كان يعلم خوفها لكنه قرر أنه سيجعلها تواجه مخاوفها بل وتتجرأ على الواقع وعلى الحياة وعلى صدمات الماضي كله ، لذلك ابتسم ابتسامة جانبية خبيثة ومد يده بسرعة وحملها من خصرها ووضعها فوق الرخامة بكل سهولة .

شهقت نور بينما تطالعه بعيون واسعة، شعرت بساقيها ترتعش بينما تضع يديها على صدره حتى تتوازن. 

قرَّب وجهه منها حتى حست بحرارة أنفاسه على وجنتها ، ضغط بيديه على خصرها وقال يهمس صوته خشن وواطي جدًا

_ عارفه إيه مشكلتي معاكي يا نور؟

هزت راسها بجهل بينما لم تستطع أن تجيبه من شدة خجلها ونبضها الذي ذاد حتى خبط في صدره بقوة .. فابتسم وقال وهو ينظر داخل عينيها مباشرة

_ مشكلتي إن كل ما ببصلك… بحس إني عايزك دلوقتي… حالًا… مش بعد شوية… مش بعد يوم… دلوقتي !

ابتلعت ريقها بصعوبة ليهمس هو بصوت منخفض وهي تنظر داخل عينيه بتسليم كامل

_ وتقوليلي أنا بتاعتك يا رامي .. أنا معاك .. أعمل إللي أنت عاوزه !

راتفعت نبضاتها وهو يسير بشفتيه فوق زراعها الناعم لتغمض عينيها .. لا تعرف كيف تقاوم ولا كيف تتقدم ! لا تفقه أي شيئ أمامه .. تخاف نعم تخاف لكن لمساته وكلامه .. نظراته وأنفاسه .. لم ترحم ! 

شعرت بجسدها يرتعش .. وشعر هو بذلك أيضًا ..

ابتسم ابتسامة واسعة جدًا وهو يرى عينيها مغلقة تاركة نفسها لغلبة السعور ، ضمها إليه واقترب منها أكتر وقال بحب عميق

_ يا رب ما أعيش يوم من غيرك يا نور … يا رب.

ظلت تاركة نفسها بين زراعيه وهمسه ولمسته عبرا عن شوق لا تسعه الحياة ... وكل ما استطاعت فعله هو احتضانه في المقابل …..

ثم ابتعد رامي وهو يقول ..

_ يلا يا قلبي الشاي هيبرد ..

ثم رحل تاركها مازالت فوق الرخامة !

_ آه آسف! ..

عاد رامي ومسكها من خصرها لينزلها من فوق الرخامة وعينيه لم تبارح عينها لحظة متعمدًا الاحتكاك بها .. ثم تركها .. لتنظر نور في أثره مندهشة ! بل ضائعة في بحر المشاعر التي أغرقها فيها ! .. أما هو .. فشعر باضطرابها .. وهذا أرضاه للغاية .. يقترب مما يريد تحقيقه ! ولن يبرح حتى يجعلها هي .. من تطلب ! بل تُطالب مرات عديدة باقترابه ! ...

شاركنا شعورك:

التعليقات على الفصل

سجل دخول للتعليق
كن أول من يعلق