عشق أولاد الزوات "الجزء الأول"
الفصل 13717 د متبقية
الفصل 137

الفصل السابع والثلاثون بعد المئة

17 د قراءة

نظرت له رنيم في شراسة ثم كادت أن تتجه لغرفة الملابس لكنه شدها من زراعها يمنعها

_ رايحة فين اترزعي هنا

رفعت حاجبها مجيبة _ مش بتقول امشي

_ وانتي ما صدقتي .. اقعدي مكانك متتحركيش

ثم أجلسها لتريح ظهرها الذي تألم من غضبها ووقفوها لمدة طويلة .. مال عليها فواز ثم قال

_ هدخلهم ..خمس دقايق .. خمس دقايق مفيش غيرهم وهطردهم !

_ عاوز تعامل الناس إللي وقفت جمبي وجمب ولادك بالشكل دا

قالت بنبرة تأنيب ليقول في حزم

_ رنيم .. متتكلميش في الموضوع دا

صمتت تنظر له بينما يكمل بنبرة آمرة متوعدة لها إن لم تنفذ ما قاله

_ البسي حجاب حلو ... وظبطي دنيتك كدة وبطلي فرك بقى 

نظرت له في بعض الخوف والإعجاب ... فغيرته لا تستطيع إنكار أبدًا أنها تسعدها وتفرح قلبها .. ابتسم بخفة ثم بسرعة نزل بشفتيه فوق وجنتها ليقخطب قبلة سريعة لتضع يدها مكان القبلة وتنظر للأسفل .. بدا كالمراهقين ... اعتدل وابتسم لنفسه.. لقد تجرأ وقبلها بعد كل ما حدث ويبدو أنها لم تنفر من الأمر ....

خرج فواز ليقابل الضيوف ةيرافقهم خطوة بخطوة !

رنيم كانت جالسة على الأريكة، تشعر بالتعب بعد الولادة، تحاول استعادة قوتها ببطء.دخلت إسعاد مع محمود، يحملان هدية صغيرة للطفل ويبتسمان بحنان.

_إزيكِ يا رنيم؟ حمدلله على سلامتك يا حبيبتي

قالت إسعاد بابتسامة رقيقة وهي تضع الهدية على الطاولة بجانبها وضمت رنيم بخفة وبحنان

رنيم ابتسمت برقة وهي تشكرهم. لكن الأجواء توترت فجأة عندما ظهر فواز في الصورة ، يقف بجانب الباب، ينظر نحوهم بنظرة حادة لم يستطع إخفاءها. 

_اتفضلوا

قال بصوت جاف، لكنه كان واضحًا أن هناك شيء يزعجه.

جلست إسعاد بجوار رنيم يتحدثون مع بعضهم بحب واهتمام،

وظل محمود واقفًا مكانه ونظرات فواز ثاقبة متوجهة نحوه لا تفارقه للحظة ليشعر بالتوتر وبأنه مراقب وكأن عيون فواز كانت كعيون قناص تترصده ..

_ عزيز الكبير

قالت رنيم التي أخبرت إسعاد بأسماء أطفالها ثم شرحت لها ما حدث معها حتى وصلت إلى أن عزيز هو الطفل الأكبر بعدة دقائق ... فقال محمود

_ ما شاء الله .. ألف مبروك

_ الله يبارك فيك !

رد فواز سريعًا بينما يضغط فوق أسنانه مقاطعًا رنيم ابتي كانت سترد له تهنئته

_ تعالي شوفيهم يا طنط إسعاد

قالت رنيم لتهم لتقف وهنا توجه نحوها فواز سريعًا يسندها أمامهم في لهفة ليس لها أي داعي لكن شيىء داخله دفعه ليفعل ذلك أمامهم ونظرات محمود ساخرة ومتفاجئة من كم الغيرة والغضب الذي يراهم في عينيه

  لم يكن فواز قادرًا على تحمل وجودهم واقترابهم من أطفاله . كانت غيرته تشتعل بداخله كلما رأى أحدهم يتحدث معها أو يحاول مداعبة أطفاله ولو من بعيد أو يلمح تلك النظرة الحانية على وجه محمود. بدأ يتحرك في الغرفة ببطء، يحاول السيطرة على مشاعره لكنه لم يكن قادرًا على إخفاء غضبه.

_ مينفعش حد يبوسهم !

قال فواز برفض خرج تلقائيًا ما إن رأى إسعاد تهم لتحمل أحد الطفلين لتقبله ليمنعها فنظرت له إسعاد بحرج ومحمود بغضب من تصرفاته ورنيم شعرت بالإحراج الشديد من طريقته معهما وغروره عليهما ...

وبخطوات محسوبة، اقترب من رنيم وجلس بجانبها على الأريكة، مدّ يده بلطف ووضعها حول كتفها كأنه يثبت شيئًا.

_الحمد لله، رنيم بقت كويسة وبتتعافى بسرعة. أنا كنت معاها طول الوقت.

قال بنبرة متعمدة وهو ينظر مباشرة إلى محمود، الذي لاحظ تلك الحركة لكن لم يعلق.

رنيم نظرت إلى فواز باستغراب، تعلم جيدًا أنه يحاول إظهار سيطرته عليها أمامهم. شعرت بيده تشتد قليلاً على كتفها، كأنه يود أن يقول للجميع أنها ما زالت "ملك" له، وأن لا أحد يقترب منها أو يحاول أن يحل محله.

_ ولادنا شبهي أوي مش كدة ؟

قال فواز بابتسامة خفيفة، لكن نظراته كانت موجهة نحو محمود، وكأن كلماته تحمل تحديًا غير معلن لكن محمود قابله بسخرية واستفزاز

_ بعيد الشر عنهم

_ قصدك إيه !؟

سأل فواز في تحفز ليقول محمود متجاهلاً فواز

_ يتربوا في عزك يا رنيم

ضغط فواز على كتف رنيم في عنف ولم يشعر بنفسه من شدة الغضب وكاد أن يقف ليواجه ذاك الذي لا يكف عن إثارة غيرته لكن رنيم منعته بقبضتها فوق فخذه

إسعاد لاحظت طاقة الغضب المنثورة في المكاز و حاولت تغيير الأجواء وابتسمت وهي تتحدث عن هدية الطفل، لكن التوتر كان واضحًا في كل حركة لفواز. رنيم شعرت بالتوتر يتصاعد في الغرفة، كانت تريد أن تنهي هذا العرض الذي يقوم به فواز أمام الجميع، لكنها لم ترد أن تثير أي مشاكل أمام ضيوفها.

وفي تلك اللحظة، كان فواز قد حقق ما أراد: أن يثبت لمحمود وإسعاد أن رنيم ما زالت له، وأنه لن يسمح لأي أحد أن يتدخل في حياتها أو يقف بينهما.... ولكن لمن يثبت فهما لا يحتجان لأي إثبات !

انتهت الزيارة التي استمرت لدقائق بسيطة امتلئت بالتوتر لتستأذن إسعاد وسط حرج رنيم من أفعال زوجها مع ضيوفها

خرج معهما فواز ليصلها للخارج بعدما حذرته رنيم بعينيها أنه يجب أن يرافقهما حتى باب الخروج ....

ما إن وصلا لباب الخروج طلب محمود من والدته أن تنتظره عند السيارة ليلف لفواز الذي نظر له في عدم فهم ليقول

_ فواز .. مفيش داعي إنك تعاملنا بالطريقة دي

_ وتحب اعاملك إزاي؟ وأنت السبب في كل حاجة حصلت بنا

قال فواز في صوت خافت لكنه غاضب ليقول محمود

_ مش أنا الملام الأول ولا الوحيد .. أبوك يا فواز ! أنا اللي فضلت أدور على دينا في كل حتة لحد ما عرفت إن أبوك هو إللي ورا كل حاجة وأنا اللي قولتلك على مكانها عشان تروح وتعرف كل حاجة بنفسك 

نظر له فواز في اندهاش ليخرج محمود هاتفه من جيبه ويستخدم الرقم الذي بعث له منه الرسائل

_ أنا إللي بعتلك .. ودا الرقم !

ذهل فواز مما سمع فمحمود هو وراء معرفته للحقيقة

_ أنا مش عاوز رنيم خالص ولا بفكر فيها بأي شكل وحش وطول ماهي عايشة معانا متقفلش علينا بابا واحد لواحدنا ابدا ... هي مش في دماغي

ثم قال محمود بقوة وهو يرفع يده ليرى فواز علامة البصمة الزرقاء ليقول محمود

_ أنا كتبت كتابي على هاجر بنت عمي وبقيت راجل متجوز وبحب مراتي فمفيش مني أي قلق خالص.. وحاولت أصلح الغلط إللي أنا عملته

لم يجيبه فواز بأي كلمة ليكمل محمود

_ مش بقولك كدة عشان أحسن صورتي أدامك.. بقولك كدة عشان أمي بتحب مراتك واتعودت عليها وبقوا عشرة وانا مش هبقى مرتاح لما أبقى عارف انك كل مرة هتعاملها بالطريقة دي

ثم أنهى كلامه بنصيحة

_ خلي بالك من مراتك وولادك ومتضيعهمش المرادي !

غادر محمود وبقى فواز مكانه .. فالجميع ساعده .. الجميع حاول أن يصلح خطأه إلا والده ! .. شعر فواز بغصة في قلبه من إدراكه لهذه الحقيقة لكنه شعر أيضا براحة شديدة بعدما علم أن محمود لا يشكل أي خطر عليه ولم يتطور التعامل بينه وبين رنيم ! ... ومع كل ذلك .. مازال يضايقه وجوده ومازال يغار منه ! ...

______________

_ كدة ينفع أسلوبك دا .. فضحتني

قالتها رنيم في وجه فواز بعنف ما إن دخل الغرفة ليقول

_ احمدي ربنا اني دخلته اصلا !

_ ومتدخلوش ليه يعني دا زي اخويا

قالت رنيم في تأهب لينظر لها في غضب ساحق ولم يعد يتحمل طريقتها في الدفاع عن محمود وعائلته بل ونعته بأخيها

_ اخوكي مين انتي شيفاني مركبهم ولا إيه ؟

_ متقولش الألفاظ دي ونضف دماغك

هاجمته لينظر لأطفاله ويحاول كظم غيظه فقضم شفتيه وعاد ليقول

_ رنيم ... مش عاوزين نتخانق وانتي لسة والدة وتعبانة وعلاقتنا أصلا مش ناقصة اللي انتي بتعمليه لأن كله أصلا بسببه هو

لكن رنيم قد نوت العراك .. نوت ألا تندمه على تكبره عليهما بهذا الشكل لتسخر سخرية لاذعة

_ ههه لا دا كله بسببك أنت وبسبب قلة ثقتك فيا .. وكله بسبب أبوك إللي كان عنده استعداد إني أموت على إيدك يومها ولا أبقى في نظرك واحدة خاينة معندهاش شرف! و لو كنت بتثق فيا ولو لحظة كنت حتى سمعتني ! كل إللي حصل بسببك 

_ يعني هو بريئ وأنا الوحش إللي بيعمل كل حاجة وحشة صح 

هتف فواز بصوت مرتفع ونسى أطفاله ونسى كل شيئ لتقول هي الآخر بصوت عالي

_ أيوة صح !

_ تمام أوي كدة .. خليكي على كدة بقى ...  

صرخ فيها ثم خرج من الغرفة وضرب بابها بعنفٍ شديد ليرتفع بكاء من شدة الضربة وصوتها العالي فذهبت رنيم سريعًا لأطفالها وكم شعرت بالحزن الشديد على حالها وعلى حالهم وبكائهم الذي لا يقل ولا ينخفض .. طفلين في نفس الوقت يصرخان وهي وحدها تتألم وتتوجع نفسيًا وجسديًا ويبدو أنها دخلت في حالة إكتئاب ما بعد الحمل وهو كما هو يغضب ويرحل ولا يعطي لها فرصة للتوضيح أو حتى لتقول كل ما في خاطرها ...

سقطت دمعة منها وهي شاردة لتجد كف رجولي رغم خشونه إلا أنه كان غاية في الحنان وهو يمحي دمعتها التي أحرقت وجنتيها الجميلة

_ أنا آسف

نظرت له بأعين حمراء حزينة .. لقد أتى وعاد وخالف ظنها بل نظر لها في أسف واعتذر ثم جلس أمامها على الفراش وطفليهما في المنتصف يفترشان زراعيها وهو يداعب وجنتها المحمرة من البكاء ويشعر بالذنب لجعل هذا الوجه البريئ يحزن ..

_ جاي عشاني ولا عشان سمعت ولادك بيعيطوا !

قالت رنيم في تأنيب وضمت شفتيها ليبتسم لها ببعض الرفق ومد أطراف أصابعه تتلمس شفتيها ثم همس

_ بصراحة ..

اقترب منها فشردت فيه ثم قال

_ عشان سمعت ولادي بيعيطوا ومفيش رجالة بتعيط

_ آه لأ دا شكل موضوع النشفان دا طلع بجد

قالها فواز ما إن صدمت رنيم رأسها برأسه عمدًا ثم نظر لها مندهشًا

_ إيدك بقت بتطول عليا يامو العيال !

ضحكت رنيم بخفة رغم أن الدموع لم تجف لكن هذا اللقب أسعدها كثيرًا لتدرك أنها بالفعل أصبحت أم أطفاله .. أطفال فواز زين الدين .. حبيبها وزوجها أمام الجميع !

_ عجبتك أوي

ابتسمت في خجل وهزت رأسها بالموافقة ليقترب منها متجاهلين تمامًا بكاء الطفلين ومستمرين في وصلة الغزل غير العفيف تلك

_ مش عايزة تبقي أم البنات ..

عرض بنبرة موحية لتشيح وجهها في خجل فاقترب أكثر يهمس

_ لو عاوزة شاوري بس و أنا رقبتي سدادة 

_ فكك من الكلام دا وخد شيل عني

_ فكك وخد ! فصلتيني !

قال فواز في نفور ثم ابتسم وهز رأسه فهو أب لثلاثة أطفال وليس إثنين ! بل رنيم طفلة أكثر من أي طفلة !

حمل عنها حبيب ثم وقف يسير به في الغرفة محاولاً تهدئته وما إن غفى على زراعه حتى فعل نفس الشيئ مع عزيز ..

نظر لرنيم ليجدها ذهبت في غفوة دون أن تشعر لينظر لها في حنان كبير وشفقة فتحمل مسؤولية توأم صعبة للغاية خصوصًا لمرأة حديثة الأمومة ...

سطح أطفاله وعدلهم كما علمته والدته ... ثم اقترب من رنيم يضبط وضعية جسدها وهي مستسلمة تمامًا من شدة التعب والألم ...

تأملها مع أطفاله في نفس الفراش لتتلألىء الدموع في عينيه وهو يرى عالمه كله فوق الفراش ليحمدالله على نعمة وجودهم .. ثم غطاها و هم ليرحل لكنه فجأة وجد

يديها تقبض على كف يده وتنظر له في نعاس واحتياج شديد ليدق قلبه بعنف وتنهد في شوق وحب ثم شددته برفق لينضم للفراش معها ومع أطفاله وضمها إلى صدره محاولاًا ألا يأتي على مساحة صغاره

ضمت رنيم يد فواز إلى صدرها ليدفن رأسه في الفجوة ما بين عنقها وكتفها يتنفس رائحة جسدها ... رائحة اختلطت برائحة أطفاله ورائحة اللبن الذي يغذيهم .. إنه ينام بين زراعيها ! شعر وكأن حضنها يضم روحه ويعيدها إلى جسده وكم استاق لأن ينام بين زراعيها ويستكين

واستكان فواز الذي لم يتخيل يومًا أن هذا الفراش الواسع الذي كان يشعر فيه بالغربة .. أصبح الآن أدفئ وأكثر مكان يشعر فيه بالراحة ! ... لم يكن فراش بل كان تجسيدًا صغيرًا للنعيم ... 

أغمض عينيه لدقائق ثم فجأة ارتفع صوت صراخ أطفاله ثانية .. الطفلين في نفس اللحظة يصرخان ليفتح عينيه في إرهاق شديد .. عيون حمراء من نقص النوم والراحة وكذلك رنيم التي ما إن سمعت صوت بكائهما حتى اعتدلت لتلتف لفواز ودفنت رأسها في صدره تبكي على حظها ! طفلين ! هي التي لا تستطيع أن تتحمل مسؤولية نفسها يا الله ! .

ربت فواز على زراعها _ معلش يا روحي .. نامي انتي وأنا هقوم أشوفهم

_ عاوزين يرضعوا! 

قالت في أسى ليهذي فواز ومازال عقله بين النوم واليقظة

_ نامي وأنا هرضعهم

_ أنت إيه؟

ضحكت رنيم في خفة رغم تعبها ثم قالت

_ أنت بتخرف من قلة النوم

ضحك ضحكة بسيطة مرهقا وقال

_ الظاهر كدة .. دا لسة الطريق طويل

_ أنا تعبانة عاوزة أنام

اشتكت رنيم متذمرة كالطفلة ليربت على ظهرها ومازالت في حضنه

_هجيب حد يساعدك يا روحي ان شاء الله...

وبعد لحظات بسيطة اعتدلوا وشرعوا في تهدئة عزيز وحبيب وإطعامهم ...

_____________

تعالة تلجرام هننشر رواية أسياد اللعبة هناك وهتكون يومية .. اسم تلجرام rakafalef ❤️ متنسوش تصويت للفصل 💎🤍

فوزي كان يشعر بالقلق يتسلل إلى قلبه عندما رأى ريهام تجلس على الأريكة ووجهها شاحب، تمسك بطنها وتتنفس بصعوبة. حاول التخفيف عنها، لكنها فجأة صرخت من الألم.

_ ريهام، إنتِ كويسة؟!

  سألها بصوت مرتعش، لكن الألم كان أقوى من كلماتها.

شعر بالذعر وهو ينظر إلى  حالتها

_  لسة شوية على الولادة ... إيه اللي بيحصل؟!

فزَّ من مكانه بسرعة، وحمل حقيبة المستشفى التي أعدوها من قبل ووضعها في السيارة ، ثم ساعدها برفق على المشي نحوها.

كان يقود السيارة بسرعة وهو يحاول السيطرة على مشاعره المتضاربة بين الخوف والقلق. يداه كانت ترتعشان وهو يمسك بالمقود، وذهنه مليء بالأسئلة. "يا رب تعدي على خير..."

عندما وصلوا إلى المستشفى، هرع بالأطباء إلى ريهام. وقف في الممر يتابعهم وهم يدفعون السرير بسرعة نحو غرفة الطوارئ. شعر بالعجز في تلك اللحظة، لكنه تذكر أنه ليس وحده.

أخرج هاتفه بسرعة واتصل بفواز

_ فواز، ريهام... بتولد قبل معادها! أنا في المستشفى، متوتر جدًا ولواحدي ... تقدر تيجي ؟

صوته كان مليئًا بالانفعال والخوف.

لم يكن قادرًا على الانتظار، فاتصل بفايز أيضًا.

_فايز، أنا في المستشفى، ريهام بتولد دلوقتي... محتاجك تكون هنا. 

______

غادة كانت جالسة في منزلها، تشعر بقلق لا يفارقها منذ أن عرفت أن أختها ريهام في المستشفى. أفكار كثيرة تدور في رأسها، قلبها يدق بسرعة ويدها ترتعش وهي تمسك بهاتفها في انتظار أي خبر جديد. كانت تعرف أن عليها أن تذهب وتكون بجانب أختها، لكن كان هناك شيء آخر يثقل قلبها. فكرة رؤية فايز.. سيكون هناك بجانب أخيه بالطبع ..

حزينة ومنكسرة، قررت أن تذهب إلى المستشفى رغم كل شيء. عندما وصلت، رأت فايز يقف هناك، شارد الذهن، عينيه تائهة بين الممرات، لا يدري إن كان يجب أن يفرح أو يقلق. تذكرت كيف كان فايز يعاملها وكأنها غير مرئية ، وكأنها قطعة هامشية في حياته. شعرت بالحزن يملأ صدرها، لكن لم تكن هذه اللحظة المناسبة لتغرق في حزنها.

اقتربت منه بهدوء، لكنها لم تتكلم. وقفت بجانبه لبعض الوقت دون أن تنطق بكلمة. كان وجوده يثقل كاهلها، لكنه كان في نفس الوقت مصدر قوتها الغائبة. تذكرت كم كانت تعتمد عليه يومًا، وكيف كان تجاهله لها يقتلها ببطء... ولم تتذكر بالطبع كل السيئات التي فعلتها وارتكبتها في حقه ... فمازالت كما هي لا تعترف بأخطائها حتى بينها وبين نفسها ...

تجاهلها فايز تمامًا ولم يهتم لها بل جلس بجانب أخيه يحاول أن يحدثه في عدة أشياء عله يخفف عنه توتره  .

في هذه اللحظات دخل فواز عليهم ليسير بخطوات سريعة نحو فوزي الذي ما إن رآه حتى قال

_ أنا خايف !

ابتسم فواز ثم ربت على كتفه وأجابه

_ أجمد كدة متبقاش خايب

ابتسم فايز في سخرية

_ شوف مين بيتكلم ! دي هالات سودة دي ولا إيه ؟

ثم مد يده ليلمس وجهه ليبتعد فواز في خفه ويتفاداها محذرًا

_ إيدك لتوحشك !

_ إيه الجملة دي ؟

سأل فايز ضاحكًا ليقول فواز في خبث وهو يتذكر في أي موضع قالتها له رنيم

_ مالكش دعوة وخليك في مراتك ..

انتبهت غادة لما قاله فواز وشعرت بدقات قلبها ترتفع وتتسارع بينما يكمل فواز في حسد 

_ توأم تاني ! أنت إيه مبترحمش

انصدم فوزي وجذبه الخبر بشدة بينما وقف فايز مصدومًا فكيف عرف فواز أنها حامل في توأم  !  ..

_إيه دا ريم حامل في توأم !! تاني !!

قال فوزي في دهشة لتنفتح عيني فايز في خوف ثم قال بينما يتراجع عدة خطوات وإخوته ينظران إليه في تركيز شديد

_ هو إيه إللي تاني تاني ما تقولوا ما شاء الله أنا خوفت منكوا ! .

_ ما شاء الله بس إيه مبتضيعش وقت أنت

قالها فواز ليقول فايز في اندفاع ليدفع عنه الحسد والحديث

_ طب مانت جايب توأم !

_ بس مش تلاتة هااه ..  وبعدين اتنين !

رد فواز ليجيبه فايز

_ أعوذ بالله بجد...

ضيق عينيه وهز رأسه

_ خلفتك كلها توائم

ابتلع فايز ما في حلقه في خوف بينمة يجيبه

_ يا ساتر يارب  .. 

ابتسم فوزي على شكل فايز الخائف والذي بدأ بالفعل في قراءة الأذكار في سره ليقول

_ خلاص يا فواز فايز بيخاف من الحسد

قال فواز ساخرًا

_ طول عمره خواف

هنا رد فايز بقوة وفخر بنفسه

_  طب وانت متغاظ ليه ؟ دي فرق قدرات على فكرة

استفز فواز بكلماته ليقول في غيظ

_ أنت هتكتم ولا أفرجك فرق القدرات حالاً

ابتسم فايز ابتسامة ثقة ليقول فوزي في ضيق

_ بس يابني احنا في مستشفى إيه الكلام دا .. حرام عليكوا مش ناقص توتر

تأفف فواز ثم قال

_ ياعم هتقوم وتبقى زي الفل .. متخافش يا فوزي

_ ربنا يستر ...

ردد فوزي ليقترب منه فايز ويقول

_ هتطمن دلوقتي ان شاء الله

وهنا أنتهت عملية الولادة وخرج الطبيب ليطمئنهم كما تجري العادة في هذا المشفى الخاص

_ الحمدلله !

كلمة الحمد التي بدأ بها الطبيب بوجهه البشوش ثم أكمل يزف الأخبار  السعيدة أن  فوزي قد رزقه الله بفتاة ليطير عقله من السعادة ويطمئن قلبه ما إن اطمئن عل  ريهام زوجته وصحتها هي وطفلته ثم بارك له فايز وفواز والفرحة تملئ وجوههم ..

لكن اليوم، وهي ترى أختها في وضع صعب ووجدت زوجها جانبها ، أدركت أنها لا تستطيع أن تستمر هكذا. لا يمكنها أن تبقى تحت رحمة مشاعرها تجاه فايز. كان الوقت قد حان لتغيير حياتها، أن تبدأ من جديد.. خصوصًا بعد صدمتها بعدما سمعت خبر حمل زوجته ! مرة وأخرى وتوأم ! لتشعرر بالشفقة والقهر تجاه نفسها لكنها وجدت نفسها تردد داخلها

_لازم أكون قوية... مش هخلي فايز أو أي حد تاني يوقفني.

قررت أنها ستبدأ بالعمل. ستثبت لنفسها وللعالم أنها قادرة على النجاح مرة أخرى بعد الطلاق . لم تعد تلك المرأة التي كانت تنتظر الظفر والتميز والتنافس على الرجال بل أرادت العمل بعد فشلها في زواجها ...

_ هشتغل، وهقف على رجلي من تاني . مهما حصل.

ثم دخلت لأختها بعد فترة وبعدما سمح الطبيب وشعرت بالسعادة الغامرة وهي ترى إبنة أختها لتبكي فرحًا رغمًا عنها ثم نظرت لفايز الذي حمل الطفلة قبل أن يسلمها لفوزي المتوتر من هذه اللحظة لتتأمله .. كم تمنت أن يصبح أبًا لأطفالها لكنها لم تستطيع . ثم فجأة أدركت أنها كانت الملامة الأولى في هذه الزيجة ! لم يخدعها فايز ولم يخفي عنها أي شيئ .. بل كان واضحًا وصريحًا وهي من اختارت وقبلت بل وسعت في تدمير حياة أختها... لم يكن فايز المذنب الوحيد ..

_______

إلى الآن لم تتم احتفالية المولود فرنيم حدث لها مضاعفات في الجرح بسبب وزنها وارهاقها مع الطفلين وأبى فواز أن يقيم أي احتفال أو العقيقة حتى تصح رنيم ... لكنها تخطها وقد مضت فترة النفاس وانتهت على خير ....

بعدما تعافت رنيم بدأ فواز يحاول التقرب من رنيم بطريقته الخاصة، مستغلًا خفة دمه التي كانت دائمًا ما تجذبها له في الماضي. كان يعلم أن العلاقة بينهما متوترة، لكنه لم يفقد الأمل في الوصول إليها بطريقة غير مباشرة، بأسلوب لطيف ومرح.

في صباح أحد الأيام، كانت رنيم في المطبخ تحضر لها كوب قهوة استلذت أن تعده بيديها ليزيل عنها النعاس والتعب . دخل فواز بهدوء، مرتديًا ابتسامة ماكرة على وجهه. اقترب من خلفها وهمس بصوت ناعم

_ ريحتك أحلى من القهوة اللي بتعمليها على فكرة.

رنيم شعرت بوخزة في قلبها، لكنها رفعت حاجبيها ونظرت إليه بريبة.

_ انت بتعمل ايه يا فواز ؟

سألته وهي تضع الفنجان على الطاولة.

ابتسم، مستندًا على طاولة المطبخ ومقربًا وجهه إليها بخفة.

_ مش بعمل حاجة، بس بحاول أفكرك إنك أجمل حاجة في الصبح ده

هزت رأسها وضحكت بخفة، وكأنها تعلم أنه يحاول جذبها بطريقة لطيفة.

_أنت عارف إني مش هقع في المصيدة دي بسهولة، صح؟

فواز أطلق ضحكة صغيرة، ثم ردّ

_ وأنا كمان مش بستسلم بسهولة

تبادلا النظرات الخبيثة وكلاهما ينوي النوايا للآخر ثم على حين غرة اقترب فواز من رنيم بسرعة لتندهش بينما رفع يدها برفق يقرب الكوب من شفتيه قائلا بنبرة ناعسة

_ قهوة من ايديكي !

أخذ رشفة ثم تنهد في شوق ووجهه قريبا لها وعينيه مثبتة في عينيها

_ مشربتهاش من زمان .. من أيام ما كنتي بتنضفيلي المكتب

_ أوعى

دفعته رنيم بعيدًا عنها بعيون حمراء 

لكنه اقترب قائلاً _ وشك اتغير ليه ؟ دي كانت أحلى أيام

_ مش أحلى أيام ولا حاجة ...

نفت بصوتها الرقيق ليهمس في تلاعب

_ دا المكتب دا شاف بطولات

دفعته مرة أخرى بعدما أقترب منها

_ أوعى كدة وهات القهوة دي

تفاجئ من غضبها الظاهر وهمت لترحل لكنها استدارت وقالت

_ وعلى فكرة بقى أنا عملتهالك واحنا في بيت بابا بس أنت دماغك وحشة وعاوز تضايقني ومش فاكر غير دي وبس

تأفف فواز فكل محاولاته معها تبوء بالفشل وينتهي به الأمر بسوء الظن وبغضبها عليه ليقول

_ مكانش قصدي حاجة

_ لأ تقصد !

هاجمته ليقول فواز في أسف وقد أشفق على حالها بوجهها الشاحب وعيونها الحمراء ويبدو عليها آثار الحزن الدائم ليقول

_ طيب أنا آسف !

نظرت له في حزن .. وإذا امتزج حزنها بدلالها .. يذيق عقله وقلبه الويلات .. اقترب مرة أخرى ثم رفع يديها لفمه ليقبلها في عشق

_ أحلى قهوة بشربها من أحلى إيدين

تسمرت مكانها وهي ترى رجلها يدللها بهذه الطريقة وتلك النظرات التي تسيطر على كيانها كله وتجعلها صغيرة أمام قوامته وغرامه

_ مقصدش حاجة وحشة

مال عليها أكثر حتى ضم خصرها في رفق قائلاً في خفوت

_ دا أنا بقالي سنة بقول يوم من أيامك يا مكتب

ابتسمت رنيم في خجل شديد وحاولت أن تفلت منه لكنه أبى ثم نظرت له بقلق ليتركها تذهب وعينيه عليها وهي تسير بخطوات متوترة منه ...

ففواز قد نوى أنه لن يترك صغيرته تهرب هكذا فمدة النفاس انتهت وحقوقه الشرعية أكثر أقرب إليها من أي وقت سابق ولا يحول بينه وبينها شيئًا ! ...

_______

في خلال شهر كانت غادة تعلمت الكثير عن العمل وبسبب شرطها على فايز أصرت ان تحصل على وضع معين في الشركة في أحد الأقسام ورغم عدم منطقية طلبها بسبب خبرتها المعدومة إلا أنها لم تتنازل وعافرت في التعلم والتدريب ولم يخلو الوضع من مساعدين لها

اليوم يوجد عميل هام .. وهذه أول مرة ستتعامل مع عميل بنفسها وتستقبله في مكتبها

قال فايز في اجتماع مديرين الأقسام

_ مش هينفع طبعا دي مش عارفة حاجة

اعترض لتقول غادة

_ هينفع ونص وخليك في شغلك

نظر لها في انزعاج ليبتسم فواز ابتسامة مترقبة ثم تنهد وقال

_ لو العميل دا ضاع منك .. هتسيبي كرسيكي !

نظرت له غادة ثم رفعت حاجبها قائلة

_ وأنا موافقة!

تبادل فواز النظرات معها ثم نظر لفايز الذي تأفف فهي ستقابل العملاء .. ليس غيرة عليها فهي لا تهمه لكنه لا يطيقها في العمل بأي شكل من الأشكال

اليوم هو اليوم الموعود .. مقابلة العميل !

ارتدت بدلة سوداء لأول مرة ترتديها .. فأرادت أن تكون محترفة في العمل كما يقولون !

أخبرتها السكرتيرة بوجود العميل ووصوله لتتنهد وتسحب أنفاسها بسرعة تحاول أن تهدأ حتى تمر بأول اختبار على خير .. وفجأة بدون مقدمات دخل العميل دون طرق الباب بينما كانت مائلة بجسدها تعدل شعرها

_ إيه الجمدان دا !

هتف بها العميل والذي لم يكن سوى رجل في منتصف الثلاثينيات ...

نظرت له غادة منصدمة من اقتحامه المكتب بهذه الطريقة بينما هو أردف وعينيه مرتكزة عليها

_ وحش !

_ وحش لما يلهفك !

ردت غادة في غضب شديد ولم تستطع أن تمنع نفسها من تلقين هذا الوقح الوسيم والطويل درسًا لن ينساه !

شاركنا شعورك:

التعليقات على الفصل

سجل دخول للتعليق
كن أول من يعلق