الرقيقة والبربري
الفصل 22 — 11 د متبقية
الفصل 22

الفصل الثاني والعشرون

11 د قراءة

كانت نور تجلس على طرف السرير، منشغلة بترتيب حقيبة صغيرة وضعت فيها عطورها وفرشاة شعرها وأشياءها الخاصة، حين شعرت به يقترب منها بخطوات بطيئة هادئة… رامي كان دائمًا يعرف كيف يدخل دون أن يثير أي صوت، لكنه رغم ذلك يثير كل ضجيج قلبها.

جلس بجانبها بهدوء، حتى شعرت بحرارة جسده بجوارها، وضع كفه برفق على ظهرها، ثم مرره نزولًا حتى خصرها ببطء شديد… لم تكن لمسته تحمل شيئًا فاضحًا أو مباشرًا، بل بدت بريئة جدًا… لكنها جعلت كل خلية في جسدها تنتفض خجلًا.

_ بتعملي إيه يا قلب رامي؟

سألها بنبرة دافئة صافية جدًا، فترددت وهي تشعر بنبضها يتسارع قبل أن تقول بخفوت

_ بخرج الحجات بتاعتي علشان أستعملها …

لم يرد عليها، فقط مالت رأسه قليلًا حتى لامس جبينها من جانب، قُبلة خفيفة جدًا، بالكاد شعرت بها… لكنها حرقت قلبها دفعة واحدة.

ثم ابتعد قليلًا ونظر لوجهها بنظرة طويلة، وعيناه تلمعان بشيء لم تستطع تفسيره، ابتسم برقة وقال وهو يرفع خصلة صغيرة سقطت على وجنتها

_ شعرك وهو سايب كده جميل … بيخلي شكلك قمر…

أمسك الخصلة وأعادها خلف أذنها برفق شديد، كانت حركته هادئة، بسيطة، عادية جدًا… لكنها خبيثة في أثرها عليها..

_ طيب يا حبيبتي .. أعملي حسابك إننا بكرة الصبح ان شاء الله عندنا معاد ...

نظرت له نور وأثر عليها تحوله المفاجئ من النعومة للكلام العادي لكنها تخطت ذلك وسألت

_ معاد إيه ؟

تنهد رامي ثم اقترب منها أكثر ونظر داخل عينيها ثم قال

_ انتي عارفة إني بحبك أوي صح ؟

سأل لتهز رأسها بالموافقة فقال

_ ويحترمك وبقدرك .. ومش زعلان منك في أي حاجة ..

_ فيه إيه يا رامي ؟

سألت في قلق ليقول

_ أنا حجزت مع دكتور نفسي !

صمتت نور قليلاً وساد صمت بينهما ، ثم تحدثت قائلة

_ بس أنا مش مجنونة ..

ردها جعله يصمت هو الآخر ثم عاد ليشرح

_ أنتِ مش مجنونة .. أنتِ تعبانة ! ، والتعب والعلاج مش عيب ولا غلط !

_ أنت شايفني محتاجة علاج ؟

لم تصدر ردة فعل منفعلة بل سألت ليجيبها بينما يمسك وجهها بين يديه ويقترب منها أكثر قائلاً بنبرة حنونة

_ أنتِ جميلة أوي يانور .. وكل حاجة فيكي حلوة ، لكن .. الصدمة إللي اتعضرتيلها وانتي صغيرة لسة مأثرة فيكي لحد دلوقتي ! الدكتور هيحل كل دا ان شاء الله..

نظرت له نور وسكتت .. لم يعرف فيما تفكر .. لم يستطع التخمين لكنها سحبت نفس ملئت به صدرها ثم وقفت من فوق الفراش ونظرت له قائلة

_ لأ.. أنا كويسة الحمدلله.

ظل ينظر لها ولم يتجرأ على التلفظ بأي حرف .. هز رأسه ثم وقف وخرج من الغرفة ...

ضيق ! ضيق شديد احتل صدره .. نور لا تريد العلاج ولا تشعر بأنها في حاجة له ! ... موقف صعب وُضِع فيه .

أما نور فنظرت من النافذة وقلبها يعصف داخل صدرها وموجات النيل الخفيفة ونسيمه جعل شعرها يتطاير لتنظر له وتشرد .. تذكرت كلمات هيفا وتألمت فقد لمست فيها جرحًا عميقًا .. لن تخضع لعلاج هي بالأساس ليست بحاجة له .. هي زوجة جيدة .. تهتم بالبيت .. تهتم بزوجها .. ماذا ينقصها ؟ أغضمت عينيها مدركة تمامًا لما ينقصها لكنها تستطيع التغلب على خوفها .. تستطيع أن تتغلب على كل ذلك وتقترب منه دون خوف .. دون خجل .. أساسًا الخجل غير مطلوب وخصوصًا رامي لا يريده ! ...

ستصلح حياتها وتقنع رامي أنها طبيعية لا تحتاج لعلاج .. فقط تحتاج لحنان واحتواء .. لأن يفهمها ويلاحظها .. أن يعتني بها ويعطيها من وقته وحبه ..

تركت النافذة وذهبت لترتدي شيئًا من ملابسها .. لكنها لم تجد شيئ ملائم ! .. فساتينها كلها فساتين عادية لا تصنف كفساتين خاصة يستطيع الزوج وحده رؤيتها ... لتشعر بالإحباط ! ..

فتحت هاتفها وأخذت تبحث عن محلات على الانترنت لتشتري منها ! نعم فكرة أتتها وستنفذها ! ...

اختارت نور بعض القطع وتفاجئت من التنوع .. أشكال وأنواع كثيرة حتى انها انصدمت من جرأة بعض القطع ! ترددت نور قبل الطلب .. لكن في النهاية .. طلبت ! ...

رمت الهاتف بعدما ألغت الطلب فهي لا تعرف أين هما بالضبط ! فخرجت لتبحث عن رامي وتأخذ منه العنوان ...

خرجت نور لتبحث عن رامي وتأخذ منه العنوان لتكمل الطلب .. لكنها توقفت قليلًا منصدمة وهي تراه يجلس أمام الحاسوب يعمل .. وتمكنت منها الصدمة !

وقفت نور أمامه، ممسكةً بالهاتف بين يديها، تنظر إليه في صمتٍ عميق… لم يرفع عينيه نحوها، كان منشغلًا تمامًا بما أمامه من شاشات وصفحات وأرقام…

لكنها لم تكن ترى الحاسوب أصلًا…

كل ما كانت تراه هو رامي…

كان يجلس على الأرض، يسند ظهره العريض القوي إلى الكنبة خلفه، جسده العاري لا يغطيه سوى شورت رمادي قصير، بينما فخذاه القويتان ظاهرتان بوضوح، إحداهما فوق الأخرى، والحاسوب المحمول موضوع على رجليه الممدودتين براحة وثقة…

كانت ذراعه اليسرى تستند على حافة الكنبة خلفه، عضلات ذراعه مشدودة في استرخاء رجولي غريب، بينما يده اليمنى تتحرك بخفة على لوحة المفاتيح، وأصابعه الطويلة تضغط برشاقة وسرعة وهو يركز عينيه بحدة في الشاشة، حاجباه معقودان قليلًا، وشفتيه منفرجتان عن بعضهما بهدوء وهو يتنفس ببطء وثبات.

شعرت بحرارة تتسلل إلى وجنتيها، وكأن الدماء كلها تجمعت في وجهها من كثرة خجلها وارتباكها…

ظلت واقفة مكانها تتأمله بصمت… لم تره من قبل هكذا… لم تتأمل جسده من قبل بتلك الطريقة… لم تلاحظ كم هو جميل ومذهل…نعم تحبه ونعم زوجها ..ولكن بهذه الإثارة! لم يحدث .

كم هو قوي وعارم الرجولة… كم يبدو هادئًا وواثقًا ومسيطرًا على كل شيء من حوله حتى وهو صامت…

ارتعشت يداها قليلًا وهي ترى عروق ذراعيه البارزة كلما تحركت يده، وكتفيه العريضين اللذين يبدوان كجناحين يحميان من يلجأ إليهما…

ابتلعت ريقها ببطء حين لاحظت قطرات الماء الصغيرة العالقة بشعره الأسود الكثيف فوق جبهته… يبدو أنه خرج من الحمام منذ قليل…

حتى قطرات الماء تزيده وسامة وهيبة…!

شعرت بقلبها يطرق صدرها بقوة حتى خافت أن يسمع دقاته… ظلت واقفة تتأمله لدقائق طويلة، حتى بدأت تشعر أن الأرض تميد بها من فرط توترها وخجلها.

انتبه لها حين شعر بثقل نظراتها عليه، فرفع عينيه ببطء شديد من فوق شاشة الحاسوب ونظر إليها مباشرة…

اتسعت ابتسامته قليلًا حين رآها واقفة هكذا في منتصف الصالة، مبهوتة، شاردة العينين ووجنتاها تتوردان بشدة…

مرر بلسانه على شفتيه، ثم قال بصوته الأجش المنخفض

_ إيه يا نور… إيه الوقفة دي؟ تعالي هنا… عايزة إيه؟

رمشت عدة مرات لتفيق من شرودها، ثم رفعت الورقة التي بيدها بسرعة وقالت بصوت مهتز

_ كنت… كنت عاوزة… العنوان… العنوان بتاع المكان إللي إحنا فيه .. طالبة اوردر و مش عارفة وأنت نسيت ... نسيت تقولي احنا فين…

ابتسم بخفة دون أن يعلق على ارتباكها، ثم مد يده إليها بهدوء وهو ما زال جالسًا على الأرض، وقال بنفس النبرة الرخيمة

_ هاتيه هنا… وأنا هكتبهولك … تعالي يا حبيبتي…

اقتربت ببطء شديد، وكأن قدميها لا تريدان حملها إليه… كلما اقتربت شعرت بحرارة أكبر تشتعل داخل صدرها ووجنتيها… حتى وقفت أمامه تمامًا، وناولته الهاتف دون أن تنظر في عينيه…

فجأة، دون مقدمات، رفع يده ووضعها على ساقها برفق، وأخذ يربت عليها بخفة وهو يقول وعيناه تركزان في الشاشة مرة أخرى

_ واقفة بتبصيلي كده ليه يا نور…؟ أول مرة تشوفي جوزك ولا إيه…؟

شهقت بخفة وقالت سريعًا

_ لأ… مش أول مرة… بس… بس يعني… كنت بفكر في حاجة وسرحت …

ابتسم رامي وهو يكتب العنوان بهدوء، لكنه لم يعلق، فقط ظل يربت على ساقها برفق، ثم أعاد لها الهاتف ورفع رأسه إليها مرة أخرى ليتأمل وجهها المحمر وعينيها الواسعتين المرتبكتين…

كانت تلك اللحظة بالنسبة له لحظة نصر صامتة… رأى فيها انعكاس رجولته وهيبته وتأثيره عليها دون أن ينطق بكلمة…

أما هي… فلم تستطع أن تتنفس براحة حتى تركت الغرفة عائدة إلى غرفتها … تحمل الهاتف والعنوان… تاركة قلبها ينبض في يد رامي دون أن يدري..

___________ لم يخلو بقية اليوم من لمسات رامي وتلميحاته دون أن يقترب من نور .. يغدقها بالحنان والحب .. والإثارة .. ثم يبتعد .. تاركًا إياها متعطشة لقربه أكثر .. لكنه يريدها أن تطلب المزيد .

في اليوم التالي ... دقات على باب المركب ... ثم جرس !! .. كان قلب نور يخفق بسرعة، يسبق خطواتها الخفيفة نحو باب العوامة حين سمعت طرقات المندوب… لكن قبل أن تلمس يدها المقبض، وجدت يدًا قوية تمسك ذراعها وتوقفها في مكانها…

رفعت عينيها سريعًا لتجد رامي واقفًا أمامها، عاري الصدر، وعضلاته تنقبض بحدة مع انقباض حاجبيه وهو يقول بنبرة هادئة لكنها تحمل قلقًا واضحًا

_ رايحة فين يا نور؟

بلعت ريقها بتوتر وردت بخفوت وهي تحاول إخفاء حماسها

_ ده… ده المندوب… الأوردر بتاعتي وصل …

نظر إليها طويلًا بعينيه الداكنتين، كأنه يقرأ خبايا صدرها وخوفها وحماسها في آن واحد ثم تضايق من فستانها القصير الذي ترتديهه وكانت تهم لتفتح الباب به ، ثم قال وهو يرفع حاجبه باستغراب حاد

_ مندوب إيه اللي هييجي هنا يا نور…؟ وبعدين هتفتحيله كدة ؟ استني هنا… أنا هفتح..

لم تجد فرصة للاعتراض، ترك يدها وتوجه للباب بخطواته الواثقة الواسعة، فتحه بحدة فرأى المندوب واقفًا متوترًا، يحمل كرتونة يبدو أنها تحتوى على محتويةت كثيرة .

قال المندوب سريعًا بخوف

_ الطلب بتاع أستاذة نور… الدفع كاش لو سمحت.

ظل رامي يحدق فيه بصمت بارد، حتى اقتربت نور من خلفه بخطوات خفيفة، مدت يدها بسرعة وأخذت الكرتونة ، بينما وجهها يشتعل خجلًا وحرجًا… قالت بصوت منخفض مرتبك

_ شكرًا… شكرًا… رامي الفلوس بسرعة…

دخل رامي خطوات ثم عاد ومعه محفظته وهو ينظر لها بطرف عينيه بدهشة مغموسة بسخرية هادئة… ناول المندوب النقود دون أن يزيح عينيه عنها، ثم أغلق الباب ببطء شديد.

التفت إليها فرآها تضم الكرتونة لصدرها وكأنها تخاف أن يخطفها منها، وكانت عيناها الواسعتان مليئتين بالكسوف واللهفة في آنٍ واحد… كأنها طفلة صغيرة تحمل لعبتها الجديدة ولا تريد أن يراها أحد.

ظل يحدق بها طويلًا… يراقب وجنتيها المتوردتين ونظراتها الهاربة، ثم ابتسم بخبث خفيف وقال بصوت عميق وهو يهز رأسه قليلًا

_ يا ترى يا نوري طالبة إيه يخليكي مكسوفة كده… ومتحمسة كده… ها؟

لم تجبه، بل أسرعت بالهرب إلى غرفتها، وأغلقت الباب وراءها بسرعة جعلته يضحك بخفوت… وضع يده في جيبه وظل واقفًا مكانه يفكر في حماس

_ قمصان نوم… ولا بيچامات مايصة … ولا إيه…؟ يا رب… يا رب تطلعي طالبة اللي في بالي… علشان ساعتها… مش هتطلعي من تحت ايدي سليمة !

ثم هز رأسه مبتسمًا بخبث راضٍ، وتحرك ببطء نحو غرفته، وهو يفكر في نور… الصغيرة… الخجولة… التي تحمل دائمًا بين يديها مفاجآت… لا تنتهي...

أما نور في الداخل كانت قد بدلت ملابسها بسرعة وبدأت ترى القطع التي اشترتها ومع كل قطعة كانت تموت من الخجل حتى رمت كل القطع أرضًا ... كيف ستقف بهذه القطع أمام رامي !! .. لن تستطيع أبدًا ...

لكنها تذكرت هيفا وكلماتها .. نظرتها لها وتلميحاتها لها وكأنها طفلة وليست أنثى بالغة ومتزوجة ! .. تذكرت ملابس هيفا الجريئة لتنظر للقطع المرمية أرضًا .. وتقرر ! هل سترتدي هذه القطع أم تترك رامي زوجها يغرق في بحر الشهوات مع نساء أخريات !! .. هل تتركه لباقي النساء يجذبنه ويحاولن الحصول عليه ؟؟ أم تتجرأ ولو لمرة واحدة ... احتدت نظرات نور وقد أخذت قرارها !!

__________________________________

رامي في الخارج كان يحاول أن يشغل عقله عنها .. يحاول ألا يضغط عليها .. لقد حاول وتقرب لها لكنها لم تأخذ خطوة .. تنهد رامي وهو يتابع عمله من الجهاز ونور مختفية في الغرفة من الساعة التي استلمت فيها الطلب ...

_ رامي !

صوت ناداه من خلفه ... صوتها ! .. التفت رامي لها .. وهنا .. كانت الصدمة هذه المرة من نصيبه ..

_________________

كان رامي جالسًا على الأريكة، يحاول الانشغال بعمله، يكتب أرقامًا ويعدل جداولًا ويقرأ خططًا… لكن عقله كان مكانًا آخر… عندها هي…

لقد حاول… حاول أن يقترب منها بالأمس… حاول أن يمنحها أمانه وحنانه وقربه، لكنها لم تتخذ خطوة نحوه… لم تمنحه إشارة… لم تمنحه إلا صمتها وخجلها…

تنهد بعمق وهو يضع يده على جبينه، كأنه يحاول إيقاف عقله عن التفكير، لكن قلبه ظل يردد اسمها بهمسٍ لا ينتهي.

وفجأة…

_ رامي!

تردد صوتها في أرجاء المكان، لينتشل قلبه من أسره… رفع رأسه سريعًا، استدار ببطء، وهناك… كانت تقف خلفه…

كانت نور تقف في منتصف الصالة، شعرها منسدلًا على كتفيها يتراقص بخفة كلما هبت نسمات المكيف… عيناها الواسعتان تحدق فيه بارتباك شديد، وجسدها يتخفى خلف روب خفيف من الستان الوردي الناعم، كان يلامس بشرتها برقة حتى شعر هو بالجنون.. لا ترتدي في قدميها شيىء .. ملتصقين ببعضهما وأصابعها تحتك ببعضها في توتر بالغ وظاهر..

لكن ما جعل قلبه يتوقف عن الخفقان للحظة، ثم يعاود النبض بسرعة موجعة، هو أن طرفي الروب كانا مفتوحين قليلًا من الأعلى، يتيحان له أن يرى لمحة خافتة من قميص النوم الحريري القصير الذي يختبئ أسفل الستان… قميص بلون البنفسج الهادئ، بدا وكأنه صنع خصيصًا ليزيدها دلالًا ونعومة.

ظل رامي يحدق فيها طويلًا دون كلمة… عيناه تتمعنان في كل تفاصيلها، من قدميها الحافيتين، إلى ساقيها المختفيتين أسفل الروب، إلى يديها الصغيرتين الممسكتين بحواف الروب تحاول إحكام غلقه بخجل شديد.

كانت عيناها تهرب منه كل ثانية، تارة تنظر للأرض، وتارة تعود لعينيه بسرعة فتتوه وتبتعد من جديد… خجلها وارتعاش أنفاسها كانا يصرخان في المكان.

ابتلع رامي ريقه بصعوبة، شعر بجفاف في حلقه، تحرك قليلًا في مكانه، ثم سألها بصوت أجش منخفض، خرج أعمق مما قصد:

_ إيه يا نور…؟ واقفة كده ليه…؟

ابتسمت بخجل دون أن تستطيع النظر في عينيه، فنزل بوجهه قليلًا حتى أصبح أمامها تمامًا، رفع ذقنها بإصبعه برقة وهو يقول

_ بصيلي...

رفعت عينيها له، وفي اللحظة التي التقت فيها نظراتهما، اقترب بأنفه يلمس طرف أنفها بخفة طفولية جدًا، ثم ابتعد فجأة وهو يضحك بخفوت.

_ كنت عاوزة إيه يا نور ؟

سألها ببراءة وهو يضع يده مرة أخرى على ظهرها يربت بخفة شديدة، حنان صافي ظاهر... لكن قلبها يعلم أنه يذيبها بتلك اللمسات الصغيرة دون أن يفعل شيئًا مباشرًا.

_ مكنتش عاوزة حاجة...

قالتها وهي تخفض رأسها أكثر فتسللت ضحكة صغيرة من شفتيه، ثم اقترب منها حتى شعرت بأنفاسه تلامس وجنتها، همس في أذنها بنبرة هادئة جدًا

_ طيب ... لو احتجتي حاجة ... أنا هنا...

ابتعد بعدها فورًا، ووقف يمدد ظهره ويعدل من وقفته وكأنه لم يكن بجوارها منذ لحظة يسرق قلبها... تركها هناك، خديها يشتعلان، عيناها تلمعان بشوق صامت لا تجرؤ على الاعتراف به حتى لنفسها. .. ثم دخل الغرفة وظلت هي واقفة مكانها ..

دخلت نور وراءه لنتجده متمدد على السرير وظهره مستند عليه ... نظر لها وهي واقفة دون حراك .. ابتسم داخله بخبث شديد وهو يعلم تمامًا ما الذي يحركها ... رفع حاجبه ناظرًا لها ليحثها على التحدث ..

فهزت كتفيها بخفة، وابتلعت دموع خجلها وهي تقول بصوت خافت يكاد لا يُسمع

_ كنت… كنت عاوزة… أسألك… رأيك… حلو…؟

ظل ينظر إليها طويلًا… لم يجب… فقط نهض من مكانه ببطء، واقترب منها خطوة تلو أخرى، حتى وقف أمامها تمامًا، حتى شعرت بأنفاسه الدافئة تلمس جبينها…

مد يده ببطء شديد، رفع ذقنها بإصبعه، وأجبر عينيها أن تلتقيا بعينيه… كانت عيناه داكنتين عميقتين كأنهما ستسقطانها داخلهما… وقال أخيرًا بنبرة تحمل خبثًا دافئًا لم تستطع مقاومته:

_ جميل… جميل قوي… بس…

صمت وهو يقترب منها أكثر حتى لامست جبهته جبهتها، ثم همس لها بخبث ودفء:

_ بس محتاج أشوفه كويس… عشان أقول رأيي بصراحة…

ارتجفت نور بين يديه، وأغمضت عينيها بخجل، فضحك هو بخفوت… قبل وجنتها بحنان، ثم ابتعد قليلًا ليتركها تحترق بخجلها وتفكيرها…

لكنه كان يعلم… يعلم تمامًا… أنه مهما حاول أن يبتعد، لن ينجو منها أبدًا.

شاركنا شعورك:

التعليقات على الفصل

سجل دخول للتعليق
كن أول من يعلق